الغرب وإسرائيل.. هل تغيّر الوعي أم تغيّر المزاج؟

ثمة ظاهرة لافتة للانتباه تحظى باهتمام متزايد في وسائل التواصل الاجتماعي العربية والإسلامية، تتمثل في الاحتفاء بصعود شخصيات سياسية أميركية من أصول عربية أو مسلمة، من زهران ممداني في نيويورك إلى عبد الرحمن السيد (عبدول) في ميشيغان. ولا تكمن أهمية هذه الظاهرة في أصول هؤلاء المرشحين وهوياتهم فحسب، بل في ما قد تعكسه من تحولات أوسع داخل المجتمع الأميركي، ولا سيما لدى الأجيال الجديدة، وفي قدرتها على تقديم تمثلات مختلفة للتعددية والهوية والمشاركة. غير أن السؤال الأهم هو: هل نحن أمام تحول حقيقي في الوعي الغربي، أم أمام تغير في المزاج الشعبي لم يصل بعد إلى المؤسسات التي تصنع السياسات؟

لا شك في أن النظرة إلى إسرائيل شهدت تحولات مهمة خلال السنوات الأخيرة، وخصوصاً بعد هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما أعقبه من حرب مدمرة في قطاع غزة، ثم اتساع المواجهة إلى لبنان وإيران. فقد أصبحت صور القتل والدمار والنزوح جزءاً من المجال البصري والسياسي اليومي لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي، وأعادت، وخصوصاً لدى الأجيال الشابة، طرح أسئلة كانت لعقود أكثر حساسية داخل المجال العام الغربي: حدود الدعم لإسرائيل، والعلاقة بين أمنها وحقوق الفلسطينيين، ومدى اتساق السياسات الغربية معها مع القيم التي تعلنها الديمقراطيات الغربية نفسها.

ولا يعني ذلك أن ذكرى الهولوكوست فقدت أهميتها لدى الأجيال الجديدة، ولا أن تراجع التأييد لبعض السياسات الإسرائيلية يعني إعادة النظر في المأساة التاريخية لليهود الأوروبيين. ما يتغير، على الأرجح، هو قدرة هذه الذاكرة التاريخية على أن تكون الإطار الوحيد الذي تُقرأ من خلاله إسرائيل وصراعاتها. فقد دخلت الذاكرة الفلسطينية بقوة أكبر إلى المجال العام الغربي، وأصبحت صور الضحايا الفلسطينيين، ومعهم ضحايا الحروب في لبنان وإيران، تنافس سردية كانت إسرائيل قادرة، لعقود طويلة، على تقديم نفسها من خلالها باعتبارها الطرف المهدد دائماً بخطر وجودي.

وهنا ينبغي التمييز بين الذاكرة اليهودية للهولوكوست، وهي حقيقة تاريخية لا ينبغي إخضاعها للمنافسة بين الضحايا، وبين الاستخدام السياسي لهذه الذاكرة لتبرير سياسات دولة إسرائيل. فالاعتراف بالمأساة الفلسطينية لا يتطلب إنكار المأساة اليهودية، كما أن إدانة سياسات الحكومة الإسرائيلية لا تعني العداء لليهود. وربما يكون أحد التحولات الأكثر أهمية في الغرب اليوم هو بداية الفصل، لدى قطاعات من الأجيال الجديدة، بين هذه المستويات التي ظلت متداخلة زمناً طويلاً.

لكن هل يكفي ذلك للحديث عن تحول تاريخي؟

من وجهة نظري، ومن منظور نقد الخطاب الاستشراقي، لا يزال الجواب يحتاج إلى كثير من الحذر. فما نشهده حتى الآن يبدو أكثر وضوحاً في الجامعات والشوارع ووسائل التواصل الاجتماعي وبعض الاستحقاقات الانتخابية منه في المؤسسات السياسية والأمنية التي تصنع السياسة الخارجية. وهنا تظهر فجوة مهمة بين تحوّل جزء من الرأي العام وبين تحوّل الدولة نفسها.

فإذا كان جيل جديد من الأميركيين والأوروبيين أكثر استعداداً لانتقاد إسرائيل، فإن ذلك لا يعني تلقائياً أن البنى السياسية التي حكمت العلاقة الغربية بإسرائيل طوال عقود قد تغيرت بالسرعة نفسها. كما أن وصول شخصيات عربية أو مسلمة إلى مواقع منتخبة يشكل مؤشراً مهماً إلى قدرة المجتمعات الغربية على استيعاب تحولات ديموغرافية وسياسية جديدة، لكنه لا يكفي، بمفرده، لإثبات انقلاب في منظومة المصالح والسياسات الخارجية.

وتزداد المفارقة تعقيداً عندما ننظر إلى العالم العربي نفسه. ففي الوقت الذي تتسع فيه داخل بعض المجتمعات الغربية مساحة الاعتراض على سياسات إسرائيل، توجد في لبنان والعالم العربي تيارات ترى أن التسوية أو السلام معها قد يكونان خياراً سياسياً ممكناً أو ضرورياً. ولا ينبغي تفسير هذا التناقض باعتباره دليلاً على «وعي» غربي في مقابل «غياب وعي» عربي، بل بوصفه نتيجة اختلاف التجارب التاريخية والحسابات السياسية وموازين القوى والمصالح. فالمجتمع الذي يشاهد الحرب من الخارج لا يعيش بالضرورة الحسابات نفسها التي يعيشها مجتمع يقع في قلب الصراع.

لكن المسألة تتجاوز إسرائيل إلى الطريقة التي تشكّلت بها صورة الشرق داخل المخيال السياسي الغربي. فقد قامت أجزاء مهمة من الخطاب الاستشراقي تاريخياً على ثنائية «المتحضر» و«المتخلف»، وعلى تصور الغرب باعتباره فضاءً للعقلانية والديمقراطية والحريات، في مقابل شرق يحتاج باستمرار إلى الوصاية أو إعادة التنظيم.

ولا يصح القول إن الثقافة الغربية كلها تقوم اليوم على هذه الثنائية، إلا أن آثارها ما زالت قابلة للرصد في بعض الخطابات والسياسات. ويظهر ذلك عندما تُقدَّم التدخلات الخارجية بوصفها حماية للأقليات أو دفاعاً عن الديموقراطية وحقوق الإنسان، فيما تصبح المجتمعات المحلية موضوعاً للحماية والإدارة أكثر مما تكون فاعلاً سياسياً يمتلك حق تقرير مصيره.

ومن هنا يمكن فهم إحدى الإشكاليات التي رافقت الخطاب الغربي تجاه المنطقة: كيف يمكن لدول تعلن مركزية القانون الدولي وحقوق الإنسان أن تتسامح، في حالات معينة، مع انتهاكات ترتكبها دولة حليفة؟ وكيف يمكن للقيم نفسها أن تُطبَّق بمعايير مختلفة تبعاً لهوية الفاعل وموقعه في شبكة التحالفات الدولية؟

هذه الأسئلة هي التي تجعل التحول في الرأي العام مهماً، لكنها تجعل المبالغة في تقدير نتائجه خطرة أيضاً.

فالتحول الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد المتظاهرين في الجامعات، ولا بعدد السياسيين من أصول عربية أو إسلامية الذين يفوزون في الانتخابات، ولا بحجم التفاعل مع صور غزة وجنوب لبنان على وسائل التواصل الاجتماعي. إنه يبدأ عندما ينتقل التغير من المجال الأخلاقي والشعبي إلى المجال المؤسساتي: إلى الأحزاب والبرلمانات ووزارات الخارجية ومراكز الدراسات ووسائل الإعلام الكبرى، وإلى الطريقة التي تُكتب بها المناهج والتواريخ وتُصاغ بها مفاهيم الأمن والشرعية والضحية.

إقرأ على موقع 180  الحرب العرقية.. وجيوسياسية الطوائف

وهنا تبرز أهمية الرواية والذاكرة والكتابة التاريخية. فإذا كانت السردية الإسرائيلية قد امتلكت طوال عقود قدرة واسعة على الحضور داخل الثقافة والسياسة الغربيتين، فإن مواجهتها لا تكون بإنكار الذاكرة اليهودية، وإنما ببناء سردية فلسطينية وعربية موثقة وقادرة على مخاطبة المجتمعات الأخرى بلغاتها ومفاهيمها، وعلى إدخال النكبة والاحتلال والاستيطان والحروب والتهجير في الذاكرة العالمية، لا باعتبارها مادة دعائية مضادة، بل باعتبارها جزءاً من التاريخ الذي لا تكتمل الصورة من دونه.

لذلك يمكن القول إن تحولاً قد بدأ بالفعل، لكن من المبكر اعتباره انقلاباً كاملاً في الوعي الغربي. ثمة تصدعات في السردية القديمة، وتغيرات جيلية واضحة، واتساع لمساحة النقد، لكن المسافة لا تزال كبيرة بين تحول الوعي الشعبي وتحول بنية القوة التي تنتج السياسة.

Print Friendly, PDF & Email
أورنيلا سكر

باحثة لبنانية متخصصة في الدراسات الإستشراقية

Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  السرديتان "الإبراهيمية" و"الممانعة": خاسر/خاسر