في التغطية الغربية، برز اتجاه واضح ينظر إلى الجنازة باعتبارها اختبارًا لمستوى التماسك الداخلي الإيراني بعد الحرب. فقد وصفت صحيفة “نيويورك تايمز” العاصمة الإيرانية بأنها تحولت إلى «مركز رحلة خامنئي الأخيرة»، وإلى «حدث مهيب ونقطة تحول»، معتبرة أن إيران تسعى إلى إظهار القوة والاستقرار برغم استمرار حالة عدم اليقين. كما رأت أن تدفق الوفود الأجنبية يعكس اتساع النفوذ الإيراني وتزايد ابتعاد طهران عن الغرب، بينما جسّدت التحضيرات الدقيقة للمراسم صورة دولة قادرة على إدارة حدث استثنائي بهذا الحجم.
أما “هيئة الإذاعة البريطانية” (BBC) فاعتبرت أن المؤسسة الحاكمة وظّفت مراسم التشييع لإظهار تماسك النظام بعد الحرب والاحتجاجات الداخلية، بينما ركزت وكالة “فرانس برس” على أن المناسبة أتاحت لإيران فرصة لإظهار قدرتها على الصمود بعد الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في حين رأت شبكة “CNN” أن شوارع طهران بلغت أقصى درجات الاكتظاظ بالمشاركين، ووصفت “فايننشال تايمز” المشهد بأنه حشود مليونية تؤكد أنها «تحت سقف المرشد».
غير أن القراءة الغربية لم تتوقف عند المشهد الجماهيري، بل ربطته مباشرة بمستقبل السياسة الإيرانية. فقد ذهب أستاذ العلوم السياسية الأمريكي روبرت بيب إلى أن الحدث ليس مجرد جنازة، بل تحول استراتيجي قد يغير حسابات التفاوض الإيرانية، لأن الحشود لا تغير ميزان القوة العسكرية، لكنها تغير الإرادة السياسية، وترفع ثقة القيادة الإيرانية، بما يجعل مطالبها التفاوضية أكثر تشددًا في مرحلة تتزامن مع هشاشة الاقتصاد العالمي واحتمال تعرض أسواق الطاقة لصدمات جديدة. ومن هنا اعتبر أن السؤال لم يعد يدور حول استئناف المفاوضات مع واشنطن، بل حول حجم التنازلات التي قد تطالب بها طهران الطرف الآخر مستفيدة من تبدل البيئة السياسية.
وفي الاتجاه نفسه، رأت صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” أن الحرب التي كان يُراد منها إضعاف الجمهورية الإسلامية ربما أسهمت، على العكس، في تعزيزها. واستندت الصحيفة إلى آراء خبراء، بينهم ولي نصر، للقول إن الحرب أعادت تشكيل البيئة السياسية الداخلية، ورفعت منسوب الثقة لدى القيادة الإيرانية، وأعادت رسم أولويات المفاوضات مع الولايات المتحدة، بحيث أصبحت ملفات العقوبات والأصول المجمدة والاستثمار جزءًا من النقاش بعدما كانت بعيدة المنال قبل الحرب. كما نقلت الصحيفة عن باحثين “إسرائيليين” أن الضغط الخارجي الذي استهدف إسقاط النظام انتهى عمليًا إلى منحه فرصة جديدة لترسيخ سلطته.
في المقابل، أولت صحيفة “غارديان” البريطانية اهتمامًا كبيرًا للبعد الاجتماعي والنفسي للمراسم. فقد وصفت التشييع بأنه استعراض للوطنية بقدر ما هو مراسم حداد، وأن كثيرًا من المشاركين رأوا فيه دليلًا على أن إيران، بوصفها حضارة عريقة، واجهت قوة عظمى وخرجت من الحرب أكثر صلابة. واستوقفت الصحيفة عبارة رفعها أحد المشاركين: »نحن الشعب صواريخ إيران الحقيقية»، باعتبارها تلخيصًا للتحول الذي أراد كثير من الإيرانيين التعبير عنه، أي الانتقال من صورة الضحية إلى صورة المجتمع القادر على الصمود والردع. كما رصدت الصحيفة التعدد الاجتماعي للمشاركين، واختلاف دوافعهم، مع بقاء القاسم المشترك هو التعبير عن الهوية الوطنية في لحظة مفصلية.
الإعلام الصيني
أما الإعلام الصيني، فقد قدّم مقاربة مختلفة تمامًا. ورأت صحيفة “ليانهه زاوباو” أن سلسلة مراسم التأبين لم تكن مجرد وداع لقائد، بل عملية سياسية منسقة بعناية لإرسال رسائل مختلفة إلى الحلفاء والخصوم في آن واحد. وأشارت إلى الطريقة التي استخدمت بها إيران الآيات القرآنية لاستقبال الوفود الأجنبية، بحيث خُصص لكل وفد نص ديني يحمل رسالة تتناسب مع موقعه السياسي، سواء كان من محور المقاومة أو من الدول العربية أو من تركيا، في نموذج يعكس توظيف الرمزية الدينية في إدارة الاتصال السياسي والدبلوماسي. واستشهدت الصحيفة برأي الباحثة سانام وكيل التي رأت أن القيادة الإيرانية استخدمت النصوص القرآنية لإرسال إشارات استراتيجية وتشجيع الحلفاء وتحذير المنافسين الإقليميين بصورة غير مباشرة. وفي السياق نفسه، سلطت وسائل إعلام صينية أخرى الضوء على الضغوط الأمريكية الهادفة إلى تقليص المشاركة الدولية في مراسم التشييع، معتبرة أن محاولات ثني الدول عن إرسال وفود رسمية تعكس إدراك واشنطن للأبعاد السياسية التي قد يكتسبها الحدث، وليس مجرد كونه مناسبة بروتوكولية.
الإعلام الروسي
ما الإعلام الروسي، فقد اتجه إلى قراءة الحدث من زاوية مختلفة، عنوانها فشل الرهان الأمريكي والإسرائيلي على إضعاف إيران. ففي تقرير مطول نشره موقع “كوموسمولسكايا برافدا” (Komsomolskaya Pravda)، اعتبر المراسل العسكري غريغوري كوباتيان أن مجرد وصوله إلى الحشود كان كافيًا لإدراك حجم التعبئة الشعبية، وأن ما شاهده من تنظيم، وتضامن اجتماعي، وتعاون بين المشاركين، يكشف خطأ القراءة الغربية لطبيعة المجتمع الإيراني. وخلص إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل أخفقتا في فهم البنية الاجتماعية والثقافية التي تمنح إيران قدرتها على الصمود، وأن ما بدا للغرب فوضى هو في الحقيقة نظام اجتماعي قادر على إعادة تنظيم نفسه تلقائيًا في اللحظات الحرجة.
كما أبرز التقرير الروسي أن قوة إيران لا تقوم فقط على مؤسساتها الرسمية، بل على شبكة اجتماعية وثقافية تجعل المجتمع قادرًا على مواصلة العمل حتى في أصعب الظروف. ولذلك نقل عن مشاركين وسائق أجرة وصحفيين أجانب وصفًا لمجتمع تتجاور فيه الاختلافات السياسية مع شعور وطني جامع، بحيث يمكن لمن يؤيد الحكومة ولمن يعارضها أن يقفا في صف واحد عندما يتعلق الأمر بما يعدّانه اعتداءً على إيران وسيادتها.
تكشف هذه القراءات مجتمعة أن الإعلام العالمي، على اختلاف توجهاته، لم ينظر إلى مراسم تشييع الشهيد القائد السيد علي الخامنئي باعتبارها خاتمة لمسيرة قائد فحسب، بل بوصفها حدثًا يعيد تعريف صورة إيران بعد الحرب. صحيح أن كل مدرسة إعلامية قرأت الحدث من منظارها الخاص؛ فالغرب ركز على الشرعية والتفاوض، والصين على الرسائل الاستراتيجية، وروسيا على التماسك الوطني وفشل الضغوط الخارجية، إلا أن القاسم المشترك بينها جميعًا كان الإقرار بأن ما جرى في شوارع طهران تجاوز حدود الطقس الجنائزي، ليتحول إلى مشهد سياسي كثيف الدلالات، يحمل رسائل إلى الداخل والخارج معًا، ويؤشر إلى أن مرحلة ما بعد الحرب لن تكون امتدادًا بسيطًا لما سبقها، بل بداية إعادة تموضع جديدة لإيران في معادلات الإقليم والنظام الدولي.
