من هنا تظهر ضرورة بناء وعي سياسي جديد يمكن تسميته على ما دُرج عليه في الأدبيات المعاصرة: الوعي الاحتمالي الديناميكي؛ أي ذلك الوعي الذي لا يرى الواقع السياسي كمعطى ثابت، بل كحركة احتمالية متغيرة، تتحول فيها موازين القوى، وتتبدل فيها النوايا، وتتداخل فيها المصالح، وتبقى النتائج مفتوحة على أكثر من مسار.
وهنا يكون العقل الاحتمالي المتقدم هو الأداة المعرفية لهذا الوعي. فهو لا يكتفي بالسؤال عن: ماذا سيحدث؟ بل يسأل: ما الاحتمالات الممكنة؟ ما وزن كل احتمال؟ ما هي شروط تحققه؟ وما المؤشرات التي تدفعه إلى الصعود أو الهبوط؟ بهذا المعنى، ينتقل التحليل السياسي من اليقين الخطابي إلى الترجيح المنهجي، ومن الحكم الانفعالي إلى بناء السيناريوهات.
والفكرة الأخيرة، أي بناء السيناريوهات، هي الفكرة المركزية التي ننطلق منها لتأسيس نمط جديد من السياسة: في مجال التحليل السياسي واتخاذ القرار السياسي.
هنا يأتي مفهوم الإدراك متعدد الاحتمالات ليمنع المحلل السياسي ومتخذ القرار السياسي من الوقوع في أحادية الرؤية. فأي أزمة سياسية لا تحمل احتمالًا واحدًا لا في أسبابها ولا في مسارها ولا في نتائجها؛ على سبيل المثال قد تؤدي العقوبات إلى انهيار، أو إلى صمود، أو إلى تفاوض، أو إلى تصعيد، ولا بد أن القارئ يستطيع أن يتذكر أمثلة على هذه الاحتمالات من خلال ما حدث في التاريخ من نتائج العقوبات الاقتصادية التي مارستها دولة عظمى على دول عديدة لم تكن نتائجها واحدة. وكذلك فقد يؤدي اغتيال سياسي إلى فوضى، أو إلى ضبط داخلي، أو إلى إعادة ترتيب وتغيير موازين القوى. لذلك فإن الإدراك السياسي الناضج لا يقرأ الحدث من زاوية واحدة، بل من زوايا متعددة، بعضها ظاهر وبعضها كامن. لكنه يجب أن يبقى مفتوحا على السيناريوهات المتعددة التي نسبة كل منها 100%، وهذا قد يثيرالتعجب، ذلك أن التحليل الكوانتي سياسياً يعتمد ما يسمى التشابك الكمي الذي يكون فيه لحدث ما عدد لا متناهي من النتائج ونسب كلٌ منها 100%. وهذا ما لا يقتنع به الحس المشترك الذي اعتاد عليه البشر إذا أنهم يميلون إلى وسادة النتيجة الواحدة أو التحليل الواحدي.
ويأتي التمثيل الاحتمالي ليقوم بتحويل الواقع السياسي إلى خريطة احتمالات. فبدل أن نقول: هذا النظام سيسقط، أو هذه الحرب ستقع، أو هذا التحالف سينهار؛ نقول: هناك احتمال مرتفع للتصعيد، واحتمال متوسط للتفاوض، واحتمال ضعيف للتراجع، مع تحديد العوامل التي ترفع أو تخفض كل احتمال. هنا يصبح الواقع السياسي ممثَّلًا لا كصورة جامدة، بل كحقل قوى متحرك.
ومن هذا التمثيل ينشأ القرار الاحتمالي. فالقرار السياسي الرشيد لا يُبنى على يقين كامل، لأن اليقين في السياسة مستحيل وهو سبب أساسي في الخطأ السياسي الذي قد يصل إلى مستوى الكارثة، بل يُبنى على تقدير المخاطر والفرص وعلى الاحتمالات اللا نهائية مع تقدير درجات كل احتمال. فالقرار الاحتمالي لا يعني التردد، الذي لا يمكن احتماله في حالات العمل السياسي وفي لحظة الحقيقة، بل يعني اتخاذ القرار مع وعي بدرجات عدم اليقين. وبالتالي بناء الخطة (ب) والخطة (ج) والاستعداد لكل منها. إنه قرار يعرف أن كل اختيار يفتح مستقبلًا ويغلق آخر، وأن الخطأ ليس في وجود الاحتمال، بل في التعامل معه كيقين مطلق.
وفي مستوى أعلى يأتي ما يدعى في علم السياسة المعاصر جداً: التنبؤ الاحتمالي المتقدم، وهو ليس تنجيمًا سياسيًا ولا توقعًا انطباعيًا، بل بناء نماذج مركبة تستند إلى المؤشرات: الاقتصادية، العسكرية، الاجتماعية، النفسية، الإعلامية، والدبلوماسية. فكل مؤشر لا يُقرأ منفردًا، بل ضمن شبكة علاقات. فارتفاع الإنفاق العسكري، وتغير الخطاب الإعلامي، ودور الحملات الرقمية وحركة السفراء، تبدل أسعار الطاقة، انقسام النخب، وزيادة نسبة التضخم، كلها مؤشرات تدخل في نموذج احتمالي واحد.
في مراكز الأبحاث، تتحول هذه المصطلحات إلى منهج عمل. يبدأ الباحث بجمع المعطيات، ثم يحدد الفاعلين، ثم يرسم السيناريوهات، ثم يقدّر أوزان الاحتمالات، ثم يراقب المؤشرات التي تؤكد أو تنفي كل سيناريو. وبهذا لا يقدم المركز البحثي رأيًا سياسيًا فقط، بل يقدم تصورًا مستقبليًا مشروطًا: إذا حدث كذا ارتفع احتمال كذا، وإذا تغير كذا انخفض احتمال كذا. مع ملاحظة ما يمكن تسميته “أثر الفراشة” أو “البجعة السوداء” أي الاحتمالات الصغيرة التي يمكن أن تؤدي إلى نتائج كبيرة، أو الظواهر التي لا نلتفت إليها وتكون نتائجها عالية.
وهنا يظهر الفرق بين التحليل السياسي التقليدي والتحليل السياسي الذي يبالغ في موثوقيته من ناحية، والتحليل الاحتمالي المتقدم. فالأول يميل إلى الجزم: الحرب قادمة، التسوية قادمة، الانهيار قادم. أما الثاني فيقول: الحرب احتمالها يرتفع إذا توافرت ثلاثة شروط، والتسوية تصبح ممكنة إذا ظهر وسيط قوي، والانهيار يصبح مرجحًا إذا اجتمعت الأزمة الاقتصادية مع انقسام النخبة وفقدان الشرعية الرمزية.
إن السياسة في جوهرها ليست فقط صراع قوى، بل هي صراع احتمالات. وكل قوة سياسية تحاول أن ترفع احتمال مستقبل يخدمها، وتخفض احتمال مستقبل يهددها. لذلك فإن الدولة، والحزب، ومركز الأبحاث، وصانع القرار، لا يعملون داخل واقع منجز، بل داخل مستقبل لم يكتمل بعد. ومن هنا يصبح الوعي الاحتمالي الديناميكي أداة للسيطرة المعرفية على المجهول.
وعليه، يمكن القول إن هذه المصطلحات تشكل منظومة واحدة: الوعي الاحتمالي الديناميكي هو الإطار العام؛ والعقل الاحتمالي المتقدم هو الأداة؛ والإدراك متعدد الاحتمالات هو طريقة النظر؛ والتمثيل الاحتمالي هو صورة الواقع؛ والقرار الاحتمالي هو الممارسة؛ والتنبؤ الاحتمالي المتقدم هو استشراف المستقبل؛ والتحليل الاحتمالي هو المنهج الجامع.
إن الأحداث السياسية والعسكرية التي عرفناها مؤخراً تخضع لهذه المقاييس، ولا بد أن الكثير من التحليل السياسي الذي يعتمد النظرة الأحادية قد انكشف لأنه لم يستطع أن يتوقع المقبل ولم يقدم مادة تستحق الثقة وبالتالي سرعان ما خسر جمهوره.
مثال تطبيقي:
تطبيق منهج الوعي الاحتمالي الديناميكي على الحرب الروسية–الأوكرانية:
24 فبراير/شباط 2022، وقع معظم المحللين السياسيين في ما يمكن تسميته التحليل الأحادي الخطيّ (Monolinear Analysis)، أي تحليل الواقع من خلال مسار واحد مفترض، باعتباره المسار الوحيد الممكن. وقد أدى ذلك إلى سلسلة من التوقعات التي أثبت الواقع لاحقًا محدوديتها أو خطأها.
لقد انطلق عدد كبير من المحللين من فرضية أن التفوق العسكري الروسي سيؤدي إلى انهيار سريع للدولة الأوكرانية خلال أيام أو أسابيع قليلة. وكان هذا التقدير قائمًا على مقارنة كمية محض بين حجم الجيش الروسي وحجم الجيش الأوكراني، وعلى تصور تقليدي للحرب يعتمد على موازين القوة العسكرية المباشرة. وعلى اعتبار أن روسيا دولة عظمى وإن أوكرانيا دولة صغيرة.
في المقابل، ذهب فريق آخر إلى فرضية معاكسة تمامًا، مفادها أن العقوبات الغربية ستؤدي سريعًا إلى انهيار الاقتصاد الروسي وإجبار موسكو على التراجع الاستراتيجي، وذهب بعضهم إلى أن هذا سيؤدي إلى انهيار النظام في روسيا.
في الحالتين، كان التفكير قائمًا على يقين سياسي أحادي وليس على إدراك احتمالي متعدد المسارات، لكن الواقع سار في اتجاه مختلف، حيث تدفقت المساعدات الغربية بصورة غير مسبوقة. وبدا وكأن الغرب يخوض معركته هو بالذات، وفي الوقت نفسه، لم ينهَر الاقتصاد الروسي كما توقع كثيرون، بل أعاد التكيف مع العقوبات عبر مسارات اقتصادية ومالية وتجارية جديدة.
وهنا يظهر قصور التحليل الأحادي؛ إذ إنه تعامل مع المستقبل باعتباره نتيجة واحدة حتمية، بينما كان الواقع يحتوي منذ البداية على مجموعة من الاحتمالات المتنافسة.
لو طبقنا منهج الوعي الاحتمالي الديناميكي منذ الأيام الأولى للأزمة لكان المشهد المستقبلي مختلفًا تمامًا.
أولًا: الوعي الاحتمالي الديناميكي
كان ينبغي النظر إلى الأزمة باعتبارها منظومة متغيرة باستمرار، وليس باعتبارها حدثًا عسكريًا صرفًا.
فالحرب لم تكن مواجهة بين جيشين فقط، بل كانت صراعًا بين:
- روسيا.
- أوكرانيا.
- الولايات المتحدة.
- الاتحاد الأوروبي.
- حلف الناتو.
وبالتالي فإن أي تغير في أحد هذه المكونات كان قادرًا على إعادة تشكيل المشهد بأكمله.
ثانيًا: العقل الاحتمالي المتقدم
بدل السؤال:
“هل ستنتصر روسيا أم ستنتصر أوكرانيا؟”
كان يجب طرح سؤال مختلف:
“ما هي السيناريوهات الممكنة للحرب؟”
مثلاً:
السيناريو الأول:
انتصار روسي سريع
السيناريو الثاني:
حرب استنزاف طويلة
السيناريو الثالث:
تسوية سياسية مبكرة
السيناريو الرابع:
توسع إقليمي أو دولي للحرب
السيناريو الخامس:
تحول الحرب إلى حرب مديدة مع قضم تدريجي! بالجمع بين الحرب التقليدية والحرب الاستراتيجية.
هنا يجب وضع كل احتمال وكأنه 100% والتعامل معه على هذا الأساس.
هنا لا يتم اختزال المستقبل في نتيجة واحدة، بل يتم توزيع الاحتمالات على مجموعة من المسارات.
ثالثًا: الإدراك متعدد الاحتمالات
كان يجب إدراك أن كل فاعل سياسي يمتلك أهدافًا مختلفة.
فروسيا ربما كانت تسعى إلى فرض وقائع استراتيجية جديدة.
وأوكرانيا ومن وراءها الغرب كانت تسعى إلى الاستنزاف.
والولايات المتحدة ربما كانت ترى فرصة لإضعاف روسيا استراتيجيًا.
وأوروبا كانت تحاول تجنب الانهيار الاقتصادي والأمني في أوكرانيا والضغط على روسيا.
وبالتالي فإن مسار الحرب لا تحدده إرادة طرف واحد، بل التفاعل بين عدة إرادات متعارضة. ولهذا كانت النتيجة من خارج الصندوق.
رابعًا: التمثيل الاحتمالي
كان ينبغي تحويل الأزمة إلى خريطة احتمالات متحركة.
مثال:
إذا استمر الدعم العسكري الغربي فإن احتمال الصمود الأوكراني يرتفع أو يمكن أن يؤدي إلى مواجهة أوروبية روسية.
إذا توسعت العقوبات الاقتصادية فإن احتمال الضغط على روسيا يرتفع. ومن الممكن أن تبني روسيا خيارات اقتصادية لم تكن تخطر على البال أي من خارج الصندوق.
إذا ارتفعت أسعار الطاقة عالميًا فإن قدرة روسيا على التمويل قد تستمر.
إذا ظهرت انقسامات داخل الغرب فإن احتمال التفاوض يرتفع وبخاصة إذا كان القضم المتدرج ناجحاً.
وبذلك يصبح التحليل خريطة ديناميكية لا حكمًا نهائيًا.
خامسًا: القرار الاحتمالي
لو كانت مراكز الأبحاث تقدم توصياتها وفق هذا المنهج، لما قالت لصانع القرار:
“روسيا ستنتصر”.
أو
“روسيا ستنهار”.
بل كانت ستقول:
“هناك عدة مسارات احتمالية رئيسة، ولكل مسار مؤشرات إنذار مبكر يجب مراقبتها.”
وهذا يمنح صانع القرار قدرة أعلى على التكيف مع التطورات.
سادسًا: التنبؤ الاحتمالي المتقدم
كان ينبغي مراقبة مجموعة مؤشرات رئيسة:
- حجم المساعدات الغربية.
- قدرة روسيا على تجاوز العقوبات.
- تماسك النخبة الروسية.
- الروح المعنوية الأوكرانية.
- أسعار الطاقة العالمية.
- مواقف الصين والهند.
كل تغير في هذه المؤشرات يؤدي إلى تعديل الاحتمالات بشكل دوري.
سابعًا: التحليل الاحتمالي
بعد مرور سنوات على الحرب، يتضح أن السيناريو الذي كان يجب أن يحصل على الوزن الأكبر منذ البداية هو:
“حرب استنزاف طويلة ذات نتائج مفتوحة”.
لكن أغلب التحليلات الأحادية لم تمنحه الوزن الذي يستحقه.
لقد كان الخطأ الجوهري هو الاعتقاد بأن المستقبل السياسي يسير على خط مستقيم، بينما أثبت الواقع أن السياسة تعمل وفق شبكة معقدة من الاحتمالات المتغيرة.
