وإذا كان لا شيء متروكاً للمصادفات في عالم السياسة، يمكن الاستنتاج من دون كبير عناء، أن عراقجي الذي زار الصين قبل عشرة أيام، قد أحاط بكين علماً بالمبادرة الإيرانية وبالزمان الذي ستطرح فيه. ويتأكد ذلك من مضمون الاقتراح الذي يشبه بنود مذكرة التفاهم المدعومة صينياً، مع فارق تقصير مدة وقف النار من 60 يوماً إلى 7 أيام، وهدنة على كل الجبهات بما فيها لبنان واليمن، والإفراج عن 12 مليار دولار من الودائع الإيرانية المجمدة ورفع الحصار البحري، في مقابل فتح إيران لمضيق هرمز، والمباشرة في مفاوضات حول القضايا المختلف عليها بما فيها الملف النووي.
ومن اللافت للانتباه أيضاً أن الرئيس الصيني وخلال المواقف التي أطلقها في واشنطن، حضّ أميركا وإيران على العودة إلى مذكرة التفاهم الموقعة في 17 حزيران/يونيو. وعراقجي أيضاً أكد أن الصين تدعم الاقتراح الإيراني. لكن لم يطل الأمر بالرئيس الأميركي دونالد ترامب لكي يُعلن رفضه للمبادرة الإيرانية ولأي اتفاق تريد طهران بموجبه إعادة فتح مضيق هرمز فوراً “لأنها تتكبد خسائر فادحة”، معتبراً أن حصاره لإيران “هو أكبر حصار في التاريخ العسكري”، ولم يُسقط من حساباته احتمال العودة إلى الخيار العسكري بعد الانتخابات النصفية التي ستجري في 3 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
ويعلق ترامب آمالاً فعلية على أن الحصار الأميركي بأشكاله وعقوباته المختلفة لا بد وأن يُزحزح إيران عن تصلبها وبالتالي تقبل باتفاق يناسب الولايات المتحدة، ولا يشكل عودة إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد. أي أن أميركا ترى أنها الآن في موقع القوة، وبأنه منذ سقوط المذكرة، راكمت الكثير من أوراق الضغط على إيران، ولن تتنازل عنها إلا إذا حصلت على مقابل كبير. وفي الوقت نفسه، أسقط ترامب من حساباته الانتخابات النصفية كعامل تستخدمه طهران للضغط عليه. وقال بوضوح في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لتعلم إيران “بأنني لست مرشحاً، ولا يزال باق من رئاستي عامين ونصف العام”.
وتحوّلت الحرب الآن إلى تنافس حول من يمتلك القدرة على تحمل الخسائر. ترامب يضغط بالحصار والحرب الاقتصادية وصولاً إلى العقوبات الثانوية ومحاولة شل الطيران المدني الإيراني، من طريق تهديد المطارات التي تقدم خدمات للطائرات الإيرانية بالحرمان من الوصول إلى الدولار الأميركي. في المقابل، وسّعت إيران من ضغوطها على الاقتصاد العالمي بفتح الحوثيين جبهة البحر الأحمر وسيطرتهم السريعة على مضيق باب المندب، وباستهدافهم منشآت النفط السعودية مما رفع سعر برميل النفط فوق المئة دولار. وبذلك، نجحت إيران في رفع كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي، وبينه الاقتصاد الأميركي من خلال قفزة جديدة غير مسبوقة منذ عقود في أسعار الوقود ومؤشر التضخم.
وتصف الباحثة البارزة في معهد هدسون بواشنطن العاصمة ناديا شادلو في مقال بمجلة “فورين أفيرز” الأميركية، هذا الوضع قائلة: “عندما تكون الأهداف السياسية النهائية للأطراف المتحاربة غامضة أو متطرفة (سقفها مرتفع جداً)، قد يبدو فرض التكاليف واستنزاف الخصم لأجل غير مسمى هو البديل الوحيد عن الاستسلام”.
أي أن استراتيجية إيران، بعدما تمكن النظام من البقاء، تقوم على الاستنزاف. وهذا عكس استراتيجية الولايات المتحدة القائمة على الحروب الخاطفة والعمليات العسكرية القصيرة، على غرار فنزويلا أو الهجمات التي تستهدف كارتلات المخدرات في البحر الكاريبي.
وأمام استعصاء الميدان، لجأ ترامب إلى اطلاق عملية “الإنزال الاقتصادي”، جاعلاً من وزير الخزانة سكوت بيسنت معادلاً للجنرال دوايت أيزنهاور، الذي قاد الإنزال العسكري في النوماندي إبّان الحرب العالمية الثانية، ليشكل نقطة مفصلية في هزيمة ألمانيا النازية.
لكن الحرب الاقتصادية تتطلب صبراً وطول أناة، وقد لا تنجح في نهاية المطاف مع نظام اختبر العقوبات منذ 47 عاماً. وهذا معنى ما يقوله ترامب عن أن إيران ستذهب إلى اتفاق معه، بعد الانتخابات النصفية. ما يحاول الرئيس الأميركي ارساله إلى الإيرانيين هو أن المدى الزمني لاكتفائه بالضغوط الاقتصادية لن يطول كثيراً بعد الانتخابات، حيث ستكون العودة إلى الخيارات العسكرية أمراً متاحاً.
الرهان المبالغ فيه على نتائج العقوبات قد يأتي بتأثيرات عكسية في حال نفذت إيران تهديد أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محسن رضائي بتعطيل كل مطارات الدول المجاورة في حال بقيت مطارات إيران معطلة بفعل العقوبات الأميركية. كما أن تحذير الحرس الثوري بتوسيع الحرب إلى المحيط الهندي، وبضم مضيق باب المندب إلى مضيق هرمز وبـ”تغيير جغرافية” الحرب المقبلة، ينطوي على مخاطر انفجار جديد قد يتسبب بصدمة نفطية أكبر، ترفع أسعار النفط إلى ما فوق الـ150 دولار هذه المرة.
وأي انفجار جديد سيملي على أميركا تورطاً عسكرياً أوسع في الشرق الأوسط. وهذا ما لا يريده ترامب ولو هدّد للمرة العشرين بـ”الإبادة”. وترى مجلة “الإيكونوميست” البريطانية أن الولايات المتحدة، بعد ثلاثة حروب (أفغانستان والعراق وإيران) تستعد لمغادرة الشرق الأوسط، “الذي للمرة الأولى، منذ أن مزقت القوى العظمى أوصال الدولة العثمانية قبل قرن من الزمان، لن يُفرض النظام العام للمنطقة من الخارج بعد الآن”.
ويُشير الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية في نيويورك ريتشارد هاس والأستاذة في مركز الشؤون العالمية التابع لكلية الدراسات المهنية بجامعة نيويورك كارولين كيسان في مقال مشترك بـ”الفورين أفيرز”، إلى أن “العودة إلى الديبلوماسية الخيار الأقل سوءاً، إذ يتعين على الولايات المتحدة السعي للتوصل إلى اتفاق مع إيران لإنهاء الحرب، بحيث لا يقتصر الاتفاق على وقف النار فحسب، بل يتضمن أيضاً خطة لضمان بقاء الممرات المائية الحيوية مفتوحة، وتدابير تحفز طهران على الامتثال لبنود الاتفاق. كما ينبغي على واشنطن تشجيع السعودية على السعي نحو تسوية مماثلة مع الحوثيين. إن التوسط لإبرام هذه الهدن سيتطلب تقديم تنازلات مؤلمة من جانب كل من واشنطن والرياض، غير أن الاستمرار في خوض هذه الحرب ينذر بكارثة اقتصادية، وهو أمر سيكون وقعه أشد إيلاماً بكثير”.
بعد مرور سبعة أشهر على الحرب، يصطدم ترامب بواقع الارتدادات الكبيرة التي أحدثها النزاع الذي هوى بشعبيته إلى 32 في المئة، أي إلى مستوى غير مسبوق في ولايتيه، وفجرت جدلاً لا يني يتسع في صفوف الجمهوريين المهددين بخسارة مدوية في الانتخابات النصفية، وكثير منهم يلوم الرئيس على جرهم إلى هذا الموقع. ويجد فريق ترامب ترامب نفسه بلا حيلة أمام تصاعد التضخم إلى حد التفكير بحظر تصدير البنزين في محاولة لخفض أسعاره قبل الانتخابات.
لا تنتهي الحكاية هنا. بل تتفاعل مشكلة النقص في الذخائر لدى البنتاغون. ونجا وزير الحرب بيت هيغسيث قبل أسبوعين من اختبار قاس. إذ كان على وشك أن يصبح أول رئيس مدني لوزارة الدفاع يواجه تصويتاً على العزل في مجلس النواب منذ عزل سلفه وليم بيلكماب عام 1876.
والمعلق في مجلة “الأتلانتيك” جوناثان ليمير يرثي للحال التي بات عليها ترامب “الذي كان يدعي بأنه يدير العالم، في حين أنه الآن يقف عند أسفل الطائرة في انتظار نزول الرئيس الصيني” في قاعدة أندروز الجوية. ووفقاً للتقاليد لا يقطع الرؤساء الأميركيون مسافة 12 ميلاً إلى القاعدة العسكرية لاستقبال زعيم أجنبي، مستندين إلى هيبة السلطة التنفيذية وقوتها. لكن الأمر اختلف هذه المرة، على رغم أن الرئيس الصيني لم يكن في استقبال ترامب لدى وصوله إلى مطار بكين في حزيران/يونيو الماضي.
