قرار إيران يقترب.. ترامب المهزوم هو كارتر 2026

أي تصحيح في مسيرة الحزب الجمهوري عقب الهزيمة التاريخية التي مني بها في الانتخابات النصفية، يوم الثلاثاء الماضي، لن يكون متاحاً، من دون الضغط على الرئيس دونالد ترامب لمراجعة سياساته في السنتين الماضيتين، وإعادة صياغة أولويات إدارته في السنتين المتبقيتين.

ولعل البداية تكون من إيران التي شكّلت العنوان الأعرض للهزيمة الانتخابية، على أن تشمل هذه المراجعة العلاقة مع إسرائيل؛ التخلي عن أسلوب التعالي مع الحلفاء؛ مراجعة معظم المشاريع المثيرة للجدل، التي أطلقها ترامب لتخليد اسمه، من قاعة الرقص في البيت الأبيض إلى قوس النصر، الذي لا يتماشى بناؤه مع الظروف الحالية التي يعيشها الجمهوريون أو أميركا عموماً.

إلا أن المواقف التي اتخذها ترامب بعد الكارثة الانتخابية لا تدل على أنه يعتبرها هزيمة شخصية له. فالانكار جزءٌ من طبيعته، فهو أعاد القول، بأنه لو كان اسمه على لوائح الاقتراع لكان حقّق “فوزاً كاسحاً”. وتوجه باللوم مثلاً إلى حاكم ولاية تكساس الجمهوري غريغ آبوت، متهماً إياه بأنه جمهوري بالاسم فقط، ثم اتهم شبكة “فوكس نيوز” الإخبارية اليمينة، بأنها لم تقم بما يكفي لفوز الجمهوريين، وفي النهاية، اعتبر أن حرب إيران مسؤولة “جزئياً” عن النتائج التي أفضت إليها الانتخابات.

لكن نائب الرئيس جي. دي. فانس، امتلك جرأة لإماطة اللثام عن الأسباب التي أدت إلى الهزيمة. إيران والعلاقة مع إسرائيل والتضخم والتخلي عن سياسة “أميركا أولاً” التي يرفعها تيار “ماغا” الذي كان له الفضل في اعادة ترامب إلى البيت الأبيض قبل عامين.

والأسباب الأربعة التي أوردها فانس، مترابطة بعضها ببعض، وإن كان تعمد اشاحة الوجه عن استشراء الفساد في وسط عائلة ترامب وفي الدائرة المقربة منه، من رجال أعمال اختارهم الرئيس على أساس الولاء، إلى التحالف الوثيق مع شركات التكنولوجيا والذكاء الإصطناعي، على حساب الطبقة العاملة والأقليات التي أيّدته في 2024، على أساس وعود بالعمل على خفض التضخم وإيجاد فرص العمل. وبقي كل هؤلاء خارج “العصر الذهبي”، الذي تحدث عنه في مستهل ولايته الثانية، واقتصر على الأفراد المحيطين به.

صدمة إيران

لخّص المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة عام 2016 ميت رومني أسباب الهزيمة في تغريدة مُعبّرة جاء فيها إن “السياسات السيئة والشخصية السيئة تصنعان سياسة سيئة”. ويعد رومني السناتور السابق من وجوه الحزب الجمهوري البارزة التي أزاحها ترامب من الحياة السياسية، إلى جانب حاكم فلوريدا المنتهية ولايته رون دي سانتس والنائبة السابقة ليز تشيني ونائب الرئيس السابق مايك بنس.

الآن، ترامب الذي نأى بنفسه عن الخسارة التي أصابت الحزب الجمهوري، يُذكّر الديموقراطيين الفائزين بأن لا يبالغوا كثيراً بانجازهم، لأنه ما يزال هو رئيس الولايات المتحدة، وبأنه يملك سلاح “الفيتو” ضد أية مشاريع سيقرها الكونغرس وتتعارض مع سياساته ومصالحه.

وقرأت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، في مسارعة ترامب بعد الهزيمة، إلى اعفاء رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز من منصبها وتعيين ستيفن ميلر (المعروف بمواقفه المتشددة وولائه المطلق لترامب) خلفاً لها، إلى أن الإدارة الأميركية تتجه نحو أسلوب حكم هجومي لا هوادة فيه خلال العامين الأخيرين من ولاية ترامب.

وإذا كان ترامب، بسبب شعور العظمة، لا يريد الإقرار بأنه أولاً وأخيراً سبب الهزيمة، فإن مسؤولية الحزب الجمهوري تبدأ من هنا. لقد حاسب الناخبون ترامب، وتقع من الآن فصاعداً على الحزب مسؤولية وضع حد لمغامراته الخارجية ولسياساته الشعبوية الجارفة في الداخل.

وثمة خطر ماثل، لا يمكن اغفاله في حال قرّر ترامب، الذي تحرّر الآن، من عبء الانتخابات أن يعاود الكرة في إيران، قبل أن يتولى الكونغرس الجديد مهامه رسمياً في 4 كانون الثاني/يناير 2027، ويبدأ في اعادة تصحيح معادلة التوازن بين صلاحيات السلطتين التشريعية والتنفيذية، بخلاف ما يجري منذ عامين، عندما اذعنت الغالبية الجمهورية في الكونغرس لرغبة ترامب في الغاء دور المشرعين في مراقبة عمل المسؤولين في البيت الأبيض.

الصدمة الانتخابية، قد تدفع ترامب إلى التصعيد مع إيران. وهذا ما يوحي به تصريحه بعد يومين من الانتخابات عن الاجتماع مع كبار مستشاريه للأمن القومي، وعن اقترابه من اتخاذ قرار في شأن استئناف الحرب. ووفق تقارير إعلامية، فإنه يدرس ثلاثة خيارات رئيسية: شنّ ضربات عسكرية جديدة، أو مواصلة خنق النظام الإيراني اقتصادياً، أو التوصل إلى اتفاق يتضمّن تقديم تنازلات كبيرة لطهران. وقد تتحكم نتائج الانتخابات في الاتجاه نحو أي خيار من الخيارات المذكورة.

وبات معروفاً وجود ثلاثة تيارات في البيت الأبيض. التيار الأول يقوده فانس ويفضل تسوية سياسية للنزاع، والتيار الثاني يقوده وزير الحرب بيت هيغسيث وقائد القيادة المركزية الأدميرال براد كوبر يدعمهما من الخارج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ويدعو هؤلاء إلى استئناف الحرب، والتيار الثالث ممثلاً بوزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت، وهو يُفضّل الحفاظ على حالة اللاحرب واللاسلم وابقاء الحصار الاقتصادي على إيران على أمل أن تنهار من الداخل. وتضغط التيارات الثلاثة على ترامب للتعجيل باتخاذ قرار.

إقرأ على موقع 180  ترامب في مواجهة بيروقراطية الدولة.. هل ينجح؟

موسكو والدوحة.. كسر الجمود

وبينما ترصد إيران نتائج الانتخابات الأميركية بارتياح، فإنها تمضي في الاستعداد للحرب وللديبلوماسية. وفي هذا الوقت المحتدم، جاءت زيارة أمين مجلس الأمن القومي محسن رضائي إلى موسكو ولقائه بالرئيس فلاديمير بوتين وتسليمه رسالة من المرشد مجتبى خامنئي. وهي خطوة ترتبط مباشرة بدور روسي أكثر فاعلية في جسر الهوة بين طهران وواشنطن.

وعلى رغم أن رضائي كرر تمسك بلاده بالشروط السبعة قبل الموافقة على فتح مضيق هرمز أو العودة إلى المفاوضات النووية، فإن الزيارة بحد ذاتها مؤشر إلى حصول حراك ما، في المواقف، في ضوء نتائج الانتخابات الأميركية.

ويتوافق هذا الاستنتاج مع ما كشفت عنه صحيفة “النيويورك تايمز”، من أن إيران تدرس مجموعة مقترحات قدمها وسطاء في شأن مستقبل برنامجها النووي، في خطوة قد تكسر جمود المساعي الديبلوماسية المبذولة لإنهاء الحرب.

ويتقاطع دخول روسيا على خط الوساطة مع الجهود القطرية المكثفة، التي تختصر إجراءات بناء الثقة بين الطرفين من ستين يوماً إلى يومين. إذ ترفع الولايات المتحدة حصارها البحري عن إيران، وتفرج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمّدة في اليوم الأول، مقابل توجيه طهران دعوة رسمية إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإرسال مفتشين إلى المواقع النووية التي تعرّضت للقصف في حزيران/يونيو 2025، استناداً إلى اتفاق جرى التوصل إليه في القاهرة قبل عام. وفي اليوم الثاني، يُعاد فتح مضيق هرمز، على أن تُستأنف بعد ذلك المفاوضات النووية، مع التركيز على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب. واتصل أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بترامب الجمعة للغاية نفسها.

وإذا ما أخذنا في الاعتبار تجارب إيران مع الرؤساء الأميركيين، فإنه يمكن الاستدلال بالتجربة مع الرئيس الأميركي الراحل جيمي كارتر، عندما لم توافق طهران على الوساطة الجزائرية وتقبل بالإفراج عن الرهائن الأميركيين المحتجزين في السفارة، إلا بعد أداء الرئيس الجمهوري رونالد ريغان اليمين في 20 كانون الثاني/يناير 1981، عقب فوزه على كارتر. وكانت أزمة الرهائن سبباً مباشراً في هزيمة الرئيس الديموقراطي.

يالطا جديدة

اليوم، حوّلت الانتخابات النصفية ترامب إلى “بطة عرجاء” وإلى رئيس مهزوم سياسياً. وهذا الناطق باسم الحرس الثوري حسين محبي يستعين بالتاريخ مغرداً على منصته: “كشفت أزمة السويس عام 1956 عن حدود النفوذ البريطاني، فالتاريخ أحياناً ما ينقلب رأساً على عقب عند نقاط الاختناق الاستراتيجية”.

في ضوء ذلك، يصير مشروعاً طرح الأسئلة الآتية:

-هل إيران التي عاقبت ترامب بالامتناع عن ابرام اتفاق معه منذ عامين، وهو في ذروة قوته، باتت الآن مستعدة للقبول بصفقة معه، وهو في أضعف حالاته؟

-أم هل تفضل اللاحرب واللاتفاق معه حتى تنتهي ولايته بعد سنتين، فتُبرم اتفاقا مع الإدارة الجديدة؟

-أم هل تفضل إيران الانتظار ريثما يتولى الكونغرس الجديد مهامه ويبدأ بالضغط على ترامب للخروج من المستنقع الإيراني، ولو بتقديم تنازلات جوهرية. وبعد شهرين يصبح اتخاذ ترامب قراراً باستئناف الحرب أصعب نظراً إلى امساك الديموقراطيين بقرار تمويل العمليات العسكرية، وذلك اقتداءً بما قام به الكونغرس الديموقراطي في العام 1973 عندما قرر قطع التمويل الفيديرالي كي يضغط على ريتشارد نيكسون كي يوقف حملات القصف على كمبوديا إبّان حرب فيتنام.

وفي امكان جي. دي. فانس، المرشح الأبرز لنيل ترشيح الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية عام 2028، أن يدفع أكثر داخل الإدارة لتغليب الخيارات السياسية في التعامل مع إيران. والوقت يضغط بقوة لانهاء الحرب الاختيارية، والأفضل للجميع أن تنتهي بتسوية تشارك فيها روسيا والصين. وفي هذا السياق، تتركز الأنظار على احتمال عقد قمة ثلاثية مع الولايات المتحدة في مدينة شنتشسن الصينية على هامش اجتماع منتدى التعاون الاقتصادي لمنطقة آسيا-المحيط الهاديء في وقت لاحق من الشهر الجاري، لمناقشة العلاقات بين الدول الثلاث إلى القضايا الدولية وفي مقدمها حربي إيران وأوكرانيا، وسط تكهنات بامكان الخروج بـ”يالطا جديدة”.

ثمة رؤساء أميركيون مالوا إلى التصعيد العسكري في الخارج عقب خسارة أحزابهم للانتخابات النصفية. هكذا فعل هاري ترومان عقب خسارة حزبه الديموقراطي الانتخابات النصفية عام 1946، فأطلق “مبدأ ترومان” لمواجهة الاتحاد السوفياتي وتمدد الشيوعية وصولاً إلى التورط في حرب كوريا عام 1950.

وعلى منواله نسج ليندون جونسون الذي اندفع إلى تعزيز الوجود العسكري الأميركي في فيتنام عقب خسارة الديموقرطيين الانتخابات النصفية عام 1966. وهناك تجربة جورج دبليو. بوش الذي رفع عديد القوات الأميركية في العراق عام بعد خسارة الجمهوريين للكونغرس في انتخابات 2006.

ماذا سيختار ترامب الآن؟

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  سوريا صينية.. في صياغات شرق أوسطية جديدة