أعلن جهاز الأمن الأوكراني (SBU)، فجر السبت 25 تموز/يوليو، استهداف منصة نفطية تابعة لشركة «لوكويل» الروسية في حقل «فيلانوفسكي»، وسفينتي شحن هما «بورت أوليا 2» و«بيغي»، إضافة إلى زورق صواريخ روسي من طراز «مولنيا» (مشروع 12418)، جميعها في بحر قزوين. وذكر الجهاز أن السفينتين، الخاضعتين لعقوبات دولية، استُخدمتا لنقل شحنات عسكرية بين إيران وروسيا، واعتبر العملية رداً مشروعاً على الضربات الروسية التي استهدفت الموانئ الأوكرانية الجنوبية.
بدوره، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، عبر منصة «تلغرام»، أن الضربات، المنفذة بطائرات مسيّرة بعيدة المدى، حققت «نتائج قوية جداً»، مستهدفة أيضاً سفينة حربية روسية وشحنات عسكرية مرتبطة، بحسب تعبيره، بـ«مشاركة إيرانية»، من دون أن يقدم تفاصيل إضافية حول هوية القطعة البحرية المستهدفة أو حجم الأضرار.
في المقابل، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن الهجوم أدى إلى انفجار على متن سفينة تجارية إيرانية، أسفر عن مقتل بحار وإصابة آخر، واستدعت القائم بالأعمال الأوكراني في طهران احتجاجاً، ووصفت العملية بأنها «عمل عدائي وإجرامي» ينتهك المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة. أما وزير الخارجية عباس عراقجي، فذهب أبعد من ذلك، متهماً كييف، في منشور على منصة «إكس»، بتنفيذ الهجوم «بإيعاز من إسرائيل لجر أوروبا إلى حربها»، ومؤكداً، خلال اتصالات مع مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أن ما حدث «لن يمر من دون رد».
أما موسكو، فلم تقدم رواية تفصيلية للعملية، واكتفت بإشارات عامة إلى استمرار الهجمات الأوكرانية على منشآت روسية، من دون تأكيد أو نفي لحجم الخسائر التي أعلنتها كييف، وهو ما أبقى كثيراً من تفاصيل الضربة في نطاق الحرب الإعلامية المتبادلة بين الطرفين.
ازدواجية الممر
لا تعود الأهمية العسكرية لبحر قزوين إلى الضربة الأخيرة وحدها، بل إلى التحول الذي شهده منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. فالبحر الذي كان يُنظر إليه تقليدياً بوصفه ممراً تجارياً وطاقوياً، بات يؤدي وظيفة لوجستية متزايدة في نقل المعدات العسكرية بين موسكو وطهران، مستفيداً من كونه منطقة مغلقة أمام أي وجود بحري أمريكي أو أطلسي مباشر.
وتعود هذه الخصوصية إلى اتفاقية الوضع القانوني لبحر قزوين، الموقعة في مدينة أكتاو الكازاخية عام 2018، والتي حصرت الوجود العسكري في البحر بالدول الخمس المطلة عليه، ومنعت استخدام مياهه أو أراضي هذه الدول لانطلاق عمليات عسكرية لقوى خارجية. ونتيجة لذلك، تحول البحر إلى ممر يتمتع بدرجة عالية من الحماية الجيوسياسية مقارنة بالبحار المفتوحة، الأمر الذي منح روسيا وإيران هامشاً واسعاً لإدارة حركة النقل بينهما بعيداً عن الضغوط البحرية الغربية.
وقد وثّق مركز السياسات القزوينية (Caspian Policy Center) منذ عامي 2022 و2023 نمطاً متكرراً من التعتيم الملاحي في هذا الممر، إذ عمدت سفن إلى إطفاء أجهزة التعريف الآلي (AIS)، أو بث إشارات مضللة، أو تنفيذ عمليات نقل للشحنات بعيداً عن المرافئ، في إطار نقل مكونات وطائرات «شاهد» المسيّرة الإيرانية إلى روسيا.
لكن هذا المسار لم يبق أحادي الاتجاه. فبحسب تقارير استقصائية نقلتها صحف غربية، استناداً إلى مسؤولين أمريكيين، بدأت روسيا، خلال الأشهر الأخيرة، باستخدام الممر نفسه لإرسال مكونات تدخل في تصنيع الطائرات المسيّرة إلى إيران، بهدف مساعدتها على تعويض جزء كبير من الخسائر التي لحقت بترسانتها خلال المواجهة الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ورغم أن هذه المعطيات تستند أساساً إلى تقديرات استخباراتية غربية، فإنها تعكس إدراكاً متزايداً بأن بحر قزوين لم يعد مجرد طريق لنقل السلاح الإيراني إلى روسيا، بل أصبح أيضاً قناة معاكسة لدعم القدرات العسكرية الإيرانية.
هذه الازدواجية في وظيفة الممر ــ تصدير التكنولوجيا العسكرية الإيرانية إلى روسيا، ونقل مكونات عسكرية روسية إلى إيران ــ هي التي تضفي على بحر قزوين قيمة استراتيجية مضاعفة بالنسبة إلى كييف. فاستهداف هذا الخط لا يقتصر على استنزاف القدرات اللوجستية الروسية، بل يطال أيضاً أحد مسارات الدعم التي يمكن أن تستفيد منها إيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة، وهو ما يحول الضربة من عملية تكتيكية محدودة إلى رسالة سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الحرب الأوكرانية نفسها.
رسالة واشنطن
جاءت الضربة قبل أيام قليلة من زيارة فولوديمير زيلينسكي إلى واشنطن، وهو توقيت يصعب عزله عن الرسائل السياسية التي أرادت كييف إيصالها إلى الإدارة الأمريكية.
فبالتزامن مع إعلان العملية، كشف زيلينسكي أن الاستخبارات الأوكرانية رصدت، منذ مطلع تموز/يوليو، نشاطاً روسياً مكثفاً في مجال الاستطلاع الفضائي لدول الخليج والمنشآت العسكرية الأمريكية فيها، مشيراً إلى أن الصور التي تلتقطها الأقمار الصناعية الروسية «تظهر لاحقاً في إيران»، مع وجود ترابط زمني بين عمليات التصوير والضربات الإيرانية التي استهدفت تلك المواقع، سواء قبل تنفيذها أو أثناءها أو بعد انتهائها لتقييم حجم الأضرار.
وتحمل هذه الرسالة مستويين متداخلين. الأول، السعي إلى إقناع واشنطن بأن موسكو لم تعد طرفاً منفصلاً عن المواجهة الأمريكية الإيرانية، بل شريكاً استخباراتياً يوفر لطهران دعماً عملياتياً يتجاوز التعاون العسكري التقليدي. أما المستوى الثاني، فهو التأكيد أن أوكرانيا تمتلك القدرة على استهداف الحلقة اللوجستية التي تربط موسكو بطهران في منطقة يصعب على الولايات المتحدة أو حلف شمال الأطلسي العمل عسكرياً فيها بسبب الاعتبارات القانونية والجيوسياسية الخاصة ببحر قزوين.
وفي الوقت نفسه، تطرح العملية سؤالاً لا تقل أهميته عن نتائجها: كيف وصلت المسيّرات الأوكرانية إلى بحر قزوين؟ فالموقع المستهدف يبعد مئات الكيلومترات عن أقرب الأراضي الأوكرانية، الأمر الذي يوحي باستخدام قدرات هجومية بعيدة المدى أو ترتيبات عملياتية لم يُكشف عنها حتى الآن. وبينما لم تعلن كييف تفاصيل التنفيذ، فإن الطريقة التي نُفذت بها العملية قد تكون، بحد ذاتها، مؤشراً إلى تطور نوعي في القدرات الأوكرانية على العمل داخل العمق الروسي، وليس مجرد نجاح في إصابة أهداف بعينها.
ممر بلا حماية
يطل على بحر قزوين خمس دول هي: روسيا، وإيران، وكازاخستان، وتركمانستان، وأذربيجان. وبموجب اتفاقية أكتاو لعام 2018، تتمتع هذه الدول وحدها بحق الوجود العسكري في البحر، بينما يُستبعد أي حضور لقوات بحرية أجنبية، وهو ما جعل قزوين، طوال سنوات، فضاءً مغلقاً نسبياً أمام المنافسة العسكرية الدولية.
غير أن غياب القوى البحرية الخارجية لا يعني وجود منظومة أمن جماعي فعالة. فالدول الخمس لا تمتلك إطاراً عملياتياً موحداً لإدارة أمن الملاحة أو مواجهة التهديدات غير التقليدية، كما أن تباين أولوياتها السياسية وعلاقاتها الخارجية حدّ من بناء نظام أمني متكامل. ولهذا، شكّل بحر قزوين بيئة توفر هامشاً واسعاً للحركة اللوجستية الروسية والإيرانية، لكنها في الوقت نفسه كشفت هشاشة أمنية ظهرت بوضوح مع الضربة الأوكرانية الأخيرة.
كما أن أهمية البحر لا تقتصر على وظيفته العسكرية، فهو يضم واحداً من أكبر أحواض النفط والغاز في العالم، وتشكل موانئه وخطوطه البحرية جزءاً أساسياً من حركة الطاقة والتجارة بين الدول المطلة عليه. ومن هنا، فإن استهداف منصة نفطية تابعة لشركة «لوكويل» لم يكن مجرد ضربة لمنشأة اقتصادية، بل حمل أيضاً رسالة مفادها أن البنية التحتية للطاقة، إلى جانب خطوط الإمداد العسكرية، باتت ضمن بنك الأهداف الأوكراني، بما يرفع الكلفة الاقتصادية لأي تصعيد مستقبلي.
وفي المقابل، فإن هذا الانكشاف الأمني يضع الدول الثلاث الأخرى المطلة على البحر ــ كازاخستان وتركمانستان وأذربيجان ــ أمام معادلة جديدة. فهي ليست أطرافاً مباشرة في أي من الحروب الدائرة، لكنها تجد نفسها للمرة الأولى أمام احتمال انتقال تداعياتها إلى مجالها البحري، بما قد يفرض عليها إعادة تقييم سياسات أمن الملاحة، وتعزيز الرقابة على موانئها ومياهها الإقليمية، وربما الدفع نحو أشكال جديدة من التنسيق الأمني داخل البحر.
أكثر من ضربة تكتيكية
يصعب النظر إلى عملية بحر قزوين باعتبارها مجرد هجوم على سفن ومنشآت روسية. فهي تعكس تحولاً في الطريقة التي باتت كييف تنظر بها إلى الحرب، من مواجهة تتركز على خطوط الجبهة داخل أوكرانيا أو البحر الأسود، إلى استهداف الشبكات اللوجستية التي تربط خصومها بعضهم ببعض، حتى وإن كانت تقع على مسافات بعيدة من ميدان القتال التقليدي.
كما تكشف العملية أن الجغرافيا الاستراتيجية للحرب الروسية الأوكرانية لم تعد محكومة بالحدود المباشرة بين البلدين، بل أصبحت تمتد إلى كل ممر يؤدي دوراً حيوياً في استمرار القدرات العسكرية الروسية أو في دعم حلفائها. ومن هذا المنظور، فإن ضرب الممر القزويني يحقق لكييف هدفين متوازيين: إرباك خطوط الإمداد بين موسكو وطهران، وتقديم نفسها لواشنطن بوصفها شريكاً فاعلاً في مواجهة شبكة إقليمية متداخلة، لا مجرد دولة تدافع عن أراضيها.
وفي الوقت نفسه، فإن الضربة تعكس تطوراً في مفهوم الحرب بعيدة المدى. فالأهمية لا تكمن فقط في الأهداف التي أصابتها المسيّرات، بل في قدرتها على الوصول إلى منطقة كانت تُعد، حتى وقت قريب، خارج نطاق العمليات الأوكرانية. ولذلك، فإن الطريقة التي نُفذت بها العملية قد تكون، على المدى البعيد، أكثر أهمية من حجم الأضرار التي خلفتها.
الخلاصة
إذا كان البحر الأسود قد شكّل، منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، المسرح البحري الرئيسي للمواجهة بين موسكو وكييف، فإن دخول بحر قزوين إلى دائرة العمليات يمثل تحولاً استراتيجياً يتجاوز حدود الضربة نفسها. فالبحر الذي ظل لعقود فضاءً مغلقاً ومحكوماً بتوازنات خاصة، أصبح اليوم نقطة التقاء بين الحرب الروسية الأوكرانية، والمواجهة الأمريكية الإيرانية، وشبكة التعاون العسكري المتنامية بين موسكو وطهران.
وعليه، لم تعد أهمية بحر قزوين تنبع من كونه ممراً بحرياً معزولاً، بل من كونه عقدة لوجستية وجيوسياسية تربط أكثر من ساحة صراع في آن واحد. وإذا استمرت العمليات في استهداف هذا الممر، فإن الدول الخمس المطلة عليه لن تواجه تحدياً يتعلق بأمن الملاحة فحسب، بل اختباراً لقدرتها على منع انتقال حروب الآخرين إلى بحر كان، حتى الأمس القريب، يُعد آخر البحار المغلقة البعيدة عن نيران المواجهات الدولية
