الحكومة اللبنانية Archives - 180Post

Up-the-creek.jpg

من مضيق هرمز إلى نهر الليطاني في جنوب لبنان، ومن العقوبات إلى الأصول المجمدة: مكاسب متبادلة بين واشنطن وطهران، لكن هل تمتلك إسرائيل القدرة على تعطيل الاتفاق قبل أن يتحول إلى تسوية نهائية خلال ستين يوماً من تاريخ توقيعه؟

764.jpg

لم يعد أمراً خافياً أن لبنان يعيش انقسامات حادة شتى، تعبّر عن تاريخ من التراكمات والصراعات والحروب والعصبيات والمصالح والفئات. لكنها أيضاً تعبّر عن غياب الإطار الانتمائي الذي عُرف بالدولة الحديثة أو الدولة الوطنية، والذي تطور توصيف دوره وأدواته إلى أن أصبح دولة المؤسسات والقانون ذات الطبيعة الرعائية، قبل ولوجنا انفجارات المرحلة الحالية – في العالم ولبنان ضمناً – التي تعكس تحوّلات جذرية في كل هذه الأطر والأبعاد.

Netanyahu-and-the-US-Iran-agreement.jpg

لغة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران لم تنتفِ، برغم مرور بعض السفن في مضيق هرمز؛ فالاتفاق الذي يُفترض توقيعه يوم الجمعة المقبل يحمل في داخله آلاف العقد، وكل عقدة منها قادرة على تفجير الوضع وإعادة المنطقة إلى نقطة الصفر.

800-22.jpg

حين تُدوّن الحروب، غالباً ما تبدأ الرواية من الجبهات وتنتهي عند أعداد الضحايا والنازحين. تُقاس المدن بما خسرته من أبنية، وتُختزل المأساة في جداول إحصائية وتقارير إنسانية تلاحق الأرقام أكثر مما تلاحق البشر. لكن بعض الدراسات تبدأ من النقطة التي تنتهي عندها معظم التقارير؛ من الحياة اليومية التي يضطر الناس إلى إعادة بنائها بعدما تنتهي لحظة الهروب الأولى.

800-4.png

ما أن أصيبت المقاومة بنكسة كبيرة في أيلول/سبتمبر 2024، ثم على مدى 15 شهراً تلت توقيع اتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، حتى صار "الخيار الإسرائيلي" في لبنان له سرديته ومن يدافع عنه في السياسة والإعلام، بعدما ترسخت طويلاً فكرة أن هذا "الخيار" هُزِمَ لبنانياً في لحظة إقرار اتفاق الطائف.

800-9.jpg

«قل لي من تعايش.. أقول لك من أنت». لا بد أن أغلبية اللبنانيين تستشهد بهذا المثل إما أمام ابنهم الطائش أو أمام شريك تجاري خرج عن خط الأمانة.. أو سياسي يُوجّه ملامة لرفيق درب بدأ ينزلق نحو الجل المقابل أو إعلامي يُردّد عبارات لم تكن مألوفة في قاموسه السياسي الإعلامي.

800-14.jpg

لم تكن هذه المرة الأولى التي يُدفع فيها لبنان إلى توقيع اتفاق قسري تحت ترهيب السلاح من إسرائيل؛ ففي عام (1982) احتلت القوات الإسرائيلية العاصمة اللبنانية بيروت. اهتزت المنطقة العربية تحت وطأة الصدمة. خرجت تظاهرات شعبية غاضبة من الأزهر الشريف، كأن مصر تستعيد ذاكرتها وإرث المقاومة فيها أثناء العدوان الثلاثي، وصرخة «جمال عبد الناصر» تدوي من فوق منبره: «سنقاتل ولن نستسلم أبدًا».

840.jpg

بين نار الاعتداءات الإسرائيلية وضغط التجاذبات الداخلية، يجد الجيش اللبناني نفسه أمام اختبارٍ مركّب: الحفاظ على تماسكه كضامن للاستقرار، في لحظة يُعاد فيها رسم حدود السيادة، لا على الأرض فقط، بل داخل السياسة اللبنانية نفسها. في هذا السياق، لا يمكن قراءة استهداف الحواجز العسكرية أو الحملات على قيادته كوقائع منفصلة، بل كجزء من مسارٍ متكامل يضع المؤسسة أمام أخطر تحدٍّ منذ نهاية الحرب الأهلية.

760-1.jpg

ليس أخطر ما يواجهه لبنان اليوم اتساعُ الجبهة الجنوبية فحسب، ولا احتمالُ الاجتياح البري الإسرائيلي وحده، ولا مشهد القتل والتهجير والخراب. الأخطر أن البلد يقف على تخوم لحظة تأسيسية معاكسة: لحظة يُراد فيها استغلال عدوان خارجي غير مسبوق لإعادة ترتيب الداخل اللبناني نفسه تحت ضغط النار. هنا بالذات يصبح الخوف على السلم الأهلي أكبر من الخوف على الجبهة وحدها، لأن النار، حين تعجز عن الحسم الكامل في الميدان، قد تُستثمر لفرض وقائع سياسية ومعنوية داخلية أشد أثرًا وأطول عمرًا.

nabih.jpg

في خضم هذا المشهد اللبناني الإقليمي الملتهب، كان لافتاً للانتباه موقف الرئيس نبيه بري. فعندما سُئل عن التطورات اكتفى بالقول: «لا تعليق». عبارة «لا تعليق» أتت من رجل يحمل في جعبته من الخبرة ما لا يمتلكه أي من الساسة اللبنانيين، وباعترافهم. فمن خاض أصعب وأعتى وأخطر المعارك السياسية أدرك مبكراً أن ما يجري ليس مجرد معركة عسكرية عابرة، ولا مجرد جولة جديدة من جولات الصراع المعهودة، بل تأسيس لمشروع تفتيتي جديد يعيد رسم خارطة المنطقة على مقاس «إسرائيل الكبرى» المُشتهاة.