لبنان الكبير بين الرواية الوطنية والاقتصاد السياسي!

إن الاحتفاء بالبطريرك الياس الحويك بوصفه "أب لبنان الكبير" هو مثال على تحويل لحظة تاريخية معقدة إلى رواية وطنية أحادية. فالحويك كان بلا شك شخصية محورية في المسار السياسي الذي قاد إلى إنشاء لبنان الكبير، لكن اختزال ولادة الكيان اللبناني بشخصه، أو تقديمها كإنجاز لبناني جامع، يحجب شبكة معقدة من المصالح الدولية والطبقية والطائفية التي أحاطت بهذه الولادة.

ففي نهاية الحرب العالمية الأولى انهارت الدولة العثمانية، ودخل المشرق العربي مرحلة إعادة رسم الخرائط وفق مصالح القوى الإمبريالية المنتصرة. ولم يكن إعلان الجنرال الفرنسي غورو قيام “دولة لبنان الكبير” عام 1920 نتيجة تطور تاريخي داخلي أو تعبيراً عن إرادة وطنية جامعة، بل جاء في إطار مشروع استعماري لإعادة تنظيم المنطقة بما يخدم المصالح الاستراتيجية والاقتصادية للقوى الإمبريالية المنتصرة، وفي مقدمتها فرنسا وبريطانيا.

ولم يكن ضم بيروت وطرابلس وصيدا والبقاع إلى جبل لبنان مجرد استجابة لمطالب الوفد الذي ترأسه البطريرك الياس الحويك، بل كان أيضاً استجابة لحاجة فرنسا إلى إنشاء كيان يؤدي وظيفة اقتصادية وسياسية محددة داخل منظومة الانتداب. فقد أرادت فرنسا أن تجعل من بيروت ومرفئها مركزاً مالياً وتجارياً يربط الداخل السوري بالاقتصاد الرأسمالي العالمي، مستندة إلى نفوذ اقتصادي سبق أن راكمته داخل الإمبراطورية العثمانية عبر امتيازات توسعة المرفأ ومشاريع السكك الحديدية، ولا سيما خط بيروت ـ دمشق وخط بيروت ـ حمص، في سياق توسع النفوذ الاقتصادي والسياسي الأوروبي في المشرق. وكان ذلك كله جزءاً من مسار أوسع لإقامة شبكة مصالح تربط المنطقة بالاقتصاد الرأسمالي العالمي وتؤمن لفرنسا موقعاً دائماً في شرق المتوسط. ومنذ تلك اللحظة، لم يتحدد موقع لبنان بحدوده الجغرافية فحسب، بل أيضاً بالوظيفة التي أُنيطت به داخل التقسيم الإمبريالي للعمل.

هنا يبدأ الخلاف التاريخي. فبالنسبة لقطاع واسع من النخب المارونية، شكّل لبنان الكبير تحقيقاً لحلم إقامة كيان يتمتع بحماية فرنسية ويضمن استمرار الدور السياسي للموارنة. أما بالنسبة لكثير من المسلمين في المناطق المضمومة، فقد بدا الكيان الجديد مشروعاً فُرض عليهم دون استفتاء، وفصلاً عن المجال السوري الذي كانوا مرتبطين به ويعدّون أنفسهم جزءاً منه.

ولا يمكن إنكار أن الحويك لعب دوراً أساسياً في هذا المشروع. فقد ترأس الوفد اللبناني إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، وطالب بتوسيع حدود جبل لبنان. وكان يحمل تصوراً واضحاً للبنان يقوم على خصوصية الكيان، والارتباط السياسي والثقافي بفرنسا، وضمان الموقع القيادي للطائفة المارونية في الدولة الجديدة. غير أن هذه الرؤية كانت تعبر عن مصالح شريحة اجتماعية وسياسية محددة، ولم تكن تعكس بالضرورة إرادة جميع سكان المناطق التي أُلحقت بلبنان الكبير.

ومن هنا، لا يصح تصوير الحويك بوصفه “صانع لبنان”. فقد سبق قيام لبنان الكبير تاريخ طويل لإمارة جبل لبنان، وصراعات عثمانية ومحلية، وتدخلات أوروبية متزايدة منذ القرن التاسع عشر. كما أن ولادة الكيان جاءت نتيجة تفاعل بين مصالح الاستعمار الفرنسي، ومطالب النخب المحلية، وانهيار السلطنة العثمانية، وإعادة تقسيم المشرق العربي بعد الحرب العالمية الأولى.

لكن اختزال القضية في خلاف بين “مسيحيين أرادوا لبنان” و”مسلمين رفضوه” يبقى تبسيطاً مضللاً. فداخل كل طائفة كانت توجد انقسامات طبقية واجتماعية واضحة. وكان الإقطاع، والتجار، وأصحاب الرساميل، والفلاحون، يعيشون مصالح متناقضة كثيراً ما غطتها الانقسامات الطائفية.

ومن هنا أيضاً ينبغي التمييز بين المجتمع اللبناني وبين الكيان السياسي الذي أُقيم عام 1920. فأزمة لبنان ليست أزمة مجتمع متعدد، بل أزمة الصيغة السياسية والاقتصادية التي أنشأها الانتداب، والتي حولت الانتماءات الطائفية إلى قاعدة لتنظيم السلطة والدولة.

ولعل الإشكالية الأعمق لا تكمن في شخص البطريرك الياس الحويك، بل في طبيعة المشروع الذي ارتبط بولادة لبنان الكبير. فمن الصعب فهم تطور الدولة اللبنانية خارج موقعها كدولة طرفية نشأت في ظل الانتداب الفرنسي، وارتبطت منذ تأسيسها ببنية الاقتصاد الرأسمالي العالمي. فلم يُبنَ اقتصادها على قاعدة إنتاج صناعي وزراعي متكامل، بقدر ما تكرس تدريجياً حول الخدمات والوساطة التجارية والمالية والمصرفية، وهي الوظائف التي انسجمت مع موقعها داخل التقسيم الدولي للعمل الذي فرضته الرأسمالية الغربية في المشرق. فالدول لا تُعرّف فقط بحدودها أو مؤسساتها، بل أيضاً بالوظيفة التي تؤديها داخل النظام الدولي، ويبدو أن لبنان قد تشكل، إلى حد بعيد، بوصفه وسيطاً مالياً وتجارياً يخدم حركة رأس المال في المنطقة أكثر مما يشكل قاعدة لاقتصاد وطني منتج.

وفي هذا السياق، برزت برجوازية كومبرادورية ارتبطت مصالحها عضوياً بالرساميل والأسواق الخارجية أكثر من ارتباطها بتنمية الاقتصاد الوطني. ولم تبدُ الدولة، في كثير من مراحل تاريخها، حكماً محايداً بين الجماعات الاجتماعية والطائفية، بقدر ما مثلت الإطار السياسي الذي أُعيد من خلاله إنتاج مصالح هذه الفئات وعلاقاتها بمراكز النفوذ الخارجية. كما تحولت الطائفية، تدريجياً، من تعبير عن التعدد الاجتماعي إلى آلية لتوزيع السلطة والثروة وإعادة إنتاج التوازنات التي يقوم عليها النظام.

ومن هذا المنظور، لا يبدو غياب الهوية الوطنية الجامعة نتيجة للتعدد الطائفي وحده. فالخبرة التاريخية تشير إلى أن البرجوازية الوطنية المنتجة كانت، في تجارب كثيرة، إحدى القوى الدافعة نحو توحيد السوق الوطنية وبناء مؤسسات الدولة الحديثة. أما في الحالة اللبنانية، فقد لعبت البرجوازية الكومبرادورية دوراً مختلفاً، إذ لم تكن مصالحها تقتضي بالضرورة تجاوز البنى الطائفية، بل وجدت فيها إطاراً مناسباً للحفاظ على موقعها داخل منظومة التبعية الاقتصادية والسياسية.

وعندما نال لبنان استقلاله عام 1943، لم يؤدِّ انتقال السلطة من الانتداب الفرنسي إلى النخب المحلية إلى تغيير جوهري في هذه البنية. فقد أسس الميثاق الوطني لتسوية سياسية وفرت قدراً من الاستقرار، لكنها حافظت في الوقت نفسه على الأسس الاقتصادية والاجتماعية التي قام عليها الكيان، واستمرت الوظيفة الريعية والوسيطة للاقتصاد اللبناني، وإن بأدوات محلية هذه المرة.

إقرأ على موقع 180  شاهدتُ نهاية العالم في قلب بيروت

غير أن تطور الكيان اللبناني لم يجرِ في فراغ. فقد جاء قيام لبنان الكبير متزامناً مع تنفيذ وعد بلفور، ثم مع إقامة المشروع الصهيوني في فلسطين عام 1948، والذي حظي منذ نشأته بدعم قوى إمبريالية غربية كبرى. وأصبح بعد قيام إسرائيل أحد الركائز الأساسية للنظام الإقليمي الذي حافظ على تفوق المصالح الغربية في المنطقة، ورسّخ موقع إسرائيل كعنصر مركزي في منظومة الهيمنة الغربية في الشرق الأوسط. وبصرف النظر عن اختلاف المقاربات الفكرية في تقييم وظيفة المشروع الصهيوني، فإن قيام إسرائيل شكّل تحولاً استراتيجياً عميقاً في المشرق العربي، إذ جعل المنطقة ساحة صراع دائم، وأثر بصورة مباشرة في مسارات بناء الدولة والتنمية والتحرر الوطني.

وكان لبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته الداخلية، من أكثر البلدان تأثراً بهذه التحولات. فمنذ نكبة فلسطين، مروراً بالاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، والاحتلالات والاجتياحات والحروب، تداخلت تناقضاته الداخلية مع الصراع العربي الإسرائيلي، فأصبحت أزمته نتاج تفاعل بين بنيته الطائفية والاقتصاد الطرفي من جهة، وبين الضغوط الجيوسياسية والإقليمية والدولية من جهة أخرى. ولم يؤد المشروع الصهيوني، بوصفه أحد عناصر النظام الإقليمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، إلى تهديد فلسطين وحدها، بل أسهم أيضاً في تعطيل كثير من مشاريع التنمية والوحدة والتحرر الوطني في المنطقة، وجعل أمن الكيان الإسرائيلي واستمرار تفوقه العسكري والسياسي عاملاً مؤثراً في سياسات القوى الغربية تجاه المشرق العربي، بما فيه لبنان.

ومن هنا، فإن مأزق لبنان لا يمكن اختزاله في الطائفية وحدها، ولا في التدخلات الخارجية وحدها، بل في التفاعل بين دولة طرفية تابعة، ونظام طائفي يعيد إنتاج الانقسام، وبرجوازية كومبرادورية ترتبط مصالحها بالخارج، وبيئة إقليمية تشكلت في ظل استمرار الصراع العربي الإسرائيلي. ولهذا تبدو إمكانات بناء دولة مواطنة حديثة محدودة ما دامت هذه الشروط البنيوية قائمة، لأن إعادة إنتاج الانقسام تبقى جزءاً من آلية إعادة إنتاج النظام نفسه.

ولذلك فإن الحروب الأهلية، والانهيارات الاقتصادية، والتدخلات الأجنبية، والعجز المزمن عن بناء دولة المواطنة، لا تبدو أحداثاً منفصلة أو مجرد أخطاء سياسية متراكمة، بل تعبيرات مختلفة عن تناقضات رافقت نشأة الكيان منذ عام 1920، واستمرت في إعادة إنتاج نفسها بأشكال جديدة.

وبهذا المعنى، فإن قراءة تجربة البطريرك الياس الحويك لا تتعلق بالحكم على رجل أو بإنكار دوره التاريخي، بل بفهم طبيعة الكيان الذي أسهم في ولادته، والسياق الدولي والإقليمي الذي نشأ فيه. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد أكثر من قرن على إعلان لبنان الكبير، هو: هل تستطيع الصيغة التي نشأ عليها هذا الكيان، بوصفه دولة طرفية داخل نظام إقليمي ودولي يتغير بصورة متسارعة، أن تستمر في أداء الوظيفة التي تشكلت في إطارها تاريخياً، أم أنها بلغت حدودها التاريخية؟

وإذا كانت الأزمة اللبنانية ذات طبيعة بنيوية، فإن تجاوزها لا يبدو ممكناً من خلال إصلاحات دستورية أو إعادة توزيع الحصص الطائفية فحسب، لأن هذه الإصلاحات تبقى محكومة بالبنية نفسها التي أنتجت الأزمة. ذلك أن مهام بناء الدولة الوطنية الديموقراطية ترتبط عضوياً بمهام التحرر الوطني، كما أن التحرر الوطني نفسه يظل ناقصاً ما لم يقترن بفك التبعية البنيوية لمراكز الهيمنة الإمبريالية وببناء اقتصاد وطني منتج يحد من هيمنة البرجوازية الكومبرادورية على الدولة والمجتمع.

فالاستقلال السياسي، إذا بقي منفصلاً عن التحرر الاقتصادي، قد يتحول إلى استقلال شكلي تعيد فيه الطبقات المحلية المرتبطة بالخارج إنتاج علاقات التبعية بأدوات وطنية. ولا يمكن لدولة المواطنة أن تنمو فوق قاعدة اجتماعية يعاد فيها إنتاج الطائفية بوصفها أداة لإعادة إنتاج التبعية.

ومن هنا، فإن مستقبل لبنان لا يتوقف على إعادة صياغة العقد الدستوري وحدها، بل على إعادة تعريف موقعه داخل النظام الإقليمي والدولي، وعلى قدرة القوى الاجتماعية الحاملة لمشروع التغيير على الربط بين مهام التحرر الوطني، وفك التبعية، والتحول الديمقراطي، والعدالة الاجتماعية، باعتبارها عملية تاريخية واحدة لا يمكن تجزئتها.

وعندها فقط يصبح ممكناً النظر إلى البطريرك الياس الحويك بوصفه شخصية تاريخية أسهمت في تأسيس مرحلة من تاريخ لبنان، لا بوصفه مؤسساً لكيان خارج التاريخ، ولا بوصفه رمزاً وطنياً فوق النقد. فالدول، مثلها مثل جميع الظواهر التاريخية، لا تولد لتبقى إلى الأبد، بل تخضع لشروط نشأتها، وتتغير بتغير البنى الاجتماعية وموازين القوى التي أوجدتها. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالحويك، بل بتاريخ الكيان نفسه، وبشروط استمراره مستقبلاً، خصوصاً ان تغيرات عميقة طرأت على الظروف التي أفرزته على ضوء التحولات الكبرى في المنطقة والعالم، وهذا ما يفتح السؤال التاريخي الأكبر أمام اللبنانيين: هل يكون المستقبل مجرد إعادة إنتاج للصيغة التي حكمت الكيان منذ تأسيسه، أم أن التحولات الداخلية والإقليمية والدولية تفرض الانتقال نحو مشروع تاريخي جديد يعيد تعريف الدولة ووظيفتها وموقعها في المنطقة والعالم؟

Print Friendly, PDF & Email
طنوس شلهوب

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني مقيم في كندا

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  "يوم الحساب" و"حكومة غزة".. هل يُطيحان بوقف النار؟