بين العودة المكانية والعودة المستدامة
يشكّل التمييز الذي تقترحه دراسة “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” بين “العودة المكانية“ و”العودة المستدامة” أهم مساهمة مفاهيمية فيها. وهو تمييز يتقاطع مع نقاش أقدم حول اللجوء والعودة، أبرزه عمل ليزا مالكي حول “الوطن” بوصفه ممارسةً يوميةً متجددة، لا موقعًا جغرافيًا ثابتًا يُستعاد بمجرد الوصول إليه.
فحين يقول أحد المشاركين: “راح البيت“، وهو لا يزال في بلدته، أو حين تصف مشاركة أخرى وضعها بعبارة: “أنا بعد ما استقريت لحتى انزح“، فإن الحديث لا يدور عن مكان، بل عن حالة. فالبيت هنا ليس بنيةً إسمنتية، بل شبكة من العلاقات، والروتين، والخدمات، والثقة، وانهيار أي عنصر من هذه الشبكة يُبقي الفرد في حالة نزوح رمزي داخل مكانه الأصلي.
وهذا ما تسميه الدراسة، بدقة، “نزوحًا داخل مكان العودة نفسه“، وهو مفهوم يبدو أكثر دقة من فكرة “العودة الفاشلة“ الشائعة في الأدبيات الإنسانية التقنية؛ لأنه لا يفترض ثنائية النجاح والفشل، بل يصف حالةً انتقاليةً ممتدة.
الحالة العتبية
يمكن قراءة أبرز نتائج الدراسة، وهي غياب القرار الرسمي عن تحريك العودة، من خلال مفهوم “العتبية” (Liminality) الذي طوّره فيكتور تيرنر في دراسته لطقوس الانتقال. فالانتقال من حالة اجتماعية إلى أخرى يفترض وجود طقس فاصل يُعلن نهاية مرحلة وبداية أخرى.
إن غياب هذا الطقس في التجربة المدروسة، أي غياب “القرار الرسمي“ أو “التقييم المؤسسي المعلن“، كما تصفه الدراسة، يجعل العودة انتقالًا بلا حدود واضحة. فالعائدون لم يخرجوا من حالة النزوح، ولم يدخلوا حالة الاستقرار، بل بقوا معلّقين بين الحالتين، وهو ما تختصره العبارة الأكثر دلالة في الدراسة: “ما كان في قرار رسمي، بس شفنا الكل رجع.”
أما حقائب السفر التي بقيت “جاهزة“ أو “في السيارة“، فليست تفصيلًا عابرًا، بل مؤشرًا ماديًا كلاسيكيًا في دراسات العنف والتهجير على استمرار الحالة العتبية؛ فالجسد والأشياء يحتفظان بذاكرة الاستعداد للرحيل، حتى حين يبدو المكان مستقرًا ظاهريًا.
رأس المال الاجتماعي
تكشف الدراسة أن قرار العودة تشكّل عبر مراقبة الناس بعضهم بعضًا أكثر من اعتماده على مصدر رسمي، وهي ظاهرة تندرج ضمن ما يُعرف بـ“السلوك المحاكاتي” في ظروف غياب المعلومة الموثوقة أو المؤسسة الوسيطة. وحين تغيب الدولة، أو تفقد مصداقيتها، تُعاد صياغة الثقة عبر الشبكة القرابية والمجتمعية المحلية، بما يذكّر بمفهوم “رأس المال الاجتماعي“ عند بيير بورديو، حيث تحلّ العلاقات الأفقية بين الأفراد محل العلاقة العمودية بالمؤسسات في لحظات ضعف الدولة.
واللافت أن هذا الاقتصاد غير الرسمي للثقة لا يقتصر على قرار العودة، بل يمتد إلى تقييم الأمان نفسه؛ إذ تشير الدراسة إلى أن السكان “لا يتخذون قراراتهم استنادًا إلى المعطيات الميدانية وحدها، بل إلى ما يرونه ويسمعونه ويشعرون به أيضًا“. وهذا يكشف بوضوح الفارق بين الأمن بوصفه مؤشرًا رسميًا قابلًا للقياس، والأمان بوصفه إدراكًا جمعيًا يتشكّل اجتماعيًا، وهو تمييز يغيب غالبًا عن التقارير الإنسانية التقنية التي تكتفي بالمؤشر الأول.
الخوف والهشاشة
من أكثر ما يستحق التوقف عنده في الدراسة التمايز الواضح في لغة التعبير عن الخوف والهشاشة بين الرجال والنساء والشباب وكبار السن. فالرجال يربطون الأمان بإمكان العمل وحركة السوق، بينما تعبّر النساء عنه عبر الحواس والصوت، كما في قول إحدى المشاركات: “الطيران الحربي أكتر شي بيعملي قلق“، وقول أخرى: “نخاف من صوت الصاروخ“. أما الشباب فيربطونه بمستقبل الدراسة والعلاقات الاجتماعية، في حين يربطه كبار السن بالكرامة واستقرار الأسرة.
ولا يُعد هذا التمايز مجرد تفصيل وصفي، بل يعكس ما تناقشه الدراسات النسوية حول علاقة الجسد بالفضاءين العام والخاص؛ فخبرة الحرب لا تُعاش بصورة موحّدة، بل تتوزع تبعًا لموقع كل فئة في تقسيم العمل الاجتماعي والمجال المكاني. ومن الناحية المنهجية، يُحسب للدراسة أنها لم تلجأ إلى تفسير سببي جاهز لهذا التمايز، بل تركت الباب مفتوحًا أمام قراءة هذه الفروق بوصفها بنى اجتماعية متراكمة، لا خصائص نفسية فردية.
توهّن الاقتصاد المحلي
تصف الدراسة “توهّن الاقتصاد المحلي“ بوصفه أحد أكثر عناصر العودة هشاشة. وهنا يمكن ربط هذا المفهوم بنقاش أوسع حول “الهشاشة الاقتصادية” (Précarité) الذي طوّره بيير بورديو، ثم أعادت جوديث بتلر بلورته ضمن مفهوم أشمل هو “القابلية للتأذي” (Vulnerability).
وما تصفه الشهادات الميدانية، من عمال المياومة الذين يقولون: “إذا ما اشتغل ما بيقدر يعيش“، إلى المزارعين الذين يؤكدون أن “راح كل شيء“، يوضح أن ما يظهر بوصفه هشاشة ليس حالة استثنائية طارئة، بل إعادة إنتاج بنيوي لعلاقة غير مستقرة أصلًا بسوق العمل قبل الحرب، تفاقمت بفعلها.
وهذا يفسّر أيضًا لماذا لا يكفي إصلاح المسكن وحده لتحقيق الاستقرار؛ فالهشاشة الاقتصادية تسبق الدمار المادي، وهي متجذرة في بنية الإنتاج المحلي نفسها.
الانقسام الداخلي
من النتائج اللافتة للانتباه أيضًا اتساع مساحة النقد والاختلاف داخل المجتمع الشيعي الجنوبي نفسه إزاء تقييم الحرب وأداء القوى السياسية، بما في ذلك انتقادات وُجّهت إلى “حزب الله“ و“حركة أمل” وإيران، إلى جانب شهادات عن انقسامات داخل الأسرة الواحدة في تقييم الحرب.
وتستحق هذه النتيجة قدرًا من الحذر المنهجي، وهو ما أشارت إليه الدراسة نفسها حين نبّهت إلى أن هذه الآراء لا تمثل “المجتمع الشيعي ككل“. وهذا تنبيه ضروري، لأن الجماعات الطائفية أو الإثنية ليست كتلًا متجانسة، بل تعيد الحروب والنزوح تشكيل خطوط الانقسام داخلها، بقدر ما يعيدان تشكيل علاقتها بالعالم الخارجي.
كما أن غياب “قرار رسمي“ من القوى السياسية المحلية بشأن العودة، برغم توقّع بعض المشاركين صدوره، يفتح سؤالًا مهمًا حول موقع هذه القوى من إدارة الحياة اليومية للأهالي، وهو سؤال تتركه الدراسة معلّقًا، تمامًا كما تركت العودة نفسها معلّقة.
قيود الدراسة
تقرّ الدراسة بنفسها بأبرز قيودها، وفي مقدمتها غياب سكان القرى الأقرب إلى خطوط المواجهة عن العيّنة، لأنهم لم يكونوا قد عادوا بعد وقت عقد جلسات النقاش، إضافة إلى التجانس الاجتماعي والطائفي النسبي للمشاركين.
ويعني ذلك أن الدراسة ترصد تجربة الفئة “الأكثر قدرة على العودة“، بينما تبقى تجربة الفئات الأكثر تضررًا، والتي غالبًا ما تكون الأقل قدرة أصلًا على تحمّل كلفة العودة، خارج نطاق البحث.
ومن الناحية المنهجية، لا يُضعف هذا الأمر الدراسة بقدر ما يحدد نطاق تعميم نتائجها. فما ترصده هو الحد الأدنى من الهشاشة الذي يواجهه حتى العائدون الأقل تضررًا نسبيًا، الأمر الذي يجعل نتائجها أكثر إلحاحًا، لا أقل أهمية.
التعافي بوصفه إعادة إنتاج للحياة
تكمن القيمة التحليلية الأساسية لهذه الدراسة في أنها تنقل معيار قياس “نجاح العودة“ من العدد الإحصائي للعائدين إلى مؤشرات معيشية دقيقة: هل استقر العمل؟ هل يستطيع المريض الوصول إلى المستشفى؟ هل عاد الطالب إلى مدرسته؟ وهل أصبحت النساء والشباب قادرين على الخروج من دون خوف؟
وتعيد هذه المؤشرات تعريف “التعافي“ بوصفه إعادة إنتاج يومية ومتكررة للحياة الاجتماعية، لا لحظة واحدة يمكن الإعلان عنها رسميًا.
في الخلاصة، تكشف دراسة “العودة المعلّقة” أن العودة ليست حدثًا يمكن قياسه بعدد العائدين، ولا قرارًا إداريًا يُعلن انتهاء النزوح، بل عملية اجتماعية معقدة يُعاد خلالها بناء الحياة اليومية، واستعادة الثقة، وإنتاج الإحساس بالأمان، وإعادة نسج العلاقة بالمكان وبالآخرين. فالناس لا يعودون إلى بيوتهم فحسب، بل يحاولون العودة إلى الزمن الذي كانت فيه هذه البيوت قابلة للحياة.
ومن هذه الزاوية، تتجاوز أهمية الدراسة الحالة اللبنانية نفسها، لتلامس سؤالًا أوسع يرافق معظم المجتمعات الخارجة من الحروب: متى تنتهي الحرب فعلًا؟ هل تنتهي عندما يتوقف إطلاق النار، أم عندما يصبح المستقبل أكثر حضورًا من ذاكرة الرحيل؟
ولعل القيمة الأعمق لهذه الدراسة أنها تنقل النقاش من إعادة إعمار الحجر إلى إعادة إعمار الحياة؛ فالمنازل يمكن ترميمها في أشهر، أما استعادة الثقة بالمكان، والإحساس بالاستقرار، والقدرة على التخطيط للغد، فهي عمليات أبطأ بكثير، ولا تقل كلفة عن إعادة بناء المدن نفسها. ومن هنا، تبدو “العودة المعلّقة” أقل وصفًا لمرحلة انتقالية، وأكثر تعبيرًا عن سؤال مفتوح حول معنى التعافي بعد الحرب، حين يعود الناس إلى قراهم، فيما يظل جزء منهم، نفسيًا واجتماعيًا، يعيش تجربة النزوح نفسها.
(*) لقراءة الدراسة كاملة: https://tinyurl.com/472ksrue
