استراتيجية المنطقة الرمادية Gray-Zone Strategy

في الجزء الأول من هذا المقال، انتهينا إلى أن أخطر ما تفعله استراتيجية المنطقة الرمادية ليس إخفاء الحرب فحسب، بل تفكيك اللحظة التي يستطيع فيها الطرف المستهدف أن يقول بثقة: لقد تجاوز الخصم العتبة، والآن يجب أن أرد. فحين تتوزع الأفعال، وتبقى كل خطوة منها دون مستوى الاستجابة الكبرى، يمكن للمجموع أن يغير الواقع فيما تظل الأجزاء، كلٌّ على حدة، أصغر من أن تستدعي قرارًا استراتيجيًا حاسمًا.

لكن هذه الصورة ما تزال تفترض أن التراكم يحتاج إلى زمن طويل، وأن المنطقة الرمادية تعمل ببطء: خطوة صغيرة تتبعها أخرى، ثم يتحول الاعتياد بعد سنوات إلى أمر واقع. وهذا الافتراض نفسه بدأ يفقد صلابته. فالذكاء الاصطناعي، والشبكات الرقمية، والعمليات السيبرانية، والمسيّرات، والأسواق شديدة الترابط، ومنصات المعلومات، تجعل من الممكن ضغط ما كان يحتاج إلى سنوات في أسابيع، وما كان يحتاج إلى أسابيع في ساعات. وبذلك لا تصبح المشكلة أن الخصم يتحرك تحت العتبة فقط، بل أنه قد يعيد تشكيل الواقع قبل أن تكتمل دورة اكتشاف الفعل وتحليله واتخاذ القرار حياله.

من هنا ينتقل بحث المنطقة الرمادية إلى مستوى آخر. فالسؤال لم يعد فقط: كيف يعمل الفاعل تحت عتبة الحرب؟ بل: ماذا يحدث عندما تتزامن الرمادية مع الانضغاط الاستراتيجي، والفاعلية الشبكية، واللاتسلسلية، والانبثاق؟ وعندئذ قد لا نكون أمام تكتيك جديد داخل النظام الدولي القديم، بل أمام نمط مختلف في إنتاج القوة والقرار والسيادة نفسها؛ نمط تصبح فيه الحدود بين الحرب والسلام، والفاعل والوكيل، والسيطرة والسيادة، أقل قابلية للتعيين مما عرفناه من قبل.

الانضغاط الاستراتيجي والمنطقة الرمادية

هنا يظهر رابط مهم مع ما طرحناه في نظرية الانضغاط الاستراتيجي.

في النموذج التقليدي كانت هناك فسحة زمنية بين:

الحدث → الاكتشاف → التحليل → القرار → الرد.

أما مع الذكاء الاصطناعي، والشبكات، والمسيّرات، والعمليات السيبرانية، والإعلام الرقمي، فقد تنضغط الدورة إلى:

حدث → انتشار → تأثير → إعادة تشكيل للواقع

وذلك أحيانًا قبل اكتمال دورة القرار السياسي.

وبذلك يمكن أن تدخل المنطقة الرمادية مرحلة جديدة يمكن أن نسميها:

المنطقة الرمادية فائقة السرعة (Hyper-Speed Gray Zone).

فليس ضروريًا أن يكون التراكم الرمادي بطيئًا على مدى سنوات؛ فقد يحدث خلال ساعات أو أيام بفعل تفاعل متزامن بين المعلومات، والعمليات السيبرانية، وحركة الأسواق، والخوارزميات، والمسيّرات، والوكلاء.

وهنا يصبح الزمن المضغوط نفسه جزءًا من القوة.

المنطقة الرمادية واللاتسلسلية

في النظام الهرمي التقليدي كان السؤال: من أصدر الأمر، وما الجهات التي نفذته بالتسلسل؟

أما في عالم شبكي غير تسلسلي فقد يكون السؤال نفسه غير كافٍ. وربما لم يصدر أمر مركزي واحد أصلًا.

قد تتفاعل أجهزة أمنية، ومؤسسات سياسية، وشركات، وجماعات محلية، ومنصات، ووحدات إلكترونية، ومصالح تجارية، فتنبثق من تفاعلاتها نتيجة استراتيجية متماسكة نسبيًا.

وهنا تلتقي المنطقة الرمادية مع مفهوم: الانبثاق.

فبعض النتائج الاستراتيجية قد لا تكون نتاج خطة مركزية مكتملة، وإنما تنشأ من تفاعل مجموعة أفعال موزعة.

وهذا يجعل اكتشاف الاستراتيجية أصعب؛ لأن العقل التحليلي التقليدي يبحث عن الخطة وعن صاحبها، فيما قد تكون أمامه نتيجة انبثقت من تفاعلات لا تختزل إلى إرادة فاعل منفرد.

على المحلل في هذه الحالة أن يبحث عن النمط الناشئ من العلاقات والتفاعلات والتغذية الراجعة، لا عن قرار مركزي مفترض في كل مرة.

نموذج الأزمة المالية العالمية

تقدم الأزمة المالية العالمية عام 2008 مثالًا واضحًا على الانبثاق.

لم يجتمع مديرو المصارف الأميركية والأوروبية وشركات الرهن ووكالات التصنيف والمستثمرون في غرفة ليقرروا صناعة أزمة مالية عالمية.

كانت كل عقدة تتصرف وفق منطق محلي: مصرف يريد مزيدًا من الإقراض، مؤسسة تحول الرهون إلى أوراق مالية، مستثمر يبحث عن عائد، جهة تستخدم تمويلًا قصير الأجل، ووكالة تصنيف تقيّم المنتجات.

لكن تفاعل هذه القرارات أنتج نظامًا لم يصممه أي واحد منهم منفردًا.

فالخطر الحقيقي لم يكن موجودًا بالدرجة نفسها في كل مؤسسة على حدة، بل في شبكة العلاقات بينها.

وهذا ينقلنا من التفسير وحده إلى ما نسميه التفهّم.

التفسير يميل إلى البحث عن أسباب وآليات يمكن عزلها. أما التفهّم، بالصورة التي نقترحها هنا، فيركز على السياق: العلاقات، والتفاعلات، والتغذية الراجعة، والأنماط والانبثاقات التي تجعل الظاهرة تتشكل على النحو الذي ظهرت به.

المعلومة الاستراتيجية لا تكون دائمًا موجودة في الأجزاء؛ فقد تنشأ من العلاقات بينها.

وبذلك تصبح وحدة المعرفة الاستراتيجية في العالم الشبكي ليست «الجزء» وحده، بل العلاقة.

وفي صياغتنا المنهجية، لا يعني «التفهّم» نفي السببية أو الاستغناء عنها، بل رفض اختزال الظاهرة المعقدة في سبب مفرد أو سلسلة خطية واحدة. وهو بهذا المعنى يتقاطع مع بعض عناصر الروح الظاهراتية، من حيث إبقاء الظاهرة ضمن مجال ظهورها وعلاقاتها، ورصد تشكلها قبل استعجال اختزالها إلى تفسير سببي وحيد.

التفهّم يبقى مع الظاهرة في حاضر تشكلها: يرصد العلاقة وهي تنتج علاقة أخرى، والتغذية الراجعة وهي تعيد تشكيل المجال، والنمط وهو ينبثق من التفاعلات.

فالعلاقات، هنا، ليست مجرد قرائن خارجية على الحقيقة؛ إنها جزء من البنية التي تتشكل فيها الحقيقة الاستراتيجية نفسها.

أوكرانيا: حين تسبق الممارسةُ العقيدةَ

تقدم الحرب الروسية ــ الأوكرانية مثالًا عسكريًا حديثًا على الانبثاق والتكيف الميداني، من دون الحاجة إلى إصدار حكم على أي من الطرفين.

فانتشار المسيّرات الرخيصة، وتداخل الجهات الرسمية وغير الرسمية في تطويرها، وأجهزة الاستشعار، والاتصالات الرقمية، والحرب الإلكترونية والنيران الدقيقة، غيّر بيئة القتال بصورة كبيرة.

وتصف دراسة حديثة لـRUSI كيف أدّت كثافة المستشعرات والشبكات إلى ما يعرف بـ شفافية ميدان المعركة (Battlefield Transparency)، حيث تجعل الشبكات والمستشعرات المنتشرة تحقيق المفاجأة أكثر صعوبة، وكيف استطاعت الوحدات التكيف ديناميكياً مع تحركات الخصم.

والمهم هنا أن الابتكار لا يسير دائمًا وفق النموذج الآتي:

هيئة أركان → عقيدة → أمر → وحدة → تنفيذ.

فقد يسير بالعكس:

مشكلة في الميدان → تجربة حل على مستوى جندي أو وحدة صغيرة → نجاح → انتقال المعرفة أفقيًا → تقليد وتطوير → استيعاب القيادة للممارسة → تحولها لاحقًا إلى عقيدة.

أي أن: العقيدة قد تأتي بعد الممارسة، بدل أن تأتي الممارسة دائمًا بعد العقيدة.

ويمكن التعبير عن ذلك، بصورة مجازية، بـ:

الاستراتيجية بلا استراتيجي.

وهنا يظهر ما يمكن أن نسميه: التقاط الانبثاق الاستراتيجي (Strategic Emergence Detection).

أي قدرة المؤسسة أو المحلل على اكتشاف النمط الجديد في أثناء تشكله، قبل أن يتحول إلى عقيدة مكتملة أو يصبح أثره واضحًا للجميع.

في المنطقة الرمادية: الانتصار لا يبدو انتصارًا

الحرب التقليدية تريد أن تجعل الخصم يقول: لقد هُزمت.

أما المنطقة الرمادية الأكثر تطورًا فتريد نتيجة مختلفة: أن يستيقظ الخصم بعد سنوات ليجد أن المجال تغير، والاعتماد تغير، وموازين النفوذ تغيرت، وسلوكه تغير، وخطوطه الحمراء تغيرت، وما كان غير مقبول أصبح اعتياديًا.

لكنه لا يستطيع تحديد: متى خسر؟

وهنا يمكن اقتراح تعريف أعمق:

الانتصار الرمادي هو تحويل الواقع تدريجيًا بحيث يكتشف الخصم خسارته بعد أن تصبح تكلفة استعادة الواقع السابق أعلى من تكلفة قبول الواقع الجديد.

فالغاية ليست تجنب الحرب بوصف ذلك قيمة مستقلة، بل تغيير الوقائع بطريقة تجعل خيار الحرب، بعد اكتمال التحول، أكثر كلفة للطرف الراغب في العودة إلى الوضع السابق.

من المنطقة الرمادية إلى «السيادة الرمادية»

يقودنا هذا إلى مفهوم آخر نقترحه: السيادة الرمادية.

وهي الحالة التي لا تكون فيها السيطرة على مجال ما كاملة أو رسمية أو معترفًا بها قانونيًا، لكن فاعلًا معينًا يستطيع عمليًا التأثير في من يدخل ومن يخرج، وما الذي يتحرك، وما المسموح والممنوع، وما تكلفة مخالفة إرادته.

إقرأ على موقع 180  الدولار مقابل الليرة اللبنانية.. تجريب المجرب لتخريب المخرب!

إنها: سيطرة وظيفية من دون سيادة قانونية كاملة.

ويصلح هذا المفهوم لتحليل بعض البيئات البحرية والسيبرانية وسلاسل التوريد والمنصات الرقمية وغيرها من المجالات التي تتداخل فيها السلطات.

الرمادية الاستراتيجية

يمكن كذلك الحديث عن: الرمادية الاستراتيجية،

ونقصد بها قدرة الفاعل على إبقاء هوية الفعل، ودرجة عدائيته، ومصدره، ومسؤوليته القانونية، وعتبة الرد المناسبة عليه، في حالة من عدم اليقين المحسوب، بما يسمح له بتغيير الواقع بوتيرة أسرع من قدرة الطرف الآخر على تصنيف ما يحدث واتخاذ قرار بشأنه.

هنا تصبح الرمادية نفسها موردًا استراتيجيًا.

فكما توجد قوة عسكرية واقتصادية ومعلوماتية، قد توجد قوة ناشئة من صعوبة التصنيف والتعيين.

وكلما احتاج الطرف الآخر إلى وقت أطول للإجابة عن سؤال: «ما الذي يحدث؟ ومن يفعله؟ وكيف ينبغي تصنيفه؟»، اتسعت مساحة الحركة المتاحة للفاعل.

من يربح في عالم المنطقة الرمادية؟

في النموذج التقليدي كان التفوق يرتبط، بدرجة كبيرة، بحجم القوة ومزاياها.

أما في المنطقة الرمادية فقد تصبح الأفضلية مرتبطة بالقدرة على تجزئة القوة، وإخفاء مصدرها أو تعقيده، وتوزيع فاعليتها، وضبطها تحت العتبة، وتسريع تراكم نتائجها، والاستفادة من اللايقين واللاتعيّن.

ويمكن تلخيص ذلك بمعادلة مفاهيمية:

المنطقة الرمادية = فعل دون حرب مفتوحة + قوة موزعة + تأثير مع مسؤولية ملتبسة + تراكم دون تجاوز واضح للعتبة + سيطرة وظيفية من دون إعلان سيادة.

وبهذا المعنى، ليست المنطقة الرمادية مجرد مساحة بين الحرب والسلام.

إنها تعبير عن تآكل صرامة هذه الثنائية نفسها.

فالتنافس الدولي لم يعد مضطرًا إلى أن يكون حربًا أو سلامًا، أو حتى «لاحربًا ولاسلامًا» بالمعنى التقليدي؛ بل يمكن أن يصبح صراعًا مستمرًا من دون بلوغ كلفة الحرب المفتوحة بالضرورة.

وهذا يتوافق مع فكرتنا السابقة بأن العالم قد لا ينتقل دائمًا في دورة واضحة من:

نظام → فوضى → نظام جديد،

بل قد يدخل حالة من التشكل المستمر والانبثاق وإعادة التشكل.

ومن هذه الزاوية يمكن طرح فرضية:

ماذا لو لم تكن الرمادية مجرد أسلوب داخل النظام العالمي، بل أصبحت إحدى صفات النظام نفسه؟

النظام العالمي الرمادي

ليس المقصود بنظام عالمي رمادي نظامًا ضعيفًا أو فوضويًا، بل نظامًا لا تتعين فيه بصورة نهائية الحدود بين الحرب والسلام، والسيادة والتدخل، والفاعل والوكيل، والداخلي والخارجي، والردع والانتهاك.

إنها حدود تتحرك ويعاد تشكيلها بالممارسة.

فإذا لم يعد النظام العالمي ينتقل بالضرورة من نظام إلى فوضى ثم إلى نظام جديد، وأصبح المسار أقرب إلى:

تشكل → انبثاق → إعادة تشكل → انبثاق → إعادة تشكل.

فإن اللاتعيّن لا يعود مجرد مرحلة مؤقتة قبل ظهور النظام؛ بل يمكن أن يصبح خاصية مستدامة في عملية تشكله.

وربما لا نعيش، وفق هذه الفرضية، مرحلة رمادية في انتظار نظام عالمي جديد، بقدر ما نعيش عالمًا قد تصبح فيه استدامة الرمادية نفسها جزءًا من شكل النظام.

وربما تكون العبارة الأكثر اختصارًا:

كانت الحرب التقليدية تبدأ عندما يُتجاوز الخط الأحمر؛ أما استراتيجية المنطقة الرمادية فتنجح حين تجعل الخط الأحمر نفسه يتحرك ويتمطّط ويلتبس، وتحيطه بحالة مستمرة من عدم اليقين.

والأهم أن الخط قد يتبخر من حيث الفاعلية، فيما يظل أصحابه يتداولونه كما لو أنه ما زال قائمًا.

هنا يصبح الخط الأحمر الذي لا يحمي ما قبله معرضًا للتحول، عمليًا، من حد للردع إلى دليل يساعد الخصم على اختبار أين يستطيع الحركة، وكيف يناور تحت العتبة.

إنه ما يمكن أن نسميه: الخط الأحمر الشبح.

قد يستمر السياسيون في الحديث عن «خطوطنا الحمراء» بعد أن تكون الممارسة قد أفرغتها من مضمونها. فيصبح لدينا خط موجود خطابيًا وغائب عملياتيًا، ويخلق كل انتهاك جديد سؤالًا: هل هذا هو الانتهاك الذي قصدناه أم لا؟

وهكذا يصبح الالتباس في تعريف الخط نفسه جزءًا من المنطقة الرمادية.

في الحرب التقليدية كان الخط الأحمر يحدد متى يبدأ الرد الكبير. أما في العالم الرمادي القائم على درجات من اللاتعيّن، فقد يصبح الخط الأحمر نفسه متغيرًا استراتيجيًا: يتحرك، ويتمطّط، ويلتبس، ويعاد تفسيره بعد كل انتهاك جزئي.

ومن هنا يمكن اقتراح مفهوم: الخط الأحمر النيوتروسوفي (utrosophic Red Line).

أي خط معلن بوصفه حدًا فاصلًا، لكنه يحمل عمليًا درجات من الانتهاك وعدم الانتهاك واللاتعيّن، بحيث يصبح الخلاف حول ما إذا كان قد تم تجاوزه جزءًا من الصراع نفسه.

إستونيا 2007: عندما أصبح الإسناد جزءًا من المشكلة

تعرضت مؤسسات حكومية وخاصة ومصارف إستونية عام 2007 لموجة واسعة من الهجمات السيبرانية. ولم تطلب إستونيا تفعيل المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي، بل طلبت التضامن والمساعدة التقنية؛ وقال الناتو في حينه إن الإسناد الحاسم لمثل هذه الهجمات بالغ الصعوبة.

وهذا مثال مهم لأن السؤال لم يعد فقط: «هل وقع هجوم؟»، بل: من الفاعل؟ وما درجة اليقين في الإسناد؟ وهل يبلغ الفعل العتبة القانونية والسياسية المطلوبة للرد؟

واليوم يقر الناتو بأن العمليات الهجينة قد تبلغ مستوى الهجوم المسلح، وبأن ذلك قد يقود إلى قرار بتفعيل المادة الخامسة، فيما يظل الإسناد نفسه قرارًا سياديًا للدول الأعضاء.

فالفاعل الرمادي لا يدير مستوى العدوان فقط؛ إنه يدير أيضًا مستوى اللاتعيّن المحيط به.

البعد المعرفي الذي نخلص إليه

المنطقة الرمادية، وفق هذا التصور، ليست مجرد منطقة بين حالتين متعينتين هما الحرب والسلام، بل حالة استراتيجية يمكن أن تتعايش فيها درجات من الحرب واللاحرب واللاتعيّن، وقد يصبح إنتاج اللاتعيّن نفسه هدفًا استراتيجيًا.

وهذا يقود إلى مفهوم نقترح تسميته: النيوتروسوفيا الاستراتيجية (Strategic Neutrosophy).

أي دراسة الحالات الاستراتيجية التي يصعب اختزالها إلى ثنائيات صلبة من قبيل:

حرب/سلام، صديق/عدو، سيادة/احتلال، دولة/فاعل غير دولتي، ردع/فشل الردع، انتهاك/عدم انتهاك.

وهنا نعود إلى فكرة التفهّم.

فالعقل التفسيري يسعى إلى أن يحسم: ما هذه الحالة؟ وما أسبابها؟ أما التفهّم، بالمعنى الذي نقترحه، فلا يجبر الواقع بالضرورة على خانة نهائية قبل التعامل معه، بل يقرأه من خلال علاقاته وتفاعلاته وتغذيته الراجعة وانبثاقاته.

ومن هنا يمكن صياغة مبدأ إبستمولوجي:

ليس كل لاتعيّن نقصًا في المعرفة؛ فقد يكون اللاتعيّن خاصية في الظاهرة نفسها، أو نتيجة للعلاقات التي تتشكل داخلها، أو حالة يصنعها فاعل استراتيجيًا.

وهنا يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات:

-لايقين معرفي لأننا لا نعرف؛

–لاتعيّن بنيوي لأن الظاهرة نفسها متداخلة ومتغيرة؛

-لاتعيّن مُصنَّع لأن فاعلًا يتعمد إبقاء الهوية أو العتبة أو المسؤولية أو طبيعة الفعل غير محسومة.

والنوعان الأخيران يقعان في صميم ما نحاول فهمه في استراتيجية المنطقة الرمادية.

وعندئذ لا يعود سؤال الفاعل الرمادي فقط: كم أستطيع أن أضغط؟

بل يصبح أيضًا: كم أستطيع أن أزيد اللاتعيّن واللايقين المحيطين بما أفعله؟

(*) راجع الجزء الأول من هذا المقال وباقي مقالات الكاتب: 180post

(*) فصل من كتاب قيد الإعداد: «كيف تغيّرت السياسة»؟

Print Friendly, PDF & Email
عماد فوزي شُعيبي

كاتب وباحث عربي

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  العلاقات السعودية–الإيرانية من "خفض التصعيد" إلى "التنافس المضبوط"!