دمشق “تبتعد” عن الإسلاميين اللبنانيين.. ما بعد السلطة ليس كما قبلها!

لا يُمكن تقييم زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان، إستناداً فقط إلى برنامج اللقاءات التي عقدها، فاختياره الاكتفاء بالمرجعيات الرسمية، من دون لقاء الجماعات الإسلامية التي دعمت الثورة السورية طوال سنوات الحرب، يطرح سؤالًا يتجاوز البروتوكول إلى طبيعة السياسة التي تريد دمشق الجديدة انتهاجها في لبنان.

قد يبدو هذا التفصيل، للوهلة الأولى، مسألة بروتوكولية لا تستحق التوقف عندها. غير أن وضعه في سياق العلاقة التي نسجتها المعارضة السورية مع البيئة الإسلامية في لبنان خلال السنوات الماضية يمنحه دلالة مختلفة. فطرابلس لم تكن مجرد محطة دبلوماسية في برنامج الوزير السوري، بل كانت إحدى أهم البيئات اللبنانية التي احتضنت الثورة، سياسيًا وشعبيًا، وشكلت مساحة للنشاط الإغاثي والدعوي والإعلامي المرتبط بها.

لذا، يُصبح الاكتفاء بزيارة المرجعية الدينية الرسمية وتجاهل تلك القوى الإسلامية وإلغاء مواعيد كانت مقررة، مدعاة أسئلة مشروعة ولا سيما لجهة النظرة السورية المستقبلية إلى دور الجماعات الإسلامية التي نصرت الثورة السورية.

وتشي زيارة الشيباني بأن النظام السوري الجديد لا يريد أن يرث تلقائيًا شبكة العلاقات التي نشأت خلال سنوات الثورة، وإنما يسعى إلى بناء علاقة مختلفة، تمر عبر المؤسسات الرسمية لا عبر الفاعلين السياسيين أو التنظيميين، حتى وإن كانوا من أبرز مؤيدي الثورة السورية.

ولا يمكن فهم هذه البراغماتية من دون العودة إلى طبيعة العلاقة التي تشكلت خلال سنوات الحرب السورية. فمنذ اندلاع الثورة عام 2011، برزت في لبنان قوى سياسية ودينية وإسلامية تبنت موقفًا داعمًا للمعارضة السورية بدرجات متفاوتة. وكانت منطقة الشمال ولا سيما طرابلس، بحكم موقعها الجغرافي وتركيبتها السياسية والديموغرافية، في مقدمة المدن والمناطق اللبنانية التي احتضنت الحراك السوري، سواء من خلال استقبال مئات آلاف النازحين، أو عبر المبادرات الإغاثية، أو النشاط السياسي والإعلامي الذي انخرطت فيه شخصيات وجمعيات إسلامية متعددة. زدْ على ذلك بعض الحراك المسلح من بوابة عكار إلى حمص.

لم تكن هذه العلاقة مجرد تعبير عن تضامن إنساني، بل تطورت إلى قنوات تواصل مباشرة مع شخصيات وقوى سورية أصبحت اليوم جزءًا من السلطة الجديدة في دمشق. لذلك، كان من الطبيعي أن تتوقع بعض هذه الجماعات أن يؤدي انتقال المعارضة إلى الحكم إلى تطوير تلك العلاقة، أو على الأقل الحفاظ على قنوات التواصل التي نشأت خلال سنوات الصراع.

ترتيب أولويات

لكن أن تكون معارضاً مسألة مختلفة عن أن تكون على رأس السلطة. فالحركات السياسية تستطيع أن تبني تحالفاتها وفق اعتبارات أيديولوجية أو مرحلية، أما الدولة فتخضع لحسابات أكثر تعقيدًا، تتعلق بالعلاقات الإقليمية، وصورة النظام السياسي، ومقتضيات العمل الدبلوماسي. ومن هذه الزاوية، يبدو أن السلطة السورية الجديدة بدأت تفصل تدريجيًا بين الإرث السياسي للثورة ومتطلبات إدارة الدولة. ثمة أولوية لاستعادة موقع سوريا ضمن النظام الرسمي الإقليمي وبناء سياسة خارجية أكثر توازناً، وهو ما يفرض تقليل الاعتماد على شبكات سياسية أو دينية عابرة للحدود كانت جزءًا من ظروف استثنائية فرضتها سنوات الحرب ومقتضياتها.

وتكتسب زيارة دار الفتوى في طرابلس أهمية خاصة. فالاختيار لم يكن محصورًا بزيارة مرجعية دينية سنية، بل بزيارة المرجعية الرسمية في المدينة التي ارتبط اسمها، أكثر من أي مدينة لبنانية أخرى، بدعم الثورة السورية. وهذا ما يجعل الرسالة السياسية للزيارة تتجاوز بعدها الديني.

كان بإمكان الشيباني، لو أراد، أن يعقد لقاءات مع شخصيات أو جمعيات إسلامية عُرفت بعلاقاتها الإيجابية مع السلطة الجديدة في دمشق، أو أن يخصص اجتماعًا محدودًا مع ممثلين عن هذه القوى، خصوصًا أن بعضها لم يخفِ دعمه للإدارة السورية الجديدة بعد سقوط النظام السابق. لكن غياب أي لقاء من هذا النوع يوحي بأن القرار كان مقصودًا، وأن دمشق أرادت أن تحدد منذ البداية الإطار الذي ستدار من خلاله علاقتها بالبيئة السنية في لبنان: سيكون التعامل مع المسلمين السنة في لبنان من خلال مؤسساتهم الدينية والرسمية، لا عبر الأحزاب أو الجماعات أو الشخصيات التي تشكلت علاقاتها معها في ظروف الثورة، وهذه الرسالة موجهة في الوقت نفسه إلى العواصم العربية لطأنتها بأن أدوات السياسة السورية لم تعد هي نفسها التي فرضتها سنوات الصراع، لكن هذا التكيف لا يعني أن النظام السوري الجديد يسعى للخصومة مع الجماعات الإسلامية السنية اللبنانية أو أنه يسعى إلى عزلها سياسيًا، لكن حتماً لم يعد يعتبرها الشريك الطبيعي في إدارة العلاقة مع البيئة السنية في لبنان. فالدولة، بخلاف الحركات السياسية، تميل إلى التعامل مع المؤسسات التي تتمتع بصفة رسمية وتمثيلية، لأنها تمنح العلاقات قدرًا أكبر من الاستقرار، وتجنبها الدخول في تعقيدات الاصطفافات الحزبية أو الأيديولوجية، كما يعكس ذلك إدراكًا لدى النظام الجديد بأن البيئة السنية اللبنانية أكثر تنوعًا من أن تختزل في قوى سياسية بعينها، وفي الوقت نفسه لا يريد الايحاء لأي طرف بأنه يحظى بعلاقة خاصة مع السلطة السورية الجديدة، من دون استبعاد احتمال دخول سوري أكبر في المستقبل عبر “فبركة” زعامة إسلامية لبنانية تتماهى مع الخطاب الرسمي السوري، تحت عباءة الدور التركي في كل من لبنان وسوريا.

إقرأ على موقع 180  معنى أن تكون معزولاً في نظام دولي أنت صانعه وقائده!

ويبدو أن السلطة السورية الجديدة تسعى، منذ توليها الحكم، إلى الفصل بين شرعيتها الثورية وشرعيتها الدستورية كدولة. فهي لا تنكر الخلفية التي جاءت منها، لكنها في المقابل لا تريد أن تبقى أسيرة لها في إدارة علاقاتها الخارجية. ولذلك، فإن الابتعاد عن الجماعات الإسلامية اللبنانية يمكن قراءته في سياق هذا التحول، لا باعتباره موقفًا من هذه الجماعات بحد ذاتها.

السؤال الذي يطرح لا يتعلق فقط بما إذا كانت سوريا الجديدة قد “خلعت عباءة الثورة”، بل بما إذا كانت تعيد تعريف مفهوم العلاقة نفسه. فالدولة التي خرجت من رحم الثورة تبدو اليوم معنية ببناء سياسة خارجية تختلف عن السياسة التي فرضتها سنوات المواجهة، وهو تحول ستكون له انعكاساته ليس على الجماعات الإسلامية اللبنانية وحدها، بل على طبيعة الحضور السوري في لبنان خلال السنوات المقبلة.

قد يكون من المبكر اعتبار زيارة الشيباني إعلانًا لسياسة سورية جديدة تجاه الجماعات الإسلامية في لبنان، لكن المؤكد أنها كشفت عن تغير في ترتيب الأولويات. فدمشق لا تبدو اليوم معنية بإعادة بناء شبكات النفوذ التي فرضتها سنوات الثورة، بقدر ما تسعى إلى ترسيخ صورة دولة تتعامل مع المؤسسات الرسمية وتعيد صياغة حضورها الإقليمي وفق منطق الدولة لا منطق الحركات.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  الفاتيكان ولبنان: إهتمام وغضب ومنح تربوية