جمهور المقاومة اللبنانية بين حدي الذاكرة القوية.. والحاضر الصعب

ثمة لحظات سياسية تصبح فيها قراءة الجمهور أكثر دلالة من قراءة القيادة نفسها. فالجمهور، خصوصًا عندما يرتبط بقضية تتجاوز السياسة اليومية إلى الهوية والعقيدة والذاكرة، يتحول إلى كتلة وجدانية تستقبل الخسارة بوصفها إصابة في المعنى الذي بنت عليه تاريخها وصورتها عن ذاتها.

ما يعيشه جمهور المقاومة في لبنان خلال السنتين الأخيرتين يفتح بابًا واسعًا لهذه القراءة: اغتيالات، دمار هائل، قرى وبيوت سُوّيت بالأرض، خسائر بشرية وميدانية واقتصادية، وضغط سياسي وأمني متواصل. أمام تراكم كهذا يتراجع السؤال البسيط حول الربح والخسارة، ويبرز سؤال أكثر تعقيدًا: كيف تحمي الجماعة صورتها عن نفسها عندما يصبح الواقع أثقل من السردية التي اعتادت تفسيره؟

استخدم دان كاهان وزملاؤه مفهوم «الإدراك الحامي للهوية» (IdentityProtective Cognition) لشرح سلوك يتكرر داخل الجماعات في أوقات الأزمات. فحين يرتبط الإنسان بقضية أو جماعة ارتباطًا عميقًا، تصبح بعض الحقائق مؤلمة لأنها تهدد الصورة التي كوّنها عن جماعته وعن نفسه داخلها. عندها يميل إلى تقبّل الأخبار التي تؤكد قناعاته، فيما يعيد تفسير الأخبار التي تربكه أو تضع جماعته أمام مسؤولية ما. فإذا وقعت خسارة، مثلًا، يصبح البحث عن أسبابها خارج الجماعة أكثر راحة نفسيًا من البحث عنها داخلها. وهكذا يتحول العقل من أداة لفهم ما حدث إلى أداة لحماية الانتماء من الصدمة.

والأكثر إثارة أن الثقافة والقدرة على التحليل قد تمنحان صاحب القناعة حججًا أكثر تعقيدًا للدفاع عنها؛ فالمثقف يستطيع أحيانًا بناء تفسيرات أشد براعة للوقائع التي يريد أن يراها من الزاوية التي تحفظ عالمه الفكري والسياسي. وهذه إحدى المفارقات المهمة في علم النفس السياسي: المعرفة قد تساعد الإنسان على مراجعة أفكاره، وقد تساعده أيضًا على بناء حصون فكرية أكثر إحكامًا حولها.

من هنا يمكن فهم جانب من المزاج السائد لدى شرائح واسعة من جمهور المقاومة في لبنان. تراكم الأحداث القاسية يولّد حاجة عميقة إلى صيانة البناء الذي أعطى التضحيات معناها ووفّر تفسيرًا للعالم طوال عقود. عندها يبدأ الذهن الجمعي بتوزيع المسؤوليات على دوائر متعددة: الخصوم، الحلفاء، الدولة، الإعلام، البيئة السياسية، المتخاذلون، التحولات الإقليمية والدولية. لكثير من هذه العناصر وزن فعلي في صناعة المشهد، فيما تكشف طريقة استحضارها عن وظيفة سيكولوجية إضافية: كل مسؤولية تُدفع إلى الأطراف تمنح المركز مساحة أوسع للحفاظ على تماسكه.

وتزداد المسألة تعقيدًا عندما تتداخل الهوية السياسية مع البنية العقائدية. القرار العسكري والسياسي يجاور عندئذ المقدس والتاريخ والشهادة والتكليف وفكرة التسديد الإلهي، فيصبح الاعتراف بخطأ استراتيجي محتمل أعلى كلفة من مراجعة قرار ميداني عابر؛ أثره قد يصل في وجدان المؤمن إلى طبقات عميقة من منظومته الاعتقادية. هنا تكمن إحدى عقد النقد داخل الجماعات العقائدية: السؤال التكتيكي قد يصل إلى المتلقي كسؤال عن العقيدة، والملاحظة السياسية قد تُستقبل بوصفها تهديدًا لسلسلة كاملة من المعاني التي عاش الإنسان داخلها سنوات طويلة ودفع في سبيلها أثمانًا شخصية وعائلية ومادية.

وتضيف نظرية الهوية الاجتماعية بعدًا آخر. فحين تصبح العضوية في جماعة مركزية في تعريف الإنسان لذاته، يبدأ باختبار جانب من مشاعره بصفته عضوًا فيها. الخوف والغضب والاعتزاز والمهانة والأمل تتحول إلى «انفعالات قائمة على الجماعة» (Group-Based Emotions)؛ خسارتها تصيب الفرد، وإهانتها تمس مكانته، ونجاحها يرفع شعوره بالقيمة والفاعلية. ولهذا تضع أدبيات العمل الجمعي الهوية والانفعال والإحساس بالفاعلية المشتركة في قلب تفسير سلوك الجماهير خلال الأزمات والصراعات.

ويضاف إلى ذلك، في الحالة اللبنانية، غياب الشخصية التي كانت تؤدي طوال عقود وظيفة مركزية في تنظيم المعنى. السيد حسن نصرالله، إلى جانب موقعه القيادي، شغل وظيفة سيكولوجية بالغة التأثير لدى جمهوره: يسمّي الحدث، يُحدّد حجمه، يرتب الخسائر والمكاسب، يضع الوقائع داخل سردية متماسكة، ثم يمنح الناس لغة يستوعبون عبرها ما جرى. كان الخطاب بهذا المعنى حدثًا سياسيًا وعاطفيًا معًا؛ وبعد غيابه فقد الجمهور مركزًا بالغ القوة لإعادة ترتيب الوقائع خلال لحظات الاضطراب.

الرئيس نبيه بري يشغل مساحة مختلفة بحكم موقعه وشخصيته وأدواته. حضوره يتركز في إدارة السياسة والتفاوض وتفكيك العقد وحماية التوازنات داخل البيئة الأوسع، ولغته التواصلية تقوم غالبًا على جملة أمام وفد، أو موقف منقول، أو معلومة صحافية، أو إشارة سياسية محسوبة. هذه لغة بارعة في إدارة التسويات، فيما يحتاج الجمهور المأزوم إلى شيء آخر أيضًا: سردية واسعة تمنح الخسائر أسماءها، وتجمع الوقائع المتناثرة، وتعيد إنتاج قدر من اليقين الوجداني. وفي زمن الجروح الكبرى يصبح المعنى حاجة سياسية بقدر ما هو حاجة نفسية.

هنا يمكن فهم ظاهرة لافتة للانتباه على وسائل التواصل الاجتماعي. يكتب صحافي موقفًا نقديًا فيتحول خلال دقائق إلى «مكوِّع»، ثم يكتب موقفًا يقترب من المزاج الجمعي فيصبح «عائدًا من التكويعة». تتراجع الحجة نفسها إلى المرتبة الثانية، ويتقدم سؤال الانتماء: أين يقف صاحب الكلام بالنسبة إلينا؟ يصبح موقع المتكلم أحيانًا أهم من مضمون كلامه، ويتحول الاختلاف في تقدير واقعة سياسية إلى امتحان ولاء. أبحاث الاستقطاب السياسي والإدراك الحامي للهوية تساعد في تفسير هذه الظاهرة؛ فالوقائع حين تدخل المجال المشحون بالهوية تفقد جانبًا من استقلالها، ويصبح استقبالها مرتبطًا بالمكان الذي تحتله داخل خريطة الانتماء.

إقرأ على موقع 180  لأنه الميلاد، لأنه أيقونة فلسطين، لأنه الشرق الحزين

أما «الإنكار» فيحتاج هنا إلى استخدام دقيق. المقصود آلية حماية نفسية واجتماعية تنشط عندما تتسع المسافة بين الصورة التاريخية التي بنتها الجماعة عن نفسها وبين حاضر يضغط على هذه الصورة بعنف. ومن داخل الفجوة يولد الحنين الجمعي أيضًا. مراجعات حديثة في علم النفس الاجتماعي تشير إلى أن الجماعات التي تشعر بانقطاع بين حاضرها وتاريخها تستدعي أزمنة القوة والتماسك والوضوح، فيصبح الماضي موردًا لإعادة تثبيت الهوية واستعادة الإحساس باستمرار الجماعة عبر الزمن.

وهنا تكمن المفارقة الأصعب: اللحظة التي تحتاج فيها الجماعة إلى المراجعة تكون غالبًا اللحظة التي تبلغ فيها حساسيتها تجاه المراجعة ذروتها. الجرح يطلب التماسك، فيما المستقبل يطلب المعرفة. ولهذا تحمل المرحلة المقبلة سؤالًا يتجاوز السجال اليومي كله: كيف تنتقل المقاومة من حماية صورتها عن نفسها إلى قراءة تجربتها؟ المراجعة الاستراتيجية تستطيع أن تتحول إلى فعل حماية من نوع أعمق؛ معرفة مواضع النجاح، وتشخيص الأخطاء، وقراءة التحولات التي طرأت على الحرب والخصم والتكنولوجيا والاستخبارات والمجتمع والاقتصاد والبيئة الإقليمية.

جمهور المقاومة يقف اليوم عند نقطة ثقيلة بين ذاكرة قوة امتدت عقودًا وحاضر فرض أسئلة مختلفة، بين يقين تشكّل عبر سنوات طويلة ووقائع تحتاج إلى قاموس جديد، وبين غريزة التماسك وضرورة الفهم. هنا يتغير السؤال نفسه. سؤال «مَن معنا ومَن علينا؟» ينتمي إلى زمن الاصطفاف، فيما السؤال الذي سيحدد قدرة هذه التجربة على تجديد نفسها أكثر صعوبة وخصوبة: ماذا جرى لنا؟ كيف وصلنا إلى هنا؟ ماذا تعلمنا؟ وأي مقاومة نريد أن نكون بعد كل ما جرى؟

Print Friendly, PDF & Email
عبد الحليم حمود

رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  أربع عقد كبيرة تواجه مفاوضات فيينا.. النووية