المشهد كما وثّقته مقاطع الفيديو المتداولة كان خاطفاً، فمن باب القاعة التي احتضنت أشغال المجلس الوطني للحزب بمدينة سلا، قَفَز الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مباشرة إلى كوكبة القيادة، حاصداً عضوية المكتب السياسي للحزب دفعة واحدة. أما عن كيفية حدوث ذلك، فلا داعي لطرح الأسئلة، فنحن هنا أمام لوحة سوريالية موغلة في العبث، حيث بات جلياً وقبل حلول موعد الاستحقاقات الانتخابية أن فوزي لقجع يُعدّ ليكون رئيس الحكومة المقبل.
كانت طريقة وصول لقجع إلى مقر الاجتماع ومغادرته له، وهو مَحفوف بحراسة أمنية مشددة كالشخصيات التي يُخشى على حياتها، لافتةً للانتباه ومثيرةً للجدل. يُضاف إلى ذلك أنه لم يُقدّم أي تفسير لاختياره “البام” دون غيره من الأحزاب، ولا عن الرؤى والبرامج التي يحملها في جرابه.
لقد كان حضور لقجع طاغياً إلى حد حجب باقي القيادات، فلا فاطمة الزهراء المنصوري صمدت، ولا المهدي بنسعيد استطاع الثبات أمام كاريزما الرجل الصاعد. وبذلك تبددت طموحات المنصوري في أن تكون أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة بالمغرب، وهو الطموح الذي أخذ يتلاشى أساساً أمام التداعيات المتتالية لقضايا الفساد التي أثيرت حولها مؤخراً.
يأتي هذا الاستقطاب قبل نحو شهرين فقط من موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر (أيلول) 2026، في محاولة لتعزيز هياكل الحزب وتقوية أجهزته التقريرية بكفاءات وطنية ذات حضور ميداني وسياسي بارز.
***
لا يخفى على أحد أن اسم حزب الأصالة والمعاصرة يرتطِمُ في الأذهان بسلسلةٍ من الأزمات والإخفاقات المتتالية، ناهيك عن الفضائح المتلاحقة التي ربطت اسمه بمافيات الاتجار بالمخدرات وعصابات “الفراقشية”، ونهب المال العام.
فهل يسعى هذا الإطار السياسي اليوم للقيام بعملية تبييض سياسي واسعة النطاق؟ وهل يريد استغلال نصر الكرة لتغطية هزائم السياسات، وتحويل صدى الملاعب إلى تزكية انتخابية، وكأن الفوائد الكروية قادرة على مسح الديون الاجتماعية والتنموية؟
ليست هذه المرة الأولى التي تحاول فيها سلطة سياسية تحويل الإنجاز الرياضي إلى مصدر للشرعية السياسية. ففي أدبيات علم السياسة يُعرف هذا النمط بـ”شرعية الإنجاز”، حيث تسعى الحكومات إلى تعويض التراجع في مؤشرات العدالة الاجتماعية أو النمو الاقتصادي أو الثقة بالمؤسسات عبر إنتاج إنجازات رمزية كبرى في الرياضة أو الفضاء أو المشاريع العملاقة، أملاً في تحويل الفخر الوطني إلى رصيد انتخابي. غير أن التجارب الدولية تظهر أن الشرعية المستدامة لا تُبنى على الانتصارات الاحتفالية وحدها، بل على جودة التعليم والصحة والقضاء وفرص العمل.
المقايضة البائسة
بات المشهد واضحاً؛ يُراد للمواطن أن يُصوّت بالعاطفة الجياشة، أي تحويل ورقة الاقتراع من أداة محاسبة وسياسة إلى ضربة ركنية في الدقيقة التسعين القاتلة.
المطلوب من المواطن ألا يفكر؛ ألا يقرأ البرامج؛ ألا يقارن بين حصيلة التعليم والعدالة الاجتماعية، بل أن يقفز في الهواء مشحوناً بالحماسة الكروية، ويُزكي الحزب أو المسؤول لمجرد أنه كان حاضراً في منصة تتويج كروي! ليسجل المواطن بنفسه هدفاً لمصلحة السماسرة وناهبي المال العام والسياسات التي تُكرّس تهميش أبنائه، ليشرب بعدها مرارة الإخفاق أربع أو خمس سنوات جديدة.
إنّ صنّاع المشهد يريدون إقناع الشارع بأنه ما دام المسؤول قد جلب الفرحة الكروية وجعل العلم يرفرف عالمياً، فإنه من قلة الوفاء الاستفسار عن غلاء الأسعار، أو اكتظاظ المستشفيات، أو تردي المدارس والتعليم.
إنها المقايضة البائسة: نمنحكم هدفاً جميلاً في المرمى، وتمنحوننا تفويضاً على بياض لإدارة الميزانية!
المشكلة ليست في حماسة الجماهير للكرة، بل في السياسيين الذين يُريدون تحويل صندوق الاقتراع إلى مرمى بلا حارس، يُمرّرون فيه أهدافهم الانتخابية برأسيات المواطنين المغيبين.
يُراد للناخب أن يقتنع بأنه إذا كان لقجع قد أدار جامعة كرة القدم بنجاح، فهو قادر بالضرورة على إدارة وطن غارق في المشاكل التنموية والإجتماعية.
ويتناسى القائمون على هذه التخريجة أن الوطن ليس منتخبات كروية نستورد نجومها من المدارس الأوروبية، بل شعب من ملايين المواطنين الذين يحتاجون تعليماً حقيقياً وصحة عمومية وعيشاً كريماً في الداخل.
المعمار التنموي المعكوس
وبما أن الحكومة المقبلة، التي يُطلق عليها “حكومة المونديال” كونها ستواكب تنظيم المغرب لنهائيات كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، ثمة سؤال مفصلي:
-هل سنكون أمام حكومة جادة تُعنى بتقويم السياسات العمومية وتمسّ أثرها في المعيش اليومي للمغاربة، أم أن المونديال والاستضافات الرياضية الكبرى سيمثلان الرهان الأساسي، وما بعدهما مجرد طوفان يترُك المواطن البسيط ليتحمل تبعاته وحده؟
-ثم كم لامين يامال يتسكّع اليوم في زواريب المغرب الفقيرة، بين دروب مدن طنجة ووجدة وتطوان، وأحياء سلا والرباط ومراكش العتيقة، وأزقة درب غلف وسباتة والحي المحمدي في الدار البيضاء، وهضاب الشاوية وقرى زاكورة وتارودانت وكَلميم النائية؟
الجواب لن يخرج عن أرقام تُعجز العقل، وتتجاوز السعة الحسابية لأعتى الحاسبات الإلكترونية.
إنهم عشرات الآلاف من الشباب الذين طحنتهم رحى السياسات العميقة لبرامج حكومية متعاقبة، لا يتغير في مشهدها السوريالي سوى وجوه الوزراء، ونبرة الوعود المغلفة بالسلوفان الانتخابي. نحن أمام معمار تنموي معكوس بامتياز.. تعليم يتقن بمهارة تلقين الجهل، وصحةٌ تجعلك تحنّ لعهد العشّابين، ومقابر سكنية تسمى مجازاً شققاً اقتصادية، أو دور صفيح تفتقر لأدنى المقومات التي تحفظ الآدمية البسيطة وتصون حرمة الجسد من قسوة الواقع.
فبينما تصرف المليارات على تشييد مركبات وملاعب كروية بمواصفات إمبراطورية لإرضاء دفاتر تحملات “الفيفا”، يعيش آلاف المواطنين في علب بائسة تفتقر لأدنى المقومات الضرورية للسكن اللائق، وكأن الدولة تعتني بأرضيات الملاعب المعشوشبة أكثر مما تعتني بكرامة المواطن!
أما البرنامج التنموي الحقيقي، المتاح بالمجان وبدون تعقيدات مسطرية لجميع الفئات الهشة، فيتلخص في التهميش المُمنهج، والبطالة الهيكلية، والمخدرات وأقراص الهلوسة، والتجهيل المُمنهج المُموه بعناوين الإصلاح.
المونديال عابر.. والواقع المرير مقيم
إن الوطن الذي يعيش فيه المواطن حالة استنفار دائم ورصد حثيث لأول فرصة هرب نحو الضفاف الأخرى، هو وطن يعاني من أزمة مشروعية أخلاقية قبل أن تكون تنموية. وطنٌ يستحيل أن يفتخر به إنسان يرى كرامته تدهس يومياً على رصيف الانتظار.
ليست كرة القدم هي التي تزاحم السياسة، بل السياسة هي التي تراجعت عن وظائفها التقليدية. فعندما تصبح المدرسة عاجزة عن صناعة الأمل، وسوق العمل عاجزاً عن صناعة المستقبل، تتحول كرة القدم إلى آخر مساحة جماعية لإنتاج الشعور بالانتماء والكرامة. ولذلك يصبح الانتصار الرياضي قابلاً للاستثمار السياسي، لا لأنه أقوى من التنمية، بل لأن التنمية غابت، فملأ الإنجاز الرياضي الفراغ الرمزي الذي تركته الدولة.
ولا أدري إن كانت هناك منظمات أممية أو هيئات دولية إنسانية قد ملكت الجرأة لتخمين الأرقام المهولة للضحايا القابعين في قعر مضيق جبل طارق؛ هؤلاء المدفونون في صمت، ممن تحولت أجسادهم إلى طعام لأسماك البحر وهم يفرون من بطش القهر المحلي.
وما أخبثه وما أمكره من مصطلح حين يطلقون عليه اصطلاح “الهجرة غير الشرعية”.. وكأن الهرب من الموت البطيء جرم، بينما التفقير المُمنهج والتعليم المغشوش، والصحة المنهارة، والنهب المنظم للثروات هي الممارسات التي تحظى بكل ألقاب “الشرعية” والقبول القانوني!
درس جدة لامين يامال
يلتئم المونديال مرة كل أربع سنوات، ليمارس طقوسه في تخدير العقول وصناعة الفرح المؤقت، ثم ينتهي المهرجان وتطوى الأعلام. أما الواقع المرير فيفتعل مأساته كل يوم في طوابير المستشفيات، وفي فصول المدارس المتهالكة، وفي بيوت الصفيح التي تنتظر جرافات الهدم أو غرق الأمطار، ومع ذلك يظل الفرح ضرورة إنسانية قصوى، إنه فعل مقاومة ودليل وجود في وجه آلة التجهيل واليأس.
في هذا السياق؛ أنظرواً جيدا بين حشود المحتفلين بالفوز الإسباني في الساحات الأوروبية، ستجدون جحافل من هؤلاء المهاجرين “غير الشرعيين” الذين يملأون هوامش إسبانيا وغيرها من دول القارة الأوروبية وحقولها. هؤلاء المنسيون الذين حطّمت أظهرهم بقرارات الترحيل وشظف العيش، وجدوا حقاً في رمز اسمه لامين يامال ثأراً رمزياً لكرامتهم المهدورة.
لقد خرج نجمٌ من رحم معاناتهم ليشهد العالم أن المهمشين إذا توفرت لهم العدالة وتكافؤ الفرص، لا يكتفون بالعيش بل يصنعون مجد الأمم!
هنا تحديداً يتكرر السؤال حول مدى قدرة الدولة على استيعاب درس الجدة المغربية فاطمة حدادي وحفيدها لامين يامال.. فالوطن الذي لا يصنع نجاح أبنائه على أرضه، سيظل يستورد نجاحاتهم من الخارج ليغطي بها عورات الهامش.
نعم، السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان فوزي لقجع نجح في إدارة كرة القدم، بل ما إذا كانت قواعد النجاح في اتحاد رياضي هي نفسها قواعد النجاح في إدارة دولة معقدة تتشابك فيها ملفات الاقتصاد والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية. فالخلط بين المجالين هو بداية تحويل الإنجاز الرياضي من مصدر فخر وطني إلى رأس مال انتخابي، وهي لحظة ينبغي على الناخب أن لا يُمرّرها بسهولة.
***
نعود هنا إلى السؤال الأبرز الذي يتصدر ألسنة المواطنين والمراقبين السياسيين على حد سواء: ما الجدوى من تنظيم الانتخابات التشريعية أصلاً إذا كانت نتائجها محتومة ومعلومة للرأي العام قبل انطلاق ماراثون الاقتراع، ورئيس الحكومة معين سلفاً، وقبل أن تُفتح الصناديق “الشفافة” وتُفرز الأصوات؟
يقول أحد الظرفاء إن الانتخابات في المغرب اقترنت بتاريخ ممتد من التزوير الذي يتطور باستمرار، حتى صار يُمارس بنكهة نزيهة وديموقراطية للغاية! غير أن الدائرة تدور لتغلق على نقطة بدايتها، فربما تقتضي المصلحة العليا للوطن هذا النوع المبتكر من التزوير.. فلْيَكُن إذن تزويراً شفافاً ونزيهاً وديمقراطياً، ومُوزّعاً بين الأحزاب بالعدل والقسطاس!
هَزُلَت.. حتى بَدا كُلَاهَا!
