جنوبٌ بلا قرى.. واتفاقٌ بلا محاسبة

​حين يسقط البيت في بلدة حدودية جنوبية، لا ينتهي الأمر عند خسارة السقف والعمود. البيت هناك عقدة وجودية حية، وثيقة تمنح الأرض اسمها، وتمنح العائلة نسَبها العقاري والمكاني. لذلك، عندما تُنسف قرية بأكملها، فإن ما يجري هو إعادة رسم للجغرافيا البشرية، ومحوٌ عمدي للذاكرة المجتمعية بالقوة العسكرية. وبين ما تكشفه الصور الملتقطة من الفضاء وما يُحاك في الغرف الدبلوماسية المغلقة، يقف جنوب لبنان أمام واقع مأساوي مزدوج: هندسة تدميرية تُجرّد الأرض من معالمها العمرانية، وهندسة قانونية تهدف إلى تجريد الضحايا من حقهم في مقاضاة الجاني.

​1. الفضاء يوثق الجريمة: أرقام تروي حكاية المحو الكامل

​تسربت عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية نقلاً عن تحليل صور الأقمار الاصطناعية أرقام مفزعة تصِف حجم الدمار في القرى الحدودية. وتكشف القراءة المتأنية لهذه الصور عن نمط جغرافي لا يترك مجالًا للصدفة: كلما اقتربت القرية من خط الحدود، ارتفعت نسبة مسحها من الخريطة.

-​المحو التام (من 99% إلى 100%): اختفت قرى محيبب ومروحين بالكامل وبنسبة دمار مطلقة، فيما لحقت بهما بلدتَا بليدا ومارون الراس بنسبة تدمير بلغت 99%.

-​التجريف الشامل (من 83% إلى 90%): تحولت الخيام والعديسة إلى مناطق منكوبة بنسبة دمار وصلت إلى 90%، وتلاهم خط المرافقة الحدودي في كفركلا والناقورة بنسبة 87%، وبلدة حولا بنسبة 83%.

-​تفكيك الكتلة العمرانية (من 52% إلى 76%): سجلت يارون نسبة دمار بلغت 76%، بينما طال الدمار أكثر من نصف نسيج القرى المركزية مثل دير سريان، الطيبة، وميس الجبل (65%)، وعيتا الشعب (61%)، والطيري (57%)، وصولاً إلى بنت جبيل (54%) والقنطرة (52%).

إن صدور هذه المعطيات التقنية عن أجهزة استشعار فضائية ومصادر إعلامية إسرائيلية يمنحها حمولة إثباتية خاصة، إذ يقطع الطريق على أي محاولة لإنكار وقوع الكارثة. لكن التوثيق القضائي الاحترافي يقتضي الانطلاق من هذه الصور لتأسيس ملفات جنائية مستقلة؛ فالصورة الفضائية تثبت سقوط المبنى، لكنها تحتاج إلى شهادات النازحين، وتوثيق مقاطع التفجير الهندسي بعد السيطرة الميدانية، لتتحول من مجرد «صورة للخراب» إلى «دليل على سياسة التدمير المنهجي».

​2. من قتل الهدف إلى قتل المكان

​في العلوم العسكرية والقانونية، ثمة فارق جوهري بين استهداف نقطة عسكرية محددة، وبين إزالة البيئة العمرانية بأكملها بحجة وجود تهديد. ما تشهده المنطقة اللبنانية الحدودية في جنوب لبنان اليوم هو تطبيق لمفهوم «قتل المسكن» (Domicide)— أي التدمير المكثف والعمدي للبيئة السكنية لجعل العودة إليها مستحيلة.

​إن الهدف هنا ليس مجرد مواجهة ميدانية، بل إعادة تشكيل «بيئة العمليات». فتفجير المنازل، وتجريف المزارع، وتدمير شبكات المياه والمراكز البلدية، يهدف عمليًا إلى خلق «حزام تجريد أمني» بواسطة الفراغ البشري والعمراني. تتحول القرية في المنطق العسكري المهاجم من مجتمع مدني له حرمته إلى «بنية تهديد» يجب مسحها، وهو سلوك يخرق مبدأ التمييز والتناسب، ويدخل مباشرة في خانة العقاب الجماعي والنقل القسري للسكان.

​3. الفخ المدفون في البند13

​بينما كانت الجرافات والتفجيرات تُغير معالم الجنوب، كانت الدبلوماسية تصوغ اتفاقًا يُكبّل يد الضحية. ففي 26 حزيران 2026، تم التوقيع في واشنطن على «اتفاق الإطار الثلاثي» بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة. ورغم أن الاتفاق يُفترض به تنظيم الانسحاب والترتيبات الأمنية، إلا أن خطورته الحقيقية تكمن في البند الثالث عشر.

​ينص هذا البند صراحة على التزام الأطراف بالامتناع عن ممارسة أو دعم أي أعمال «عدائية أو ضارة» في المحافل السياسية أو القانونية الدولية.

​وهنا تكمن المأساة السياسية والقانونية:

​هل أصبح اللجوء إلى القضاء الدولي عملًا عدائيًا؟ وهل تُقاس حسن النية بملفات الجرائم التي ندفنها تحت الأنقاض؟

​إن صياغة هذا البند تحاول إحداث مساومة خطيرة: يُطلب من لبنان التنازل عن المفاتيح القانونية التي تتيح له فتح أبواب المحكمة الجنائية الدولية أو محكمة العدل الدولية، مقابل ترتيبات أمنية وتسوية سياسية. هذا النص لا يمنح إسرائيل حصانة أخلاقية، لكنه يسعى إلى فرض حصانة إجرائية تمنع الدولة اللبنانية من المطالبة بالتعويضات أو ملاحقة المسؤولين عن هدم الجنوب.

​4. لماذا يُعد الاتفاق باطلًا حقوقيًا؟

​تتغافل الهندسة السياسية لاتفاق الإطار عن قاعدة أصولية في القانون الدولي والدستوري: السلطة التنفيذية لا تملك الحق في المصادرة على حقوق الضحايا الشخصية.

​مخالفة الاتفاقيات الدولية: تنص المادة 148 من اتفاقية جنيف الرابعة بوضوح على أنه لا يحق لأي دولة أن تُعفي نفسها أو غيرها من المسؤولية الناشئة عن المخالفات الجسيمة (وجرائم الحرب).

​حقوق الضحايا غير القابلة للتصرف: إن الحق في معرفة الحقيقة، والتعويض، ومحاكمة الجناة هي حقوق أصلية للضحايا والمهجرين، وليست ملكية للحكومات تتنازل عنها في جلسات التفاوض.

​العيب الدستوري الداخلي: إن وثيقة تمس سيادة الدولة ومصير أراضيها وحقوق مواطنيها تتطلب، بحسب المادتين 52 و65 من الدستور اللبناني، مسارات تصديق معقدة وموافقة برلمانية وحكومية مشددة، ولا تصبح نافذة أو مجردة من القوة الحقوقية لمجرد توقيع دبلوماسي.

​5. كيف نمنع محو القرى من ذاكرة القانون؟

​تظهر التجارب التاريخية في لبنان (منذ اجتياح 1978، و1982، وعناقيد الغضب 1996، وحرب تموز 2006) معادلة مكررة ومغلوطة: تنتهي الحرب بتسوية أمنية، وتتولى الدول المانحة إعادة الإعمار، بينما يغيب المسار القضائي كليًا. تحول الإعمار إلى بديل عملي عن العدالة، مما جعل كلفة التدمير لدى الجانب الإسرائيلي منخفضة، وشجّع على تكرار السلوك نفسه في الحرب الحالية.

إقرأ على موقع 180  الجهل المُصنَّع: حين يُختزل الغرب في هوية واحدة

​لكي لا تتكرر المأساة، فإن المطلوب من الدولة اللبنانية والمجتمع الحقوقي ليس الاكتفاء بالبيانات الأخلاقية، بل الشروع في خطوات عملية:

​-تأسيس هيئة توثيق وطنية مستقلة: تجمع بين تقنيات الاستشعار عن بُعد والأدلة الجنائية الميدانية وفق معايير قبول الأدلة أمام المحاكم الدولية.

-​إصدار إعلان تفسيري رسمي للبند الثالث عشر: يُعلن صراحة أن الإجراءات القضائية لحماية حقوق الضحايا لا تُعد أعمالاً «عدائية»، وأن الدولة لا تتنازل عن حقوق مواطنيها بالتعويض والعدالة.

-​تفعيل مسارات الاختصاص العالمي: دعم منظمات المجتمع المدني والضحايا الذين يحملون جنسيات مزدوجة لرفع دعاوى أمام محاكم أجنبية تسمح قوانينها بملاحقة مرتادي جرائم الحرب.

​-ربط الإعمار بالمسؤولية: الرفض القاطع لإعفاء المتسبب بالدمار من كلفة الفعل، وإدراج بند جبر الضرر والتعويض كشرط أساسي لأي استقرار مستدام.

​خاتمة

​تقف العدالة الدولية اليوم أمام جنوب لبنان كمرآة معلقة فوق الأنقاض: تعكس الجريمة بدقة الأقمار الاصطناعية، لكنها لا تمد يدًا لوقفها أو معاقبة فاعلها.

​إن القرى التي مُحيت أجزاء واسعة منها من الخريطة والجغرافيا لا يجوز، تحت أي ظرف سياسي أو دبلوماسي، أن تُمحى من الذاكرة القانونية. والاتفاقات السياسية التي تُكتب على حساب حقوق الضحايا تظل مجرد تسويات مؤقتة على ورق؛ فالاستقرار الحقيقي لا يبدأ من إغلاق أروقة المحاكم، بل من وضع حد لسياسة الإفلات من العقاب.

 

Print Friendly, PDF & Email
هشام الأعور

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  حروب الكابلات.. و"البيانات"!