مصر خارج حدودها: قوس أمني من المتوسط إلى باب المندب

لم يعد الأمن القومي، في عالم اليوم، يُقاس بخطوط الحدود البرية وحدها، ولا بعدد الجنود أو التحصينات العسكرية على أطراف الدولة. فالتغيرات التي شهدها الإقليم خلال العقد الأخير أعادت تعريف مفهوم الأمن ذاته، بعدما أصبحت الممرات البحرية وشبكات الطاقة والحروب الأهلية والتنافس على الموانئ عناصر لا تقل تأثيراً عن الحدود التقليدية في تحديد مكانة الدول وأمنها.

بالنسبة إلى مصر، تبدو هذه التحولات أكثر عمقاً من أي وقت مضى. فمن ليبيا غرباً إلى باب المندب جنوباً، مروراً بسيناء والسودان والقرن الأفريقي وإثيوبيا، تشكلت خلال السنوات الأخيرة بيئة استراتيجية مترابطة لم تعد فيها الأزمات منفصلة بعضها عن بعض، بل بات كل تطور في إحدى هذه الساحات ينعكس بصورة مباشرة على الأخرى. ولم يعد البحر الأحمر مجرد ممر ملاحي، ولا السودان مجرد دولة جوار، ولا إثيوبيا مجرد طرف في نزاع مائي، ولا ليبيا مجرد ملف حدودي؛ بل أصبحت هذه الملفات حلقات في معادلة أمنية واحدة تحدد، إلى حد كبير، مستقبل الدور المصري في الإقليم.

وتزداد أهمية هذه المعادلة لأن البحر الأحمر تحول من ممر إقليمي إلى أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، إذ تعبر عبره، وعبر قناة السويس، نسبة مؤثرة من التجارة الدولية وحركة الطاقة بين آسيا وأوروبا. ولذلك فإن أي تغير في موازين القوى على ضفتيه لا ينعكس على أمن الملاحة وحده، بل يمتد إلى الاقتصاد المصري وسلاسل الإمداد العالمية والتوازنات العسكرية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.

ومن هذا المنظور، لا تبدو التطورات الجارية في ليبيا أو السودان أو إثيوبيا أو الصومال أزمات مستقلة، وإنما أجزاء من عملية أوسع لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بمصر، حيث تتداخل اعتبارات الأمن القومي مع التنافس على الموانئ والطاقة والممرات البحرية والنفوذ الإقليمي. وهذا ما يجعل السؤال الحقيقي اليوم لا يتعلق بكيفية إدارة كل ملف على حدة، بل بكيفية إدارة الترابط المتزايد بينها جميعاً.

الجبهة الغربية 

لم يعد استقرار ليبيا قضية تخص حدود مصر الغربية فحسب، بل أصبح جزءاً من معادلة أمن شرق المتوسط والبحر الأحمر معاً. فاستمرار الانقسام الليبي يحمل معه مخاطر تجدد موجات الهجرة غير النظامية، واتساع شبكات تهريب السلاح، وإعادة إنتاج بيئات حاضنة للجماعات المسلحة، وهي عوامل تتجاوز آثارها الداخل الليبي.

غير أن أهمية ليبيا لا تنبع من بعدها الأمني وحده؛ فهي تمتلك موارد نفطية ضخمة وتقع عند نقطة التقاء بين شمال أفريقيا والبحر المتوسط، ما يجعلها عنصراً مؤثراً في معادلات الطاقة الأوروبية أيضاً. ومن ثم، فإن القاهرة لا تسعى فقط إلى حماية حدودها الغربية، بل إلى المشاركة في صياغة الترتيبات السياسية والأمنية التي سترسم مستقبل الدولة الليبية، انطلاقاً من إدراك أن أي تسوية هشة قد تعيد إنتاج التهديدات نفسها بصور مختلفة.

وفي هذا السياق، لم يعد من الممكن تجاهل التحول الذي طرأ على الدور التركي. فأنقرة، التي دخلت ليبيا عبر البوابة العسكرية، تعمل اليوم على تثبيت نفوذ سياسي وأمني طويل الأمد، بالتوازي مع انفتاحها على قوى ليبية متعددة. ومع التحسن الملحوظ في العلاقات المصرية–التركية، لم تعد ليبيا ساحة مواجهة مباشرة بين الطرفين بالحدة السابقة، بل أصبحت ميداناً لإدارة التنافس وضبطه، بما يحد من احتمالات العودة إلى الصدام المفتوح.

السودان.. العمق الاستراتيجي

إذا كانت ليبيا تمثل البوابة الغربية للأمن القومي المصري، فإن السودان يشكل عمقه الاستراتيجي الجنوبي، حيث تتقاطع اعتبارات الحدود مع أمن البحر الأحمر وحوض النيل في معادلة واحدة. ومن هذا المنطلق، لم تعد الحرب السودانية مجرد صراع داخلي على السلطة، بل تحولت إلى متغير إقليمي يعيد تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بمصر.

فكل تحول ميداني في دارفور أو كردفان لا يغير الخريطة العسكرية داخل السودان فحسب، بل ينعكس أيضاً على أمن الحدود وشبكات التهريب وحركة الجماعات المسلحة ومسارات النزوح، وهي عوامل تتجاوز آثارها الداخل السوداني لتطال جواره الإقليمي المباشر.

وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية لأن آثار الحرب امتدت إلى البحر الأحمر نفسه. فقد أصبح ميناء بورتسودان الشريان الرئيسي لمؤسسات الدولة السودانية، وأي اضطراب في محيطه ينعكس على حركة التجارة والاستثمارات والتوازنات البحرية في الساحل الغربي للبحر الأحمر. ومن هنا، لم يعد استقرار السودان بالنسبة إلى القاهرة مرتبطاً فقط بحماية حدودها الجنوبية، بل بالحفاظ على استقرار المجال البحري الممتد من قناة السويس حتى باب المندب.

وتنظر القاهرة إلى استعادة مؤسسات الدولة السودانية لقدرتها على العمل بوصفها عنصراً أساسياً في رؤيتها للاستقرار.

إثيوبيا.. لم تعد دولة حبيسة فقط

وتمثل إثيوبيا اليوم إحدى أكثر العقد تعقيداً في معادلة الأمن الإقليمي، لأن تحركاتها لم تعد تقتصر على إدارة ملف سد النهضة أو المطالبة بمنفذ بحري، بل أصبحت تعكس تصوراً استراتيجياً أشمل لدور أوسع في شرق أفريقيا.

فالتصريحات المتكررة الصادرة عن القيادة الإثيوبية بشأن ضرورة امتلاك منفذ على البحر لم تعد تُقدَّم باعتبارها مطلباً اقتصادياً لدولة حبيسة فحسب، بل بوصفها جزءاً من رؤية تعتبر أن اعتماد إثيوبيا شبه الكامل على موانئ الدول المجاورة يقيّد طموحاتها الإقليمية.

ومن هنا، لم يعد الحديث عن جيبوتي أو إريتريا أو الصومال مجرد نقاش حول مرافق تجارية، بل أصبح متصلاً بمسعى إثيوبي أوسع للحصول على وصول بحري أكثر أمناً واستدامة.

وهنا تكمن أهمية الربط، من وجهة النظر المصرية، بين ملفي سد النهضة والمنفذ البحري. فالقاهرة تتعامل معهما داخل بيئة استراتيجية واحدة، لأن توسع هامش الحركة الإثيوبي في حوض النيل وفي القرن الأفريقي ينعكس على ميزان القوى الإقليمي. وقد ظهرت خلال عام 2026 إشارات إلى استعداد مصري لمناقشة وصول تجاري إثيوبي إلى البحر الأحمر، مع رفض تحويل هذا الوصول إلى حضور عسكري دائم على الساحل.

وبالنسبة إلى مصر، لا يكمن التحدي في كل ملف منفرداً، وإنما في تفاعل هذه الملفات. فالقاهرة لا تواجه خلافاً حول المياه فقط، ولا نقاشاً منفصلاً حول أمن البحر الأحمر، بل بيئة إقليمية يعاد تشكيلها بالتوازي على مستوى المياه والموانئ والقواعد العسكرية وشبكات التحالف.

ومن هنا يصبح الصومال أكثر من مجرد دولة مجاورة لإثيوبيا؛ فهو يمثل إحدى الحلقات التي قد تحدد شكل التوازنات المقبلة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

الصومال ومعادلة البحر الأحمر

إقرأ على موقع 180   "القديس" الحقيقي.. جورج قرم

إذا كانت إثيوبيا تسعى إلى توسيع هامش وصولها إلى البحر، فإن الصومال يتحول، بحكم موقعه الجغرافي، إلى إحدى أهم ساحات التوازن في القرن الأفريقي. فلم تعد القضية مرتبطة بمستقبل الدولة الصومالية وحدها، بل بمستقبل الممرات البحرية التي تصل البحر الأحمر بالمحيط الهندي، وبشكل النفوذ الإقليمي في هذه المنطقة الحساسة.

ومن هنا يكتسب دعم وحدة الصومال وسيادته بعداً يتجاوز الاعتبارات السياسية التقليدية. فأي فراغ سياسي أو أمني على السواحل المطلة على خليج عدن وباب المندب يمكن أن يفتح المجال أمام ترتيبات أمنية ومينائية جديدة تغير موازين القوى في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

ولا تقتصر المنافسة في الصومال على الوجود العسكري أو النفوذ السياسي، بل تمتد إلى الموانئ والبنية التحتية البحرية. فموانئ مقديشو وبربرة وبوصاصو لم تعد مجرد مرافق تجارية، بل أصبحت جزءاً من سباق استراتيجي على خطوط التجارة والطاقة بين أفريقيا وشبه الجزيرة العربية وآسيا.

وفي هذه الساحة يبرز الدور التركي بوصفه أحد المتغيرات المهمة خلال العقد الأخير. فمن خلال علاقتها العسكرية والاقتصادية بالحكومة الفيدرالية الصومالية، رسخت أنقرة حضوراً مؤثراً. كما أدت الوساطة التركية بين الصومال وإثيوبيا إلى فتح مسار يقوم على إمكان حصول أديس أبابا على وصول تجاري إلى الموانئ الصومالية ضمن إطار تفاوضي يحترم السيادة الصومالية.

وبالنسبة إلى القاهرة، يتيح هذا التطور مساحة تقاطع مع أنقرة في دعم استقرار الصومال، وإن ظلت لكل دولة حساباتها ومصالحها الخاصة في القرن الأفريقي.

اليمن.. الضفة المقابلة لباب المندب

لكن معادلة البحر الأحمر لا تكتمل من الضفة الأفريقية وحدها. فعلى الساحل المقابل، أعاد التمدد الحوثي الأخير في غرب اليمن، ولا سيما السيطرة على المخا والتقدم الواسع على ساحل البحر الأحمر، باب المندب إلى صدارة الحسابات المصرية. وقد أدت سيطرة الحوثيين على الساحل اليمني للبحر الأحمر، إلى ازدياد المخاوف من قدرتهم على تهديد الملاحة عبر المضيق، بالتزامن مع تجدد المواجهة بينهم وبين السعودية.

وبالنسبة إلى مصر، لا يتعلق الأمر باليمن وحده. فاضطراب باب المندب ينتقل مباشرة إلى البحر الأحمر وقناة السويس، وقد سبق أن انعكس التهديد الحوثي للملاحة على إيرادات القناة وحركة السفن عبرها. ولهذا يصبح أمن الساحل الغربي اليمني جزءاً من الأمن الاقتصادي المصري بقدر ما هو مسألة أمن بحري.

وجاءت زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى القاهرة في 15 أيلول/سبتمبر 2026 لتجعل هذا التقاطع المصري–السعودي أكثر وضوحاً. فقد أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي حرص البلدين على ضمان أمن وحرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب وفي البحر الأحمر، وأعلن السيسي دعم مصر للإجراءات التي تتخذها السعودية لحماية أمنها واستقرارها، بالتوازي مع التشديد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية.

وتكشف هذه الصيغة حدود المقاربة المصرية كما أُعلنت حتى الآن: دعم واضح لأمن السعودية ولحرية الملاحة، من دون إعلان التزام مصري بتدخل عسكري مباشر في اليمن، مع إبقاء الحل السياسي في قلب الموقف الرسمي. وقد أفادت تقارير لاحقة بأن الرياض طلبت مساعدة من عدد من شركائها، بينهم مصر، من دون إعلان التزام عسكري من أي منهم حتى الآن، فيما تشارك القاهرة في جهود خفض التصعيد دبلوماسياً.

وبهذا المعنى، لا تنظر القاهرة إلى تمدد الحوثيين باعتباره تطوراً يمنياً داخلياً فحسب، بل كعامل يمكن أن يصل بين ثلاث دوائر شديدة الحساسية للأمن المصري: أمن السعودية، وأمن البحر الأحمر، واستمرارية الملاحة المؤدية إلى قناة السويس.

مصر وتحدي إعادة هندسة الإقليم

تكشف قراءة هذه الملفات مجتمعة أن مصر لم تعد تواجه سلسلة من الأزمات المنفصلة، بل بيئة استراتيجية تتشابك فيها الحدود البرية مع الممرات البحرية، والطاقة مع الجغرافيا، والدبلوماسية مع الردع، والصراعات الداخلية مع التنافس بين القوى الإقليمية والدولية.

ففي الغرب، تحدد ليبيا جانباً من أمن الحدود والطاقة وشرق المتوسط. وفي الجنوب، يجمع السودان بين أمن الحدود وحوض النيل والساحل الغربي للبحر الأحمر. وفي القرن الأفريقي، تطرح إثيوبيا والصومال أسئلة المياه والوصول البحري والموانئ والسيادة. وعلى الضفة المقابلة، يعيد اليمن والحوثيون باب المندب إلى قلب الحسابات المصرية.

ولا تقف هذه التحولات عند حدود الإقليم. فالولايات المتحدة والصين وروسيا، إلى جانب تركيا وقوى خليجية فاعلة، تنظر جميعها إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي باعتبارهما فضاءً ترتبط فيه الموانئ وسلاسل الإمداد والطاقة بالقوة السياسية والعسكرية.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يواجه القاهرة لم يعد: كيف تدير كل أزمة على حدة؟ بل: كيف تبني رؤية استراتيجية تستوعب الترابط بين هذه الملفات جميعاً؟

فالأمن القومي المصري لم يعد يُختبر على الحدود وحدها، وإنما أيضاً في القدرة على إدارة مجال استراتيجي يمتد من شرق المتوسط إلى القرن الأفريقي، ومن حوض النيل إلى باب المندب.

خاتمة

ما تواجهه مصر اليوم ليس مجرد تحديات متزامنة في ليبيا والسودان وإثيوبيا والصومال واليمن، بل عملية أوسع لإعادة تشكيل الإقليم وتوزيع مراكز القوة والنفوذ فيه.

ولذلك لن يكون معيار النجاح مقتصراً على احتواء كل أزمة منفردة، بل على القدرة على الربط بين الجغرافيا البرية والبحرية، وبين أمن المياه والطاقة والموانئ، وبين الأدوات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية.

ولعل البحر الأحمر هو المكان الذي تظهر فيه هذه التحولات بأوضح صورها. فقد انتقل من كونه ممراً للتجارة العالمية إلى ساحة تتقاطع فيها طموحات دول القرن الأفريقي، وأمن الخليج، والحرب في اليمن، ومصالح القوى الكبرى، واقتصاد قناة السويس.

ومن يستطيع التأثير في معادلات هذا البحر، وفي الممرات المؤدية إليه، لن يؤثر في أمن الإقليم وحده، بل في جزء مهم من حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.

 

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  دروس لبنانية إلى أبناء سوريا