الغليفوسات.. من مبيدٍ في مختبر إلى سلاحٍ فتّاك في تربة جنوب لبنان

في البداية، لم يكن هناك حقل، ولا طائرة، ولا قرية حدودية تنتظر المطر بقلق. كان هناك مختبر هادئ في سويسرا، رفوف زجاجية، قوارير صغيرة، ومركب كيميائي جديد لا يعرف أحد بعد ماذا يمكن أن يفعل بالعالم.

في عام 1950، صنع الكيميائي السويسري هنري مارتان (Henri Martin) مركباً يحمل اسماً ثقيلاً على اللسان: الغليفوسات (Glyphosate). كان مجرد جزيء آخر في عالم الكيمياء العضوية، صيغة بين آلاف الصيغ، واحتمالاً دوائياً لم يثبت نفعه. لم يشفِ مرضاً، ولم يفتح باباً طبياً عظيماً، ولم يثر انتباه أحد. وكما يحدث لكثير من الاكتشافات التي لا تجد سوقاً سريعاً، وُضع المركب جانباً، كأن التاريخ قال له: انتظر.

لكن الكيمياء لا تموت بسهولة. الجزيئات، مثل الأفكار، قد تغيّر معناها حين تنتقل من سياق إلى آخر. ما لم يصلح للدواء، وجد لنفسه وظيفة أخرى: الارتباط بالمعادن. وهنا ظهرت أول شخصية حقيقية للغليفوسات؛ لم يكن بعد مبيداً للأعشاب، بل عاملاً مخلِّباً، أي مركباً قادراً على الإمساك بأيونات معدنية مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والحديد والنحاس. في ستينيات القرن العشرين، رأت فيه شركة ستوفر للكيماويات مادة مفيدة لإزالة الترسبات المعدنية من الأنابيب والمراجل الصناعية. كان، بمعنى ما، منظفاً عميقاً للأجسام الصلبة؛ يلاحق المعادن المترسبة في الداخل، ويفكك القشور التي تسد المجاري والأنابيب.

لم يكن أحد، على الأرجح، يتخيل أن الجزيء الذي بدأ حياته كمنظف للأنابيب سيصبح لاحقاً واحداً من أكثر المواد الكيميائية إثارة للجدل في تاريخ الزراعة الحديثة، ثم يدخل في فصل أكثر ظلمة: الحرب على الأرض نفسها.

جاءت نقطة التحول في العام 1970، داخل مختبرات شركة مونسانتو (Monsanto) الأميركية. كان الكيميائي جون فرانز (John Franz) يعمل على عائلة من المركبات المرتبطة بالفوسفونات، حين لاحظ شيئاً غير عادي: الغليفوسات لا ينظف الأنابيب فقط، بل يقتل النباتات. لم يكن يقتلها كسم عشوائي يحرق الأوراق من الخارج، بل يدخل إلى نظامها الحيوي ويعطل مفتاحاً أساسياً في بقائها. يهاجم إنزيماً يسمى EPSP synthase، وهو جزء من “مسار الشيكيمات” (Shikimate pathway)، ذلك الطريق الكيميائي الذي تستخدمه النباتات والبكتيريا وبعض الكائنات الدقيقة لإنتاج أحماض أمينية عطرية ضرورية لبناء البروتينات والنمو. حين يُغلق هذا الطريق، لا تموت النبتة فوراً كمن صُعق، بل تبدأ بالتوقف من الداخل. تنضب قدرتها على البناء. تذبل. تصفر. ثم تموت.

المعجزة العلمية.. المميتة

في العام 1974، ظهر الغليفوسات للعالم باسم تجاري سيصبح لاحقاً أشهر من الاسم العلمي نفسه: راوندأب (Roundup). قُدّم للمزارعين بوصفه معجزة عملية: مبيد أعشاب واسع الطيف، سهل الاستخدام، فعال، ويمكنه تنظيف الحقل من النباتات المنافسة. في عصر كان يبحث فيه العالم عن زيادة الإنتاج الزراعي، بدا الغليفوسات كأنه حل أنيق: رش، انتظر، ثم ازرع.

غير أن المعجزة الحقيقية، أو الكارثة المؤجلة، لم تكتمل إلا في التسعينيات، حين ظهرت المحاصيل المعدلة وراثياً المقاومة للغليفوسات. أصبحت الفكرة مذهلة في بساطتها: ازرع فول صويا أو ذرة أو قطن لا يموت بالغليفوسات، ثم رش الحقل كله. تموت الأعشاب، ويبقى المحصول. هكذا تحولت المادة من أداة زراعية إلى نظام إنتاج كامل. لم يعد الغليفوسات مجرد مبيد، بل أصبح جزءاً من هندسة عالمية جديدة للزراعة: بذور، براءات اختراع، شركات عملاقة، وسلاسل غذاء ممتدة من أمريكا اللاتينية إلى موائد العالم.

ومع كل موسم، كان الرذاذ يتكرر. ومع كل تكرار، كانت الأعشاب تتعلم بطريقتها البيولوجية الصامتة. لم تستسلم الطبيعة لهذا الغزو الكيميائي المستمر؛ بل بدأت معركتها من أجل البقاء. في عام 1996، ظهرت أولى علامات التمرد في أستراليا مع عشبة الزوان الصلب (Rigid ryegrass)، حين سُجلت مقاومة للغليفوسات. ثم توالت الحكاية في أماكن أخرى: أعشاب كانت تُعد عادية تحولت إلى ما تسميه الصحافة الزراعية “أعشاباً خارقة” (Superweeds)، مثل القطيفة بالمر (Palmer amaranth) في الولايات المتحدة.

لم تكن هذه الأعشاب تملك وعياً ولا خطة، لكنها امتلكت شيئاً أعمق: زمن التطور. بعض هذه النباتات غيّر شكل الإنزيم المستهدف، بحيث لم يعد الغليفوسات قادراً على الارتباط به كما كان يفعل. بعضها احتجز المادة في فجوات داخل الخلايا أو أطراف الأوراق، مانعاً إياها من الانتقال إلى الجذور والنقاط النامية. وبعضها فعل ما يشبه حيلة جينية مذهلة: نسخ جين EPSPS مرات كثيرة، فأغرق المبيد بكمية هائلة من الإنزيمات حتى لم يعد قادراً على إيقاف المسار الحيوي كله. وكأن النبات قال للرش المتكرر: إن كنت ستغلق باباً واحداً، فسأبني مئة باب.

لكن الصناعة الزراعية لم تقرأ هذا الرد كتحذير كافٍ. غالباً ما جاء الجواب بزيادة الجرعات، أو تكرار الرش، أو خلط الغليفوسات بمبيدات أخرى. وهنا بدأت رحلة الجزيء تتجاوز حدود الحقل. فكلما ازداد الرش، ازداد احتمال أن يتحول “الحل التقني” إلى بصمة كيميائية شاملة: في التربة، في الماء، في الهواء، في الغذاء، وربما في أجسادنا.

تحت سطح الأرض، كانت المأساة تتشكل بهدوء. لم يكن الغليفوسات يختفي دائماً بالسرعة التي روّجت لها الصور الدعائية. صحيح أنه يمكن أن يتحلل بفعل بعض الكائنات الدقيقة، وصحيح أن عمره في البيئة يختلف بشدة بحسب نوع التربة والرطوبة والحرارة والمادة العضوية، لكنه لا يتصرف كمادة عابرة دائماً. فهو يرتبط بقوة نسبية بمعادن التربة، خصوصاً الطين وأكاسيد الحديد والألمنيوم. هناك، يستعيد طبيعته القديمة كعامل مخلِّب، أي قدرته على الإمساك بالعناصر المعدنية.

هذه الخاصية نفسها التي جعلته مفيداً في تنظيف الأنابيب يمكن أن تثير أسئلة بيئية حين تتكرر في التربة: ماذا يحدث للزنك والحديد والمنغنيز والنحاس؟ هل تتغير إتاحتها للنباتات؟ هل تتبدل علاقة الجذور بالعناصر الدقيقة التي تحتاجها؟ بعض الدراسات تشير إلى أن الغليفوسات قد يؤثر في تغذية النبات المعدنية أو في علاقته بالكائنات الدقيقة، لكن قوة هذا الأثر تختلف من تربة إلى أخرى ومن محصول إلى آخر. المشكلة، إذاً، ليست في وجود آلية واحدة بسيطة، بل في شبكة من التفاعلات البطيئة التي لا يراها المزارع حين ينظر إلى الحقل من بعيد.

إلى موائدنا!

التربة ليست تراباً ميتاً. إنها مدينة ضخمة تحت أقدامنا: بكتيريا، فطريات، ديدان أرض، جذور، إنزيمات، وممرات دقيقة يتنفس عبرها النظام البيئي. حين يدخل الغليفوسات مراراً إلى هذه المدينة، قد يغيّر توازنها. بعض البكتيريا تمتلك مسار الشيكيمات نفسه الذي يستهدفه المبيد؛ لذلك فإن حساسيتها له ليست فكرة غريبة. تشير دراسات إلى أن بعض المجتمعات الميكروبية قد تتبدل، وأن بعض الوظائف الحيوية مثل تحلل المادة العضوية أو تثبيت النيتروجين أو نشاط الفطريات الجذرية قد تتأثر وفق الجرعة والصيغة التجارية وظروف التربة. أما ديدان الأرض، مهندسات التربة الصامتات، فقد تتأثر حركتها وتكاثرها ونشاطها حين تتعرض لتركيبات معينة أو تراكيز مرتفعة.

في هذا الفراغ الميكروبي المحتمل، تظهر مخاوف أخرى. فحين يضعف توازن التربة، يمكن أن تجد بعض الفطريات الممرضة فرصة أكبر للانتشار، ومن بينها أنواع من الفيوزاريوم، التي ترتبط بتعفن الجذور وبعض السموم الفطرية. لا يعني ذلك أن الغليفوسات وحده يخلق المرض دائماً، لكن الاستخدام المكثف والمتكرر يمكن أن يكون جزءاً من بيئة زراعية منهكة: مبيد أكثر، تنوع أقل، مقاومة أعلى، وتربة تفقد تدريجياً قدرتها على التنظيم الذاتي.

ومن التربة، ينتقل الجزيء إلى دورة المياه. قد تحمله الجسيمات المنجرفة مع السيول، وقد يصل إلى الجداول والأنهار، وقد يظهر في مياه سطحية أو في رواسب، وأحياناً في المطر والهواء قرب المناطق الزراعية. في دراسات أميركية شملت مناطق زراعية في ولايات مثل المسيسيبي وآيوا وإنديانا، رُصد الغليفوسات وناتج تحلله AMPA في عينات من الهواء والمطر خلال مواسم الزراعة. ليست هذه الأرقام حكماً عالمياً على كل مكان، لكنها تكشف شيئاً مهماً: الرذاذ لا يبقى دائماً حيث نريده أن يبقى. ما يُرش على الحقل قد يعود، بصورة ما، مع الغبار أو المطر.

في الماء، لا تتوقف الحكاية عند السمية المباشرة. الغليفوسات يحتوي على الفوسفور في بنيته، وبعض الكائنات، مثل أنواع من البكتيريا الزرقاء، قد تستخدم مركبات فوسفونية كمصدر للفوسفور في ظروف معينة. هنا تتقاطع القصة مع مأساة أوسع تعرفها البحيرات والأنهار في العالم: ازدهارات طحلبية، مياه تخضر فجأة، سموم سيانوبكتيرية، استهلاك للأكسجين، وأسماك تختنق في مناطق ميتة. لا يصنع الغليفوسات وحده هذه الكارثة؛ فالنيتروجين والفوسفور من الأسمدة والصرف الزراعي هما المحركان الأكبر غالباً. لكنه قد يدخل في الشبكة نفسها، كإضافة كيميائية إلى نظام مائي مشبع أصلاً بالمغذيات والاختلال.

أما البرمائيات، فهي من أكثر الكائنات هشاشة أمام هذا العالم الكيميائي. جلدها نافذ، دورة حياتها موزعة بين الماء واليابسة، وبيضها ويرقاتها يعيشان في برك ضحلة يمكن أن تتلقى جريان المبيدات. كثير من الجدل العلمي لا يدور حول الغليفوسات النقي وحده، بل حول التركيبات التجارية التي تحتوي مواد خافضة للتوتر السطحي تساعد المبيد على اختراق الأوراق، لكنها قد تزيد سمية الخليط للكائنات المائية. في بعض الدراسات، ظهرت آثار على نمو الضفادع وتطورها، وعلى طول فترة التحول، وعلى الأنسجة والأجهزة العصبية أو الهرمونية في الأسماك والبرمائيات. وهنا أيضاً، لا تكفي عبارة “المادة الزراعية المصرح بها” كي تغلق السؤال؛ فالكائنات لا تتعرض دائماً للمادة النقية، بل لخليط، في ماء، مع حرارة، ومع ملوثات أخرى.

ثم أكمل الغليفوسات رحلته إلى موائدنا.

ماذا عن التوازن الميكروبي؟

في بعض الأنظمة الزراعية، لا يُستخدم الغليفوسات فقط لمكافحة الأعشاب قبل الزراعة أو أثناء الموسم، بل يُستخدم قبل الحصاد لتجفيف محاصيل معينة وتوحيد نضجها، خصوصاً في ظروف رطبة أو عندما يريد المزارع تسريع الحصاد. هذه الممارسة، المعروفة أحياناً بالتجفيف قبل الحصاد، ارتبطت بمحاصيل مثل القمح والشوفان والشعير والكانولا في بعض البلدان والأنظمة الزراعية. ولأن الغليفوسات مبيد جهازي تمتصه النباتات وينتقل في أنسجتها، فإن بعض البقايا قد تكون داخلية، لا مجرد غبار على السطح يمكن التخلص منه بالغسل. لذلك تظهر بقاياه أحياناً في الحبوب ومنتجاتها، مع أن الهيئات التنظيمية تقارن هذه البقايا عادة بالحدود القصوى المسموح بها.

لكن المشكلة لا تنتهي عند رقم تحليلي على ملصق غذائي. فالغذاء، بالنسبة للإنسان، هو الطريق اليومي الهادئ للتعرض. ليس صدمة واحدة، بل تكرار صغير: خبز، حبوب إفطار، شوفان، وجبات خفيفة، وربما مشروبات مصنوعة من حبوب معالجة. قد تكون الكميات منخفضة، وقد تكون ضمن الحدود القانونية، لكن القلق الشعبي لا يأتي فقط من الجرعة الواحدة؛ يأتي من فكرة أن الجزيء الذي صُمم لقتل النبات صار ضيفاً متكرراً على المائدة.

وفي المحطة الأخيرة، يصل السؤال إلى الجسد. أظهرت دراسات رصد حيوي وجود الغليفوسات أو AMPA في بول البشر، وهو ما يدل على تعرض واسع، غالباً عبر الغذاء أو البيئة أو العمل الزراعي. أما الدم والسوائل الحيوية الأخرى، فالأدلة حولها أكثر تفاوتاً وتعقيداً. بعض الدراسات تحدثت عن إمكان رصد الغليفوسات في الدم أو في حليب الأم في سياقات معينة، بينما وجدت دراسات أخرى أن رصده في حليب الأم نادر أو منخفض جداً. لذلك، ليست العبارة الدقيقة أن “حليب الأمهات تشبع بالغليفوسات”، بل أن النقاش العلمي حول انتقاله إلى سوائل الجسم ما زال قائماً، وأن البول يبقى المؤشر الأوضح على حدوث التعرض في السكان.

في الأمعاء، يثير الغليفوسات سؤالاً آخر أكثر تعقيداً. بما أن بعض البكتيريا تمتلك مسار الشيكيمات، وبما أن الغليفوسات يستهدف هذا المسار، فمن المنطقي أن يسأل الباحثون: هل يمكن أن يغيّر الميكروبيوم المعوي؟ هل تتأثر بكتيريا نافعة مثل Lactobacillus وBifidobacteria؟ وهل تستفيد كائنات أخرى من هذا الخلل؟ بعض الدراسات المخبرية والحيوانية تشير إلى تغيرات محتملة في التوازن الميكروبي، لكن ترجمة ذلك إلى مرض بشري مباشر لا تزال تحتاج إلى حذر. الأمعاء ليست أنبوب اختبار، والإنسان لا يعيش على متغير واحد. ومع ذلك، فإن مجرد احتمال أن يؤثر مبيد زراعي واسع الانتشار في عالم البكتيريا داخلنا كافٍ ليجعل السؤال مشروعاً.

ثم يأتي ملف الغدد الصماء والتكاثر. في بعض الدراسات المخبرية والحيوانية، وُجدت مؤشرات إلى أن الغليفوسات أو بعض تركيباته التجارية قد تؤثر في مسارات هرمونية، أو في الإجهاد التأكسدي، أو في مؤشرات مرتبطة بالصحة الإنجابية. لكن هذا الملف، مثل ملف السرطان، يقع في قلب النزاع بين المختبر والتنظيم: الباحث قد يسأل عن أثر بيولوجي محتمل عند جرعة معينة أو في نموذج خلوي، بينما الهيئة التنظيمية تسأل عن الخطر المتوقع عند الاستخدام المصرح به والتعرض الواقعي. لذلك ينبغي ألا يُختصر الأمر في جملة واحدة مثل “ثبت أنه يعطل الهرمونات”؛ الأدق أن نقول إن هناك أدلة بحثية تثير القلق وتستحق المتابعة، في مقابل تقييمات تنظيمية لا تزال ترى أن الاستخدام وفق التعليمات لا يفرض، في تصورها، خطراً غير مقبول.

إقرأ على موقع 180  رسالة إلى رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون

وفي عام 2015، دخل الغليفوسات واحدة من أعنف محطات تاريخه، حين صنفته الوكالة الدولية لبحوث السرطان، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، ضمن المجموعة 2A: “محتمل التسرطن للبشر”. هذه العبارة تحتاج إلى قراءة دقيقة. فهي لا تعني أن كل من يتعرض للغليفوسات سيصاب بالسرطان، ولا تعني أن التعرضات الغذائية المنخفضة تساوي التعرض المهني المكثف. لكنها تعني أن هناك أدلة كافية لتصنيف المادة كخطر محتمل، خصوصاً في سياقات تعرض أعلى، وأن المسألة لم تعد مجرد ادعاء هامشي من ناشطين بيئيين.

المرض الذي دار حوله كثير من الجدل كان سرطان الغدد اللمفاوية اللاهودجكيني. بعض الدراسات الوبائية رأت ارتباطاً بين التعرض المهني المرتفع للغليفوسات وهذا النوع من السرطان. دراسات أخرى كانت أقل حسماً. وهكذا دخل الغليفوسات في منطقة رمادية لا يحبها الرأي العام ولا تحبها الشركات: منطقة تتنازع فيها تقييمات الخطر مع تقييمات المخاطر، وتتنازع فيها المختبرات مع المحاكم، والعلم مع الضغط الاقتصادي.

ففي حين أبقت وكالات تنظيمية كبرى، مثل وكالة حماية البيئة الأميركية وهيئات أوروبية، على موقف أقل تشدداً تجاه الغليفوسات عند استخدامه وفق التعليمات، كانت المحاكم الأميركية تفتح باباً آخر. آلاف الدعاوى رُفعت ضد مونسانتو، ثم ضد باير بعد استحواذها على مونسانتو، من أشخاص قالوا إن تعرضهم المزمن لراوندأب أدى إلى إصابتهم بالسرطان. تحولت المادة من رذاذ على الأعشاب إلى ملف قضائي بمليارات الدولارات. لم تعد القضية علمية فقط؛ أصبحت قصة عن الثقة، وعن من يملك حق تعريف “الأمان”: الشركة التي تبيع؟ الهيئة التي تنظّم؟ الباحث المستقل؟ أم الجسد الذي مرض؟

عندما تلتقي الكيمياء بالسياسة

ثم ظهر ملف آخر، أكثر تعقيداً وحساسية: الكلى. في مناطق زراعية من سريلانكا وأمريكا الوسطى، انتشر مرض كلوي مزمن غامض بين مزارعين وعمال حقول، لا يفسره السكري أو ارتفاع الضغط وحدهما. بعض الباحثين اقترحوا أن التعرض المتزامن للمياه القاسية، المعادن الثقيلة، الحرارة، الجفاف، والعمل الشاق، مع مبيدات مثل الغليفوسات، قد يشكل خليطاً ساماً يؤذي الكلى. هذه ليست حقيقة محسومة، ولا ينبغي تقديمها كسبب وحيد لوباء معقد، لكنها فرضية مهمة لأنها تذكرنا بأن السمية في العالم الحقيقي ليست مادة منفردة في كأس نقي، بل خليط من معادن ومبيدات وحرارة وفقر وعمل قاسٍ ومياه غير آمنة.

وهكذا أجابت الطبيعة، ثم أجساد البشر، على سؤال الرش الدائم. الجزيء الذي صُمم ليقتل عشبة في حقل صار جزءاً من قصة أوسع: أعشاب تقاوم، تربة تتبدل، مياه تحمل آثاراً كيميائية، كائنات مائية تتعرض لخليط لا تختاره، غذاء قد يحمل بقايا صغيرة، وأجساد تطرح في بولها شاهداً على عصر زراعي كامل.

ثم جاء جنوب لبنان، ليضيف إلى تاريخ الغليفوسات فصلاً لا يشبه فصول الزراعة والمحاكم.

في صباح الأول من شباط/فبراير 2026، وفق ما أعلنته السلطات اللبنانية وما نُقل في تقارير صحافية لاحقة، حلقت طائرات معادية إسرائيلية على علو منخفض فوق مناطق حدودية في جنوب لبنان، ورشت مادة كيميائية فوق أراضٍ زراعية وقرى من بينها عيتا الشعب، رأس الناقورة، والضهيرة. قيل لقوات اليونيفيل إن المادة “غير سامة”، وطُلب منها البقاء داخل قواعدها. لكن الأشجار، والتربة، لم يتلقوا إنذاراً. لم يكن هناك صفارة تحذر الزيتونة أن تغلق مسام أوراقها، ولا نداء يخبر العشب البري أن يختبئ من السماء.

في الحروب، يأتي الموت عادة بصوت. قذيفة، انفجار، طائرة، زجاج يتكسر، باب ينهار. لكن موت النبات أكثر صمتاً. لا يصرخ حين يُصاب. لا ينزف بطريقة تراها الكاميرا فوراً. يأخذ وقته. ينتظر المطر، ثم يكشف الجرح.

بعد أيام، ومع هطول الأمطار، بدأت الصورة تتضح. الأراضي التي كانت خضراء في الشتاء أخذت تصفر. محاصيل ومراعٍ ونباتات برية بدت كأنها دخلت صيفاً قاسياً في غير أوانه. ما حدث لم يكن حريقاً تقليدياً، ولا قصفاً يترك حفرة واضحة. كان نوعاً آخر من التدمير: تدمير لا يزيل البيت، بل يهاجم قدرة الأرض على أن تكون بيتاً للكائنات.

التحاليل التي استندت إليها الشكوى اللبنانية إلى مجلس الأمن قالت إن المادة هي الغليفوسات، وإن تراكيزها في بعض العينات بلغت مستويات عالية جداً مقارنة بما يُتوقع في تربة زراعية بعد استخدام عادي. هنا تصبح القصة مختلفة جذرياً. فالفرق بين مبيد يستخدمه مزارع بجرعة محددة في حقل محدد، وبين رشه من طائرات عسكرية فوق أرض مأهولة وزراعية، ليس فرق كمية فقط. إنه فرق في النية والسياق والسيطرة والحق في الموافقة. الزراعة، برغم كل مشاكلها، تفترض مستخدماً يعرف الأرض ويختار التوقيت والجرعة والمحصول. أما الرش العسكري فوق قرى وحدود، فيحوّل الكيمياء إلى رسالة: هذه الأرض لن تبقى كما كانت.

الغاية المعلنة أو المفترضة قد تكون “إزالة الغطاء النباتي” لأسباب أمنية. لكن إزالة الغطاء النباتي في جنوب لبنان ليست فعلاً محايداً. في قرية حدودية، الشجرة ليست مجرد شجرة. العشب ليس مجرد عشب. الزيتونة ليست وحدة بيولوجية في تقرير زراعي. إنها ذاكرة عائلة، حدّ أرض، ظلّ لعمال، زيت لموسم الشتاء، وميراث يتناقله الناس كما يتناقلون أسماء أجدادهم. حين تُرش الأرض لتصبح عارية، لا يُزال النبات فقط؛ تُزال العلاقة بين الإنسان والمكان.

وهنا تلتقي الكيمياء بالسياسة. الغليفوسات مصمم ليقطع طريق الحياة داخل النبات. والحرب، حين تستخدمه بهذه الطريقة، تقطع طريق العودة داخل المجتمع. أرض بلا غطاء نباتي تعني مزارعاً بلا موسم، وراعي أغنام بلا مرعى، ونحالاً بلا أزهار، وقرية تفقد إحدى حجج البقاء. إنها ليست فقط خسارة بيئية؛ إنها ضغط ديموغرافي ناعم وقاسٍ في آن واحد: لا تطرد الناس ببيان رسمي، بل اجعل شروط عودتهم مستحيلة أو خطرة أو بلا معنى اقتصادي.

هذا ما يجعل وصف “الإبادة البيئية” (Ecocide) يظهر في الخطاب اللبناني والحقوقي. الكلمة ثقيلة، لكنها تعبّر عن شعور عميق بأن ما يجري ليس ضرراً جانبياً، بل استهداف لمنظومة حياة كاملة: تربة، ماء، نبات، حيوان، وذاكرة بشرية. ففي جنوب لبنان، لم تأتِ حادثة الغليفوسات في فراغ. قبلها كانت الحرائق، القذائف، والفوسفور الأبيض، وما خلّفته الحرب من تلوث محتمل بالمعادن الثقيلة وبقايا الذخائر. حين تدخل مادة ذات قدرة على الارتباط بالمعادن إلى تربة مثقلة أصلاً بآثار الحرب، يصبح السؤال العلمي ملحاً: هل يمكن أن تغيّر هذه المادة حركة بعض العناصر في التربة؟ هل تسهّل انتقال بعضها؟ هل تؤثر في الميكروبات التي تحفظ خصوبة الأرض؟ هل تبقى آثارها محصورة في السطح، أم تحملها الأمطار نحو الأودية والينابيع؟

الغليفوسات الإسرائيلي في جنوب لبنان

لا تكمن الخطورة هنا في جواب واحد جاهز، بل في تراكم المجهول فوق الجرح. فالغليفوسات معروف بارتباطه القوي نسبياً بجزيئات التربة والمعادن والمادة العضوية، وهذا قد يقلل حركته في بعض الظروف. لكنه في الوقت نفسه ليس خارج الكيمياء: يمكنه أن يتفاعل مع أيونات معدنية، ويمكن أن يتحول إلى ناتج تحلل رئيسي هو AMPA، وقد يختلف سلوكه باختلاف نوع التربة، درجة الحموضة، المطر، المادة العضوية، والجرعة. لذلك، عندما تكون الجرعة عالية والسياق عسكرياً والبيئة زراعية مأهولة، لا يعود كافياً أن نقول: هذه مادة زراعية معروفة. فالسؤال ليس: هل استُخدم الغليفوسات يوماً في الزراعة؟ السؤال هو: ماذا يعني استخدامه بهذه الطريقة، في هذا المكان، وبهذا الهدف؟

في الحقل العادي، تُقاس المادة عادة بمنطق مكافحة الأعشاب. في جنوب لبنان، تُقاس بمنطق آخر: هل تستطيع الشجرة أن تتعافى؟ هل ستبقى التربة حية؟ هل يأمن الناس أكل ما ينمو؟ هل يعود الطفل إلى أرض جده دون أن يحمل في جسده آثار حرب لم يخترها؟ وهل يمكن ترميم علاقة المجتمع بالأرض بعد أن صار المطر نفسه جزءاً من الخوف؟

هنا تتجاوز القصة لبنان وحده. الغليفوسات، في مساره الطويل، يكشف شيئاً عن عصرنا. نحن نحب المواد التي تبدو مطيعة: مركب يقتل عشباً مزعجاً، يزيد الإنتاج، ينظف الحقل، يخفض الكلفة. لكن المواد الكيميائية لا تبقى دائماً في الحيز الذي نخصصه لها. تتحرك بين العلم والسوق والقانون والحرب. الجزيء نفسه الذي يدخل في زراعة صناعية ضخمة قد يدخل في محكمة، ثم في شكوى إلى مجلس الأمن. وما يبدأ كحل تقني قد ينتهي كأداة سياسية.

في حزيران/يونيو 2026، أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية أنها رفعت شكوى إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، مستندة إلى تقرير علمي حول رش الغليفوسات في الجنوب. جوهر الشكوى لا يتعلق فقط بتلوث تربة، بل بمبدأ أخطر: هل يجوز تحويل مبيد أعشاب إلى وسيلة حرب؟ في القانون الدولي الإنساني، لا تُعامل البيئة كديكور للحرب. هناك قواعد تحمي الأعيان المدنية، والغذاء، والمياه، والموارد التي يعتمد عليها السكان. واستخدام مبيدات الأعشاب كوسيلة حرب يفتح باباً قانونياً وأخلاقياً شديد الحساسية، لأن الهدف لا يكون جندياً أو دبابة، بل الحياة النباتية التي تسند حياة المدنيين.

من فيتنام، حيث استخدم الأميركيون العامل البرتقالي (Agent Orange) ضد البيئة الفيتنامية كأداة للإبادة البيئية، إلى جنوب لبنان، يتكرر الدرس نفسه: حين تعجز الجيوش عن السيطرة على الإنسان، قد تتجه إلى السيطرة على بيئته. اقطع الغابة، احرق الحقل، سمّم التربة، عرِّ المكان من نباته. هكذا يصبح المشهد الطبيعي هدفاً عسكرياً. وهكذا تتحول الطبيعة إلى رهينة.

لكن في الجنوب، ثمة حقيقة يعرفها كل من رأى زيتونة تعود بعد حريق: الأرض لا تستسلم بسهولة. قد تُحرق، وقد تصفر، وقد تموت أعشاب موسم كامل، لكنها تختزن ذاكرة أعمق من ذاكرة الخرائط العسكرية. التربة ليست مادة خاملة؛ إنها مجتمع من الكائنات الدقيقة والجذور والفطريات والبذور النائمة. وحماية هذه الحياة تحتاج إلى علم، لا إلى شعارات فقط: خرائط تلوث دقيقة، عينات متكررة، مراقبة للمياه الجوفية والينابيع، تحليل للمعادن الثقيلة، متابعة لـ AMPA، تقدير أثر الرش على الأشجار المثمرة، وتعويض المزارعين الذين خسروا مواسمهم لا بسبب آفة طبيعية بل بسبب قرار عسكري.

إن قصة الغليفوسات ليست قصة شيطان كيميائي بسيط. العلم الجيد لا يحتاج إلى مبالغات. فالغليفوسات، مثل كثير من المواد، تعتمد خطورته على الجرعة، الصيغة التجارية، طريقة الاستخدام، البيئة، وتكرار التعرض. وقد تختلف تقييمات الهيئات العلمية والتنظيمية لأنها تسأل أسئلة مختلفة: هل المادة قادرة من حيث المبدأ على إحداث ضرر؟ أم هل تشكل خطراً غير مقبول عند استخدام محدد وبجرعات محددة؟ هذا الفرق بين “الخطر” و”المخاطر” مهم، لأنه يمنعنا من تحويل النقاش إلى دعاية.

لكن الدقة العلمية لا يجب أن تتحول إلى ستار أخلاقي. فحين تُستخدم مادة مصممة لقتل النبات فوق قرى وحدود، ومن دون موافقة السكان، وبهدف تعرية الأرض، يصبح السؤال أكبر من السمية المخبرية. يصبح السؤال عن حق الناس في بيئة قابلة للحياة، وعن حق القرية في شتائها الأخضر، وعن حق الزيتونة في ألا تُعامل كتهديد أمني.

من مختبر سويسري صغير إلى أنابيب المصانع، ومن حقول مونسانتو إلى محاكم الولايات المتحدة، ومن الأعشاب الخارقة إلى المطر الملوث، ومن حبوب الإفطار إلى بول البشر، ومن تقارير السرطان إلى سماء جنوب لبنان، قطع الغليفوسات رحلة غريبة. كان في البداية جزيئاً منسياً، ثم صار أداة للزراعة الحديثة، ثم رمزاً للقلق الصحي والبيئي، ثم مادة في ملف حرب.

وربما لهذا تستحق قصته أن تُروى. لأنها ليست فقط قصة مبيد أعشاب. إنها قصة الطريقة التي تتحول بها الكيمياء، حين تدخل في يد السلطة والسوق والحرب، من معرفة إلى قوة. وقصة الجنوب هنا تقول شيئاً حاسماً: ليست كل الأسلحة تنفجر. بعضها يهطل بهدوء، ينتظر المطر، ثم يترك الأرض تصفر.

Print Friendly, PDF & Email
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  مركز "مدار": ماذا بعد "حرب إيران الأولى"؟