“فورين أفيرز”: الشرع أخفق اقتصادياً.. وسوريا محفوفة بالمخاطر

تواجه المرحلة الانتقالية في سوريا مخاطر متزايدة جراء السياسات الاقتصادية التي تنتهجها حكومة أحمد الشرع، وجوهرها تحرير الاقتصاد وتقليص الدعم في بلد خرج لتوه من حرب مدمرة وانهيار اقتصادي عميق. فهذه السياسات تزيد من صعوبة حياة السوريين، الذين يعانون من ارتفاع تكاليف المعيشة ويعيش معظمهم تحت خط الفقر. وإذا لم تسارع الحكومة إلى تحسين أوضاعهم ستخسر ثقتهم مما يزيد من هشاشة الاستقرار الاجتماعي والسياسي ويدفع بالبلاد نحو الانهيار الأمني، بحسب سام هيلر في "فورين أفيرز".

يواجه السوريون، بمختلف طبقاتهم وخلفياتهم، أزمة معيشية متفاقمة في ظلّ ارتفاع حادّ في تكاليف الغذاء والسكن والمرافق الأساسية، بينما تحاول البلاد تجاوز إرث نصف قرن من الحكم السلطوي و14 عاماً من الحرب الأهلية، والانتقال إلى نظام سياسي أكثر حرية، والتعافي من انهيار اقتصادي أسهم في الإطاحة بنظام بشار الأسد عام 2024.

وبينما تمضي سوريا في مرحلة انتقالية بقيادة أحمد الشرع، لم يتحقق الانتعاش الاقتصادي الموعود، بل ازدادت الأوضاع المعيشية سوءاً؛ إذ ارتفعت تكاليف المعيشة بشكل كبير. ورغم أن الحكومة الجديدة حقَّقت بعض المكاسب الرمزية، أبرزها إنهاء العزلة الدولية، فإنها لم تقدم تحسناً مادياً ملموساً للسوريين، بل فاقمت بعض سياساتها، ولا سيما إجراءات التقشف، أعباء المعيشة.

وبرغم أن البلاد تواجه تحديات خطيرة عدّة، بما فيها العنف الطائفي واحتمال تفكّكها، يبقى الاقتصاد التحدي الأكثر إلحاحاً؛ إذ إن عجز الحكومة الجديدة عن تلبية الاحتياجات الأساسية للسوريين من شأنه أن يفاقم هذه التحديات، ويفتح الباب أمام اضطرابات تهدّد مسار المرحلة الانتقالية في واحدة من أكثر دول العالم هشاشةً سياسياً.

تكاليف باهظة

في كانون الأول/ديسمبر 2024، أطاح مقاتلو المعارضة السورية، بقيادة «هيئة تحرير الشام»، بنظام بشار الأسد، وتولّى زعيم الهيئة أحمد الشرع الرئاسة، ليشرف منذ ذلك الحين على بناء مؤسسات جديدة وإدارة مرحلة ما بعد الحرب. وقد حقَّقت حكومته بعض المكاسب، أبرزها كسر عقود من العزلة السياسية عبر استعادة دعم قوى إقليمية ودولية، بينها الولايات المتحدة، ورفع معظم العقوبات الاقتصادية الدولية، فضلاً عن الحفاظ، حتى الآن، على وحدة البلاد (…). كما نجح الشرع، إلى حدّ بعيد، في تجنيب سوريا تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. غير أن أداء الحكومة كان أضعف بكثير في إدارة الاقتصاد، وهو تحدّ هائل في بلد دمرته حرب أهلية استمرت 14 عاماً، أدت إلى نزوح أكثر من نصف السكان وانكماش الاقتصاد بأكثر من 50%، وتسببت بأضرار مادية تجاوزت 108 مليارات دولار، تركز معظمها في حلب ودمشق وحمص. وفي ظل هذا الإرث، يعيش نحو ثلثي السوريين، وفق تقديرات البنك الدولي، تحت خط فقر يبلغ 3.65 دولار للفرد يومياً، فيما يقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن 90% من السكان يعيشون في الفقر، و66% في فقر مدقع (…).

مع السنوات الأخيرة من حكم الأسد، وصلت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية إلى مستويات شديدة من البؤس. وفي الواقع، لقد أسهم الانهيار الاقتصادي في تفكّك النظام وسقوطه، إذ هجر جنود سوريون، كانوا يعانون من شبه مجاعة، خطوط المواجهة أمام تقدم قوات المعارضة (…). وفي ظلّ هذا الإرث، تواجه حكومة الشرع تحدياً هائلاً في إعادة تحريك الاقتصاد، خصوصاً أنها تفتقر إلى الموارد والخبرة اللازمة لذلك، فيما يعجز السوريون، الذين أفقرتهم الحرب وسوء الإدارة، عن تأمين احتياجاتهم الأساسية؛ إذ يقدّر برنامج الأغذية العالمي تكلفة الاحتياجات الشهرية لأسرة من خمسة أفراد، بما فيها الغذاء والمرافق، بنحو 197 دولاراً وفق سعر الصرف غير الرسمي، مقابل خط فقر مدقع يقدّره المركز السوري لبحوث السياسات بنحو 255 دولاراً شهرياً، في حين لا يتجاوز الحد الأدنى الرسمي للأجور ما يعادل 95 دولاراً. ونتيجة لهذا الفارق الكبير بين تكاليف المعيشة والدخل، يعتمد كثير من السوريين على تحويلات أقاربهم في الخارج، فيما تواصل الأسعار ارتفاعها؛ فقد زادت تكلفة السلع الأساسية بنحو 34% بين تموز/يوليو 2025 وتموز/يوليو 2026، بالتزامن مع تآكل القدرة الشرائية بفعل ضعف العملة، التي تحسنت مؤقتاً بعد كانون الأول/ديسمبر 2024 قبل أن تعود إلى الاقتراب من مستوياتها المتدنية خلال عهد الأسد.

ولا تقتصر الأزمة على الدخل والأسعار، بل تمتد إلى الغذاء والسكن. فمع أن الأمن الغذائي شهد تحسناً محدوداً، لا يزال أكثر من 80% من السوريين يفتقرون إلى غذاء كافٍ، فيما دفعت الزيادة الحادة في الإيجارات كثيراً من الأسر إلى العودة إلى منازلها وأحيائها المدمرة، ولم تعد أعباء السكن والتعليم تقتصر على الفئات الأشد فقراً، بل طالت أيضاً الطبقتين الوسطى والعُليا (…).

خطوات غير مدروسة

ورغم أن جانباً كبيراً من المصاعب الاقتصادية يعود إلى دمار الحرب وسوء الإدارة خلال عهد الأسد، فإن بعضها تفاقم نتيجة سياسات حكومة الشرع نفسها، التي شرعت مبكراً في تطبيق برنامج «العلاج بالصدمة»، الذي يقوم على «التحرير الاقتصادي (Economic liberalization)»، وذلك، على ما يبدو، من دون مراعاة كافية لحالة الهشاشة الشديدة واتساع رقعة الفقر التي تعاني منها سوريا. فبعد أشهر قليلة من توليها السلطة، رفعت سعر الخبز المدعوم من الدولة، وهو الغذاء الأساسي للسوريين، بنسبة تقارب 1400%. كما رفعت أسعار الوقود والكهرباء، وربطت أسعار الطاقة بالمعدلات العالمية، ما حمّل الأسر والشركات أعباء متزايدة وأثار احتجاجات واسعة كانت الأكبر منذ سقوط الأسد. ورغم محاولتها تخفيف أثر التضخم برفع رواتب موظفي القطاع العام، تآكلت الزيادة بفعل استمرار ارتفاع الأسعار، كما أدت عمليات إعادة هيكلة الجهاز الحكومي إلى تسريح أعداد كبيرة من موظفي عهد الأسد وتوظيف موالين للحكومة الجديدة. وفي الوقت نفسه، أدى فتح السوق أمام معظم الواردات والتخلي عن قيود كانت تحمي الاحتياطيات الأجنبية والمنتجين المحليين إلى زيادة الضغوط على الشركات السورية، التي باتت تواجه منافسة السلع المستوردة الأرخص.

أداء يفتقر إلى الاحترافية

تواجه حكومة الشرع تحديات هائلة في تمويل التعافي الاقتصادي، خصوصاً أنها ورثت دولة مفلسة تقريباً؛ وتسعى إلى زيادة الإيرادات عبر الضرائب والرسوم الجمركية والاستهلاكية، وإلى تحويل سوريا إلى مركز تجاري إقليمي من خلال تطوير البنية التحتية، فيما توفر استعادة السيطرة على شمال شرق البلاد، الغني نسبياً بالموارد الطبيعية والأراضي الزراعية، بعض الإمكانات الاقتصادية، وإن كانت إعادة تشغيل النفط والغاز تتطلب استثمارات ضخمة. لكن الدعم الخارجي جاء دون التوقعات، ولم تتوافر التزامات كافية لتمويل التعافي: فقد اقتصرت مساعدة الولايات المتحدة على المساهمة في إعادة ربط البلاد بالنظام المالي الدولي وتشجيع الاستثمار، فيما لم تقدم دول الخليج، ومنها السعودية وقطر، سوى مساعدات محدودة. كما اختارت حكومة الشرع عدم الاقتراض الدولي، ما حرمها على الأرجح من سيولة إضافية، في وقت تراجعت فيه المساعدات الإنسانية، واضطر برنامج الأغذية العالمي إلى تقليص مساعداته الغذائية وإنهاء برنامج الخبز المدعوم.

أكثر من 80% من السوريين يفتقرون إلى سبل موثوقة للحصول على ما يكفي من الغذاء

تصوّر الشرع مساراً للتعافي يعتمد على الاستثمار الخاص لا على المساعدات، لكنه يبدو أنه كان يتوقع تدفقاً أكبر وأسرع للاستثمارات. فالعديد من مذكرات التفاهم التي أعلنت عنها حكومته في البداية مع مستثمرين محتملين لم تتحول إلى التزامات فعلية، في ظلّ عقبات كبيرة أمام الاستثمار الأجنبي، أبرزها عدم استقرار الوضع الأمني، وافتقار سوريا إلى أطر قانونية وتنظيمية راسخة ونظام مالي يعمل بكفاءة. أما الاستثمارات التي أُعلن عنها، فتتركز أساساً في مشاريع عقارية ضخمة تبدو منفصلة عن الاحتياجات التنموية للبلاد (…).

إقرأ على موقع 180  "فورين أفيرز": حقبة الهيمنة الأميركية على الخليج تقترب من نهايتها

وتفتقر حكومة الشرع أيضاً إلى الخبرات الاقتصادية؛ إذ يعتمد الرئيس على عدد محدود من كوادر «هيئة تحرير الشام» المخضرمين كمستشارين رئيسيين وصُنّاع قرار. وهؤلاء تقتصر خبرتهم في الحكم على إدارة جيب صغير في شمال غرب سوريا، كان تحت سيطرة المعارضة بين عامي 2017 و2024. كما سحب الشرع صلاحيات من مؤسسات الدولة التقليدية، مثل وزارتي الاقتصاد والنقل، وحصرها في عدد قليل من الهيئات المستحدثة وغير الشفافة المرتبطة بالرئاسة، من بينها ما يُسمى «الصندوق السيادي»، المكلف بإدارة محفظة واسعة من أصول الدولة وممتلكات صودرت من شخصيات تجارية كانت على صلة بالأسد.

ويظهر نقص الخبرة والدراية كذلك في طبيعة القرارات الاقتصادية الكُبرى، مثل قرار رفع أسعار الوقود مؤخراً، الذي اتسم بالمفاجأة وبدا أنه اتُخذ من دون دراسة كافية أو استشارة أطراف خارجية. ورغم صعوبة الحصول على بيانات اقتصادية موثوقة في سوريا منذ سنوات، عرضت حكومة الشرع أحياناً أرقاماً موضع شك. ففي آذار/مارس، أعلن الشرع أن الاقتصاد السوري نما بين 30 و35% خلال العام السابق، بينما قدّر «المركز السوري لبحوث السياسات» النمو الحقيقي في 2025 بنحو 0.3% فقط (…).

نفاد الصبر

وبرغم أن سياسات حكومة الشرع لم تُغلق الباب أمام تعافٍ اقتصادي محتمل، فإنها، على الأرجح، أخرته وزادت من صعوبة الحياة على السوريين العاديين. وإذا لم تُلبَّ احتياجاتهم الأساسية قريباً، فقد تتراجع ثقتهم بالحكومة؛ إذ أظهر استطلاع أجرته مجلة «سوريا في المرحلة الانتقالية» مؤخراً أن 52% من السوريين كانوا غير راضين عن أداء الحكومة، فيما أفادت غالبية المشاركين بصعوبة تغطية نفقاتهم المعيشية مرة واحدة على الأقل شهرياً. ورأى 66% منهم أن الحكومة لا تبذل جهوداً كافية للحدّ من ارتفاع الأسعار. كما ارتفعت نسبة من ينظرون بتشاؤم إلى مسار البلاد من 30% إلى 46%. وبعد أن أبدى السوريون، في أعقاب سقوط الأسد، قدراً من التسامح مع أوجه القصور لدى الحكومة الجديدة، يبدو أنهم أصبحوا، بعد نحو عامين، أكثر استعداداً للتعبير عن استيائهم، وإن كان من غير المرجح أن يتحول ذلك إلى صراع مسلح في ظل إرهاق السوريين من الحرب؛ بل يتجلى بصورة متزايدة في احتجاجات وإضرابات محدودة للمطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمات العامة (…).

ولا تقتصر تداعيات المصاعب الاقتصادية على تراجع الرضا عن أداء الحكومة، بل تمتد إلى تعميق الاحتقان الاجتماعي وزيادة قابلية القضايا السياسية والطائفية للتوتر. ففي الشمال الشرقي ذي الغالبية الكردية، تسعى حكومة الشرع إلى إعادة دمج المنطقة، بما في ذلك دمج الميليشيات الكردية في الجيش الوطني، بالتزامن مع تقليص الدعم الذي كانت المنطقة تتمتع به في ظلّ نظام اقتصادي شبه مستقل، ما أدى إلى ارتفاع حادّ في أسعار الوقود والسلع الأساسية. وعلى الساحل المتوسطي، تحاول السلطات بناء علاقة عملية مع الطائفة العلوية وسط ضغوط اقتصادية خانقة؛ إذ يواجه العلويون، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة، تداعيات التسريح الواسع من القطاع العام وحل أجهزة الجيش والأمن التي كانت تابعة للأسد، فضلاً عن مخاوف أمنية تدفع كثيرين إلى التردد في مغادرة قراهم. وفي هذه الظروف، يشكل ارتفاع الأسعار واستمرار البطالة عاملاً إضافياً يمكن أن يزيد هشاشة الاستقرار الاجتماعي، سواء على الساحل أو في مناطق أخرى من البلاد (…).

إن بقاء سوريا في دائرة الفقر والعنف لا يخدم أحداً؛ فبعد سنوات من الحرب والمعاناة، تحتاج البلاد إلى فرصة حقيقية للتعافي. وبينما تسعى حكومة الشرع إلى إنعاش الاقتصاد، يتعين عليها أن توازن بين الإصلاح الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، وأن تجعل القدرة على تحمل تكاليف المعيشة أولوية، حتى لا يتحمل السوريون الأكثر ضعفاً كلفة إصلاحات التحرير الاقتصادي. ويشمل ذلك استحداث برامج دعم للخبز والكهرباء والنقل والزراعة والإنتاج الصناعي بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية. وفي المقابل، يحتاج الشركاء الدوليون إلى توفير الموارد اللازمة لتحقيق تحسن ملموس في حياة المواطنين، إلى جانب شبكة أمان اجتماعي تواكب الإصلاحات الهيكلية؛ فتعافي سوريا لن يتحقق بالاستثمار في الطاقة والعقارات وحدهما.

كما ينبغي للحكومة توسيع قنوات التواصل مع الجمهور لبناء الثقة واحتواء الاستياء، في مرحلة انتقالية شاقّة بطبيعتها. ويعني ذلك مزيداً من الصراحة والشفافية في شرح مبررات القرارات الاقتصادية، والتشاور مع قطاع الأعمال السوري، وتمكين البرلمان المُشكَّل حديثاً من الاضطلاع بدور رقابي فعّال (…).

لقد شعر السوريون بالارتياح لرؤية الأسد يرحل أخيراً، لكن صبرهم تجاه حكومة الشرع ليس بلا حدود؛ فالقادة الجُدد أمام اختبار حاسم يتمثل في تحسين الأوضاع المعيشية للسوريين العاديين سريعاً، وإلا فإنهم يخاطرون بفقدان ثقة الشعب.

– ترجمة بتصرف عن “فورين أفيرز“.

* سام هيلر، باحث متخصص بالشأن السوري وزميل أول في “مركز السياسة الدولية/ Center for International Policy”.

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  تركيا: مشروع الغاب.. للتحكم بمياه سوريا والعراق (4)