من جنوب لبنان إلى هرمز.. خبراء يجيبون على أسئلة الحرب

نام أهل جبل عامل على فرحة التحرير عام 2000، فأسّسوا ورمّموا وبنوا ووسّعوا وزرعوا وأنتجوا، حتى بات الجنوب وجهة لبنانية وعربية. جاء صيف العام 2006، فإذا بوعد تحرير الأسرى يُمسي حرباً خرجت منها المقاومة مرفوعة الرأس، ولكن الثأر الإسرائيلي صار مضاعفاً.. ثم كان ما كان في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. شهور وأيام وجبل عامل يساند غزة؛ فكان أن دفع الجنوبيون ثمن الإسناد. لامهم كثيرون على هذا الخيار.. ولا سيما في ضوء التخلي الرسمي العربي عن غزة وأهلها لا بل عن قضية فلسطين، ولكنهم ما بدلوا تبديلا.

إلى هنا، بدت المسألة واضحة: تهجّر أهالي الشريط الحدودي منذ ذلك التاريخ، وتدمرت بيوتهم وأملاكهم، واستُشهد أبناؤهم. كل ذلك والعرب صامتون، بل استمرت بعض الخيارات العربية في التموضع السياسي والإعلامي المناهض للمقاومة، بالتوازي مع تمدد الحضور العسكري الأميركي في المنطقة.

نام أهل الجنوب اللبناني وكلهم إيمان بقوتهم. إلا أن جاءت الضربة القاسية عبر تفخيخ “البايجرز”، ثم اغتيال قادة “الرضوان” فـالسيد حسن نصرالله ووريثه السيد هاشم صفي الدين، بعد عام من حرب الإسناد.

عندها، وبسرعة البرق، خرجت التوقعات إلى العلن، وتسابقت التحليلات اللبنانية حتى بدت كأنها تتفوّق على الذكاء الاصطناعي نفسه. مرّت الأشهر الأولى من عام 2025 في ظل صبر وتحمّل يفوقان الوصف، واُدرج ذلك في خانة “الصبر الاستراتيجي”. خمسة عشر شهراً عاش خلالها مجتمع المقاومة المجروح قلق الاغتيالات، وقهر الخسائر، وضغط السياسية والإعلام.

وأهل جبل عامل لهم خصوصيتهم، ليس بلهجتهم فقط، بل بحبهم للحياة والعمل والمبادرة والتفوق. لم يكسرهم عدو. فمنذ مقاومة الإستعمار الفرنسي وصولاً إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، كانوا سنداً لكل مقاوم واحتضنوا أشكالاً مختلفة من النضال، في تجاربهم الوطنية والقومية والأممية.

تحمّلوا تدمير اقتصاد ناشئ قام في معظمه على المبادرات الفردية، لا على رعاية السلطات المتعاقبة منذ عام 1948، وساعدتهم في بنائه هجراتهم وانتشارهم في الداخل والخارج.

واليوم أيضاً، لم يتخلَّ العامليون عن فكرة المقاومة برغم الأثمان الهائلة التي دفعوها في الأرواح والممتلكات، وسط انقسامات داخلية حادة ونعرات سياسية أعادت استحضار الكثير من ذاكرة الحرب اللبنانية.

المقاومة قامت بواجبها، وأهل الجنوب لم يقصّروا. قدّموا معظم ما يملكون وما زالوا يؤمنون بقدرة المقاومة المتراكمة تاريخياً.

لكن من هنا تحديداً يبدأ السؤال: على قيادة المقاومة أن تكون على قدر هذه التضحيات الكبيرة. صحيح أن مجتمع جبل عامل لا ينتظر رد الجميل بقدر ما ينتظر العودة وعدم تكرار مأساة الفلسطينيين، لكن ذلك يفتح الباب أمام أسئلة مصيرية:

ما هو تصور المقاومة لانسحاب الاحتلال وعودة الناس أولاً؟ ما هي رؤيتها المستقبلية حيال ناسها؟ هل سيبقى الخيار العسكري وحده طريقاً للمواجهة؟ أم أن المرحلة المقبلة ستفرض تحولاً في أولويات المجتمع الجنوبي وأجياله الجديدة؟ وهل تستطيع المقاومة، ومعها الدولة اللبنانية، تحويل إقليمية الملف من عبء إلى عنصر قوة، بعدما عجزت السلطات الرسمية عن استثمار هذا الموقع؟

هل نحن أمام احتمال هدنة طويلة الأمد وهل يمكن أن تختلف أولويات طهران عن أولويات المقاومة؟ وهل سيبقى العامليون الجدد، ما بعد مواجهات الثاني من آذار/مارس 2026، أوفياء لفكرة المقاومة الكربلائية: “السِلّة ولا الذلّة”؟ أم سيبحثون عن أشكال أخرى من المقاومة، بما فيها المقاومة المدنية التي طُرحت في ثمانينيات القرن الماضي إذا تغيّرت شروط الإسناد الإقليمي؟

هالة أبو حمدان: الخيار الكربلائي

في هذا الإطار، تعتبر أستاذة القانون العام في الجامعة اللبنانية، الدكتورة هالة أبو حمدان، “أن دخول المقاومة في الحرب الحالية في الثاني من آذار/مارس 2026 كان هدفه التشبيك مع إيران التي تعرضت لحرب أميركية إسرائيلية، وكان الهدف محاولة الاستفادة من مخرجات تلك الحرب لتثبيت معادلات تحمي الداخل اللبناني. لذلك، كان لا بد من التشبيك مع الحرب الإيرانية ـ الأميركية (الإسرائيلية) لتحقيق وقف نهائي لإطلاق النار، وهو ما اشترطته إيران في البند الأول من التفاهم، أي وقف إطلاق نار شامل وتام”، وتضيف: “التشبيك مع هذه الحرب أدخل لبنان وبيئة المقاومة في خيار كربلائي كان لا بد منه. وكان لا بد من تحمّل هذا الثمن حتى لا تستمر الانتهاكات الإسرائيلية التي جرت خلال سنة وثلاثة أشهر وسط صمت السلطة اللبنانية. إسرائيل تغتال، تقتل، تهدم، وتتغلغل من دون أن تكون هناك أي ردة فعل، سواء عالمياً أو عربياً أو محلياً، فكان لا بد من هذا الخيار الكربلائي”. وتضيف أبو حمدان أن تتمة البند الأول من مذكرة التفاهم التي تتعهد بضمان سلامة الأراضي اللبنانية وسيادتها كانت تعني من وجهة نظر طهران أن يكون لبنان خالياَ من أي وجود أجنبي على أرضه، وبالتالي كانت هناك فرصة لتحقيق الإنسحاب خلال مهلة الستين يوماً التي قرّرها الأميركيون والإيرانيون للتفاوض، قبل أن يُطل علينا الإتفاق الإطاري الهادف إلى إخراج لبنان من مسار إسلام آباد.

محمد شمص: العلاقة أكبر ممّا نتصوّر

أما الخبير في الشؤون الإيرانية، الدكتور محمد شمص، فيعتبر أن “الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران أعادت خلط الأوراق على مستوى الإقليم. فقد صنعت هذه الحرب معادلات جديدة، إذ لم تتحقق أهدافها بإسقاط النظام أو سحق محور المقاومة. وجاء صمود إيران أمام فائض القوة الأميركية والإسرائيلية صموداً تاريخياً أدهش الجميع”.

إقرأ على موقع 180  ترامب "النرجسي" ونتنياهو "المراوغ".. من يقود من؟

ويضيف شمص: “لفهم العلاقة بين طهران وبيروت، وتحديداً بين القيادة الإيرانية الجديدة وقيادة حزب الله الحالية، ينبغي أن نعرف طبيعة هذه العلاقة تاريخياً في مرحلة ما بعد انتصار الثورة الإسلامية. العلاقة ليست علاقة مصالح أو سياسة فقط. فمساعدة المقاومتين اللبنانية والفلسطينية قضية أساسية في الدستور الإيراني ومن مبادئ الثورة. يُضاف إلى ذلك العلاقة الشخصية التي جمعت الإمام الخامنئي الراحل بالسيد حسن نصرالله وقيادة حزب الله، وهي أشد وأقوى مع السيد مجتبى الخامنئي”.

ويتابع: “الشاهد على ذلك أنه بعد عودة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف والوفد الإيراني من أول جولة تفاوضية في إسلام آباد إلى طهران، وُجّه إليه لوم من قبل السيد مجتبى لأنه لم يطرح الموضوع اللبناني بالمستوى المطلوب. فكتب السيد مجتبى بخط يده أنه ينبغي أن يكون البند الأول في أي تفاهم إيراني ـ أميركي هو وقف إطلاق النار في لبنان. لذلك، العلاقة أكبر ممّا نتصور، وهي ليست سياسة ومصالح وبراغماتية فقط، بل أبعد من ذلك بكثير؛ إنها علاقة دين وإيديولوجيا وتاريخ وثقافة”.

هدى رزق: مجتبى سيولي الشأن الداخلي أولوية

أما الباحثة في علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى رزق، فتتوقع “أن تتركز سياسات الجمهورية الإسلامية على التماسك والوحدة الداخلية”.

وتعرب عن إعتقادها بأن المرشد “سيعطي أولوية لتعزيز دور الحرس الثوري في مفاصل الدولة، والقيام بمصالحات داخلية من خلال إيلاء الشأن الداخلي أهمية كبرى، والانفتاح على مختلف القوميات، كالأكراد، وتسوية الخلافات مع القوى السياسية”.

وتضيف: “سيكون هناك تركيز على الاقتصاد. ومن الواضح أن السيد مجتبى قريب من الحرس الثوري وعلاقته به جيدة، والحرس ليس مؤسسة عسكرية فقط، بل له حضور اقتصادي أيضاً. كما سيولي الشأن الإيديولوجي أهمية، مع نوع من الحرية المضبوطة داخلياً”.

وتتابع: “بالنسبة إلى المرشد الجديد، أعتقد أنه سيلتزم بمواصلة سياسة المقاومة واستراتيجية إيران القوية، مع السعي ضمن مناخ إقليمي منفتح إلى تثبيت ما يُسمّى التعاون الإقليمي والتنمية، خصوصاً مع دول الخليج. وهذه مسألة مهمة بالنسبة إليه. وسيحاول مجتبى الخامنئي الانفتاح على هذه الدول بشروط”.

وتختم رزق: “هذا يعني أن اختياره للمنصب عزّز تحول الجمهورية الإسلامية باتجاه تصالح قومي وتعزيز الروابط الداخلية، وهو أمر مهم جداً، وقد شهدناه خلال الحرب. ففي مرحلة ما بعد الحرب ستحصل إصلاحات داخل المؤسستين العسكرية والأمنية لضمان الاستقرار الداخلي، وبالتالي القضاء على الاختراقات الداخلية”.

عدنان منصور: لا تهاون إيرانياً حيال أي عدوان

ورداً على سؤال حول احتمال حدوث تغيير في السياسة الإيرانية بعد أن طويت مرحلة مرشد الثورة الإسلامية السيد علي خامنئي والسيد حسن نصرالله، يقول وزير الخارجية اللبناني الأسبق الدكتور عدنان منصور إن “سياسة إيران حيال إسرائيل ثابتة ولن تتغير. فهي لن تتهاون حيال أي عدوان تقوم به تل أبيب”، ويضيف: “بالنسبة إلى تعاطي إيران مع واشنطن، لا سيما بعد العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي عليها، فهو ينطلق من مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها بين الطرفين”.

وبرأيه، فإن “طهران تطالب بتنفيذ الاتفاق بحذافيره، انطلاقاً من البند الأول من المذكرة، الذي ينص على وقف إطلاق النار في المنطقة، وبالذات في لبنان. وقبل تنفيذ هذا البند، ستكون هناك صعوبة في إحراز تقدم جدي ومسؤول في تطبيق الاتفاق”، وأكد أنه إذا كانت هناك نوايا طيبة لدى الأميركيين عليهم أن يضغطوا على إسرائيل من أجل الإلتزام بوقف النار قبل كل شيء.

Print Friendly, PDF & Email
سلوى فاضل

صحفية لبنانية

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  إيران: حماسة انتخابية تُشعلها "عاصفة ظريف".. دعماً لبزشكيان!