زلزال الكنيست والكونغرس: هل تتراجع سياسة الحرب؟

لم تكن الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي مجرد استحقاقين انتخابيين عابرين، بل ربما شكّلتا بداية تحوّل سياسي عميق، ستكون له انعكاسات على مستقبل الشرق الأوسط، والقضية الفلسطينية، واحتمالات اندلاع حرب جديدة مع إيران، بل وعلى طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل خلال السنوات المقبلة.

ففي إسرائيل، وجّه الناخبون ضربة قاسية إلى المعسكر الذي يقوده بنيامين نتنياهو، في وقت حققت فيه الأحزاب العربية إنجازاً انتخابياً تاريخياً بحصولها على 19 مقعداً من أصل 120 في الكنيست. وفي الولايات المتحدة، نجح الحزب الديمقراطي في انتزاع السيطرة على مجلسَي الشيوخ والنواب، في انتكاسة سياسية كبيرة للرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري.

وبرغم اختلاف الظروف السياسية بين البلدين، فإن هناك قاسماً مشتركاً يستحق التأمل: تزايد قدرة الناخبين على معاقبة القيادات السياسية التي يعتقدون أنها انشغلت بالحروب والصراعات الأيديولوجية على حساب مصالح المواطنين وأمنهم ومستقبلهم الاقتصادي. والسؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس فقط من ربح الانتخابات ومن خسرها، بل ما إذا كانت هذه النتائج ستُترجم إلى سياسات جديدة تنهي مرحلة من الحروب والدمار وعدم الاستقرار، وتفتح الباب أمام شرق أوسط مختلف.

الفلسطينيون في الداخل الإسرائيلي: من التهميش إلى القدرة على التأثير

لعل من أهم نتائج انتخابات الكنيست الأخيرة النجاح غير المسبوق الذي حققته الأحزاب العربية، بعدما استطاعت تعبئة قاعدتها الانتخابية وإقناع أعداد كبيرة من المواطنين الفلسطينيين في الداخل بأهمية المشاركة في العملية السياسية.

إن الحصول على 19 مقعداً، أي ما يقارب 16% من مقاعد الكنيست الـ120، ليس مجرد إنجاز عددي، بل تحوّل سياسي يعكس حجم القوة الكامنة لدى الفلسطينيين في أراضي عام 1948، عندما ينظمون صفوفهم ويستخدمون ثقلهم الانتخابي بصورة فعالة. لقد أثبتت هذه الانتخابات أن المشاركة السياسية ليست بالضرورة اعترافاً بعدالة النظام القائم، بل قد تكون أداة لانتزاع الحقوق والتأثير في القرارات التي تمسّ حياة المواطنين اليومية.

فالمجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل يعاني منذ عقود من تمييز هيكلي في مجالات التخطيط والتنظيم والبناء وتخصيص الأراضي والموارد والخدمات العامة. كما تعاني بلداته من انتشار الجريمة المنظمة والعنف والسلاح غير المرخص، في ظل اتهامات متكررة للسلطات الإسرائيلية بالتقصير في حماية المواطنين العرب وملاحقة الشبكات الإجرامية. وهذه ليست مطالب ثانوية، بل حقوق أساسية تتعلق بالأمن الشخصي والكرامة الإنسانية والمساواة أمام القانون.

وبعد وصول التمثيل العربي إلى 19 مقعداً، أصبح من الصعب تجاهل هذه المطالب سياسياً، خصوصاً في ظل الانقسام العميق داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي بين معسكر نتنياهو ومعارضيه.

فمعسكر نتنياهو لم يحصل سوى على 53 مقعداً، بينما حصل معسكر المعارضة اليهودية على 48 مقعداً. وبذلك، فإن أياً منهما لا يستطيع منفرداً الوصول إلى الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة، والبالغة 61 مقعداً.

وهنا تكمن الأهمية التاريخية للنتيجة: أصبح الفلسطينيون في الداخل يمتلكون وزناً برلمانياً يمكن أن يكون حاسماً في مستقبل الحكم الإسرائيلي، حتى وإن ظلّت بعض الأحزاب اليهودية ترفض التحالف معهم. وقد ظهر هذا الوزن في المشاورات التي أفضت إلى تكليف غادي آيزنكوت بمحاولة تشكيل الحكومة، بعدما أوصت الأحزاب العربية بتكليفه، من دون أن يعني ذلك اتفاقاً على مشاركتها في ائتلافه الحكومي.

لكن هذا النجاح يضع مسؤولية استثنائية على عاتق النواب العرب أنفسهم. فالمطلوب ليس الاكتفاء بالاحتفال بالنتائج، وإنما تحويل هذا الإنجاز إلى برنامج سياسي واضح ومشترك، يتضمن مطالب محددة وقابلة للقياس، ويستخدم الأدوات البرلمانية المتاحة لتحقيق نتائج ملموسة، ويحافظ على ثقة الناخبين ووحدة الموقف السياسي.

الضفة الغربية وغزة: اختبار التأثير السياسي

لا يمكن فصل نجاح الفلسطينيين داخل إسرائيل عن مستقبل الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة.

فمنذ سنوات، تعاني السلطة الوطنية الفلسطينية من أزمة مالية خانقة، تفاقمت بفعل احتجاز إسرائيل أموال المقاصة الضريبية التي تجمعها نيابة عن السلطة الفلسطينية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على قدرتها على دفع رواتب موظفيها، وتمويل الخدمات الأساسية، والحفاظ على النشاط الاقتصادي.

إن هذه الأموال ليست منحة إسرائيلية ولا مساعدة خارجية، بل إيرادات فلسطينية مستحقة، واستخدامها وسيلةً للضغط السياسي يمثل تهديداً للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الضفة الغربية.

كذلك، فإن السياسات التي انتهجها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش تجاه السلطة الفلسطينية والقطاع المصرفي الفلسطيني ساهمت في زيادة المخاطر المالية والنقدية.

فالبنوك الفلسطينية تواجه مشكلة تراكم السيولة بالشيكل الإسرائيلي، وصعوبات تحويل الفوائض النقدية إلى النظام المصرفي الإسرائيلي، الأمر الذي يفرض تكاليف ومخاطر تشغيلية ويعرقل النشاط الاقتصادي الطبيعي.

إن خروج سموتريتش من وزارة المالية، إذا أسفرت مفاوضات تشكيل الحكومة عن ذلك، قد يشكّل فرصة لتخفيف هذه الضغوط، لكنه لن يكون كافياً ما لم تتغير السياسات الإسرائيلية نفسها. وهنا يستطيع النواب العرب ممارسة ضغط سياسي وبرلماني باتجاه الإفراج عن أموال المقاصة، ومعالجة الاختناقات المصرفية، ووقف استخدام الأدوات الاقتصادية لمعاقبة الشعب الفلسطيني.

أما في الضفة الغربية، فإن اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم، بما فيها القتل والاعتداءات الجسدية وإحراق المنازل والمركبات والتهجير القسري، تتطلب موقفاً حازماً يتجاوز الإدانات اللفظية. فلا يمكن الحديث عن السلام والاستقرار في ظل استمرار عنف المستوطنين والإفلات من العقاب.

إن مسؤولية أي حكومة إسرائيلية مقبلة يجب أن تشمل حماية المدنيين الفلسطينيين، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، ووقف التوسع الاستيطاني والإجراءات التي تقوّض إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وبالنسبة إلى غزة، فإن الكارثة الإنسانية والدمار الواسع والمعاناة التي تعرّض لها السكان يجب ألا تتحول إلى مجرد ملف ثانوي في مفاوضات تشكيل الحكومة. فإعادة الإعمار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، وإيجاد أفق سياسي حقيقي، كلها قضايا يجب أن تبقى في صدارة الأولويات.

وتبقى هناك نقطة تتصل بمستقبل نتنياهو.. ولنا عودة إليها في المستقبل القريب.

الانتخابات الأميركية: الناخب يعاقب الحروب 

على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، جاءت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية لتؤكد أن المزاج السياسي في الولايات المتحدة يشهد بدوره تحوّلاً مهماً.

فقد نجح الديمقراطيون في السيطرة على مجلسَي الشيوخ والنواب، في انتصار انتخابي كبير سيمنحهم، مع بدء الولاية الجديدة للكونغرس في كانون الثاني/يناير 2027، القدرة على ممارسة رقابة أكثر فاعلية على إدارة ترامب، والتأثير في التشريعات والإنفاق الفيدرالي.

لكن هذا الفوز لا ينبغي أن يُفسّر باعتباره تفويضاً مفتوحاً لقيادات الحزب الديمقراطي التقليدية. فالناخب الأميركي يريد نتائج، لا مجرد تغيير في الأسماء. يريد معالجة ارتفاع تكاليف المعيشة، وأسعار البنزين والديزل والغذاء، وتكاليف التأمين الصحي والسكن والتعليم.

ويريد أن يعرف لماذا تستمر الولايات المتحدة في إنفاق موارد هائلة على الحروب والعمليات العسكرية الخارجية، بينما تواجه ملايين الأسر الأميركية صعوبات متزايدة في تلبية احتياجاتها الأساسية.

لقد ساهمت الحرب مع إيران وتداعياتها على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد في إبراز الكلفة الاقتصادية للصراعات الخارجية، وأعادت طرح السؤال حول المصالح الأميركية الفعلية من الانخراط في حروب جديدة في الشرق الأوسط.

وبالنسبة إلى شريحة من الناخبين الأميركيين، لم يعد مقبولاً أن تتحمل الولايات المتحدة التكاليف البشرية والمالية والسياسية لصراعات يُنظر إليها باعتبارها مرتبطة بالأولويات الأمنية الإسرائيلية أكثر من ارتباطها بالمصالح المباشرة للمواطن الأميركي.

ومع ذلك، فإن اختزال الانتصار الديمقراطي في الموقف من إيران أو إسرائيل وحدهما سيكون تبسيطاً مفرطاً؛ فالاقتصاد والرعاية الصحية والانقسام الداخلي والثقة بالمؤسسات، كلها عوامل أساسية في السلوك الانتخابي الأميركي.

والرسالة الأهم هي أن السياسة الخارجية لم تعد منفصلة عن جيب المواطن الأميركي، وأن الحروب البعيدة أصبحت تحمل ثمناً انتخابياً داخلياً متزايداً.

هل تتراجع احتمالات الحرب مع إيران؟

في ضوء النتائج الانتخابية في البلدين، أعتقد أن احتمالات شن حرب أميركية–إسرائيلية جديدة وواسعة ضد إيران قد تراجعت، وإن لم تختفِ.

ففي إسرائيل، لم يعد معسكر نتنياهو يتمتع بالأغلبية البرلمانية التي كانت تمنحه هامشاً واسعاً للمناورة السياسية. وفي الولايات المتحدة، ستواجه إدارة ترامب كونغرساً يسيطر عليه الديمقراطيون، يستطيع استخدام صلاحياته في الرقابة والتحقيقات والتمويل للحد من بعض خيارات الإدارة.

لكن يجب عدم المبالغة في هذه النتيجة. فالرئيس الأميركي لا يزال يتمتع بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية والأمن القومي، كما أن تغيير الأغلبية البرلمانية لا يعني تلقائياً انتهاء الخلافات الاستراتيجية مع إيران. ومع ذلك، فإن الظروف السياسية الجديدة ترفع الكلفة الداخلية لأي قرار بالتصعيد العسكري.

لقد أثبتت التجارب أن الحروب قد تبدأ خلال أيام، لكنها تترك آثاراً اقتصادية وأمنية وسياسية تستمر لسنوات. وأي مواجهة جديدة مع إيران قد تهدد الملاحة والتجارة وأسواق الطاقة، وتنعكس على اقتصادات دول الخليج والمشرق العربي، وتبدد موارد تحتاجها المنطقة للتنمية والاستثمار وخلق فرص العمل.

ولهذا، فإن مصلحة جميع الأطراف تقتضي إعطاء الدبلوماسية فرصة حقيقية، والعمل على ترتيبات أمنية إقليمية تعالج المخاوف المشروعة للدول من دون اللجوء إلى الحروب.

وماذا عن المساعدات الأميركية لإسرائيل؟

من أبرز التطورات التي تزامنت مع الانتخابات الأميركية إعلان الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة ستتوقف عن تقديم نحو أربعة مليارات دولار سنوياً من المساعدات لإسرائيل، اعتباراً من نهاية عام 2026.

إن هذا الإعلان، إذا تحوّل إلى سياسة فعلية ودائمة، قد يمثل تحوّلاً تاريخياً في العلاقات الأميركية–الإسرائيلية. فقد اعتادت إسرائيل لعقود الحصول على دعم عسكري ومالي أميركي واسع، في ظل توافق سياسي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي على استمرار هذا الدعم، بغضّ النظر عن السياسات التي تنتهجها الحكومات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.

لكن الحرب على غزة، وما رافقها من دمار هائل وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، ساهمت في تغيير مواقف قطاعات واسعة من الرأي العام الأميركي، وخصوصاً بين الشباب والناخبين الديمقراطيين.

إقرأ على موقع 180  إيران.. سردية الفوضى وفرضية الحرب

وبات السؤال الذي يطرحه عدد متزايد من الأميركيين بسيطاً ومشروعاً: لماذا تُخصّص مليارات الدولارات لدعم دولة أجنبية، بينما تحتاج الولايات المتحدة نفسها إلى استثمارات أكبر في الرعاية الصحية والتعليم والإسكان والبنية التحتية؟

غير أن إعلان ترامب يثير تساؤلات جدية. فمذكرة التفاهم القائمة، التي تنظم مساعدات عسكرية أميركية لإسرائيل بقيمة 3.8 مليارات دولار سنوياً، تمتد حتى نهاية السنة المالية 2028، ولم يوضح الرئيس بصورة كافية الآلية القانونية والمالية التي سيستخدمها لإنهاء هذه المساعدات قبل انتهاء المدة المحددة. كما أبقى الباب مفتوحاً أمام تقديم أشكال أخرى من الدعم.

وهنا تقع مسؤولية كبيرة على عاتق الأغلبية الديمقراطية الجديدة في الكونغرس. فالمطلوب ليس الاكتفاء بإعلان وقف المساعدات، وإنما التأكد من عدم إعادة توجيه الأموال نفسها عبر موازنات أخرى أو برامج تسليح أو اعتمادات طارئة تحمل أسماء مختلفة.

ينبغي أن تكون هناك رقابة حقيقية وشفافية كاملة بشأن كل دولار أميركي يُخصّص لدعم إسرائيل، وأن تخضع صادرات الأسلحة والمساعدات العسكرية لمعايير واضحة تتعلق بالقانون الدولي وحقوق الإنسان وحماية المدنيين. فلا معنى لوقف المساعدات المباشرة إذا استمرت المساعدات غير المباشرة بالوتيرة نفسها.

الحزب الديمقراطي: امتحان القيادة ونفوذ “الايباك”

إن الانتصار الكبير الذي حققه الديمقراطيون يضع الحزب أمام مسؤولية تاريخية، لكنه يطرح أيضاً سؤالاً حول مدى قدرة قياداته التقليدية على استيعاب التحولات الجارية داخل قاعدته الانتخابية.

فشخصيات مثل تشاك شومر وحكيم جيفريز ارتبطت لسنوات بمواقف مؤيدة بقوة لإسرائيل، وتعرضت لانتقادات من التيار التقدمي بسبب علاقاتها السياسية والانتخابية بالجهات المؤيدة لإسرائيل، ومن بينها لجنة الشؤون العامة الأميركية–الإسرائيلية، المعروفة باسم «ايباك» (AIPAC).

ومن المشروع اليوم التساؤل عما إذا كانت هذه القيادات قادرة على تمثيل جيل جديد من الناخبين الديمقراطيين الذين يطالبون بسياسة خارجية أكثر استقلالية، وبموقف أكثر حزماً تجاه الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الفلسطينيين.

إن وصف السياسيين بأنهم يعملون لمصلحة جهة مانحة بعينها يحتاج إلى أدلة محددة، لكن من حق الناخبين مساءلة ممثليهم عن مصادر تمويل حملاتهم، وعن مدى اتساق مواقفهم مع مصالح ناخبيهم وقناعاتهم المعلنة.

وأعتقد أنه سيكون من الحكمة أن يعيد الحزب الديمقراطي تقييم قيادته البرلمانية، وأن يفسح المجال أمام شخصيات قادرة على التعبير عن التحولات السياسية والاجتماعية التي ساهمت في انتصاره الانتخابي.

أما “ايباك”، التي تمتعت لعقود بنفوذ انتخابي وسياسي كبير في واشنطن، فتواجه اليوم تحدياً مختلفاً عن الماضي. فالدعم غير المشروط لإسرائيل لم يعد يحظى بالإجماع السابق داخل الحزب الديمقراطي، وأصبح الارتباط السياسي باللوبي المؤيد لإسرائيل موضوعاً للنقاش والانتقاد، خصوصاً لدى قطاعات من الشباب والتيار التقدمي.

ولا يعني ذلك أن نفوذ “ايباك” قد انتهى، أو أنها فقدت قدرتها على التأثير في الانتخابات الأميركية، لكن البيئة السياسية التي كانت تعمل فيها من دون تحديات شعبية كبيرة قد تغيرت. وإذا كان هناك درس ينبغي أن تستوعبه القيادات الديمقراطية، فهو أن الفوز في الانتخابات لا يكفي، بل يجب أن ينعكس على السياسات والقرارات التي انتظرها الناخبون.

إيران ودول المنطقة: حان وقت التسويات بدلاً من الحروب

بعيداً عن الانتخابات الإسرائيلية والأميركية، ينبغي أن تدرك دول الشرق الأوسط أن استمرار الصراعات الإقليمية لم يعد يخدم مصالح أي طرف.

فإيران ودول الخليج والدول العربية المجاورة تواجه تحديات اقتصادية وتنموية هائلة، وتحتاج إلى توجيه مواردها نحو الاستثمار والبنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا وخلق فرص العمل، بدلاً من استنزافها في سباقات التسلح والحروب بالوكالة.

ولا توجد دولة تجسّد أهمية هذا التحوّل أكثر من المملكة العربية السعودية. فالمملكة تنفّذ واحداً من أكثر برامج التحوّل الاقتصادي طموحاً في العالم، وتسعى إلى تنويع اقتصادها وتطوير قطاعات السياحة والترفيه والرياضة والخدمات المالية والصناعة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.

إن نجاح هذه الرؤية يتطلب بيئة إقليمية مستقرة، وثقة المستثمرين، وأمناً مستداماً للممرات التجارية وسلاسل الإمداد والطاقة. ولهذا، فإن استمرار الصراع في اليمن، أو تجدد التصعيد العسكري على الحدود الجنوبية للمملكة، يمثل خطراً لا يقتصر على الكلفة العسكرية المباشرة، بل يمتد إلى المناخ الاستثماري والاستقرار الإقليمي.

لقد استنزفت الحرب اليمنية موارد هائلة، وألحقت معاناة إنسانية واقتصادية جسيمة بالشعب اليمني، ولم تنتج حتى الآن تسوية سياسية مستدامة. والحل لا يمكن أن يكون عسكرياً وحده، فالمطلوب تفاهمات سياسية وأمنية تضمن أمن السعودية وسيادتها، وتحفظ وحدة اليمن ومصالح شعبه، وتوفر ضمانات متبادلة تمنع العودة إلى التصعيد.

وبالمثل، فإن العلاقة بين إيران وجيرانها العرب يجب أن تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام بأمن الحدود والممرات البحرية، ومعالجة الخلافات من خلال الحوار والتفاوض.

ليس المطلوب تجاهل الخلافات أو التقليل من حجمها، بل الاعتراف بأن كلفة استمرارها أصبحت أعلى بكثير من كلفة التسويات الممكنة. فالشرق الأوسط لا يفتقر إلى الموارد أو الكفاءات أو الفرص الاقتصادية، وإنما يعاني من غياب الاستقرار السياسي والأمني الذي يسمح بتوظيف هذه الإمكانات بصورة منتجة.

ومن غير المنطقي أن تستثمر دول المنطقة مئات المليارات في بناء اقتصادات المستقبل، بينما تبقى مهددة بحروب يمكن أن تدمر خلال أسابيع ما استغرق بناؤه سنوات.

غزة تغيّر الوعي العالمي 

الأحزاب العربية تحتفل بفوزها

ربما يكون الأثر الأعمق للحرب على غزة هو أنها غيّرت نظرة قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي إلى القضية الفلسطينية وإلى السياسات الإسرائيلية.

فصور الدمار والضحايا والتهجير والمعاناة الإنسانية لم تبقَ محصورة في وسائل الإعلام التقليدية، بل انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ووصلت بصورة مباشرة إلى ملايين الشباب في الولايات المتحدة وأوروبا وبقية أنحاء العالم.

وأصبحت الجامعات والنقابات والمؤسسات المدنية والحركات الحقوقية ساحات لنقاشات غير مسبوقة حول حقوق الفلسطينيين، والقانون الدولي، ومسؤولية الحكومات الغربية عن استمرار الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل. إن الاتهامات الخطيرة بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في غزة، وما ارتبط بها من إجراءات قانونية دولية، لم تعد قضايا يمكن تهميشها أو تجاهلها بسهولة.

لقد دفعت غزة أعداداً كبيرة من الناس إلى إعادة النظر في مواقف سياسية ظلّت راسخة لعقود. لكن تحوّل الرأي العام إلى قوة سياسية يحتاج إلى وقت وتنظيم ومؤسسات وقيادات قادرة على تحويل التعاطف الإنساني إلى سياسات ملموسة.

وهنا يمكن فهم أهمية الانتخابات الأخيرة في إسرائيل والولايات المتحدة. ففي إسرائيل، أثبت الفلسطينيون في الداخل أن التنظيم والمشاركة الانتخابية يمكن أن يضاعفا وزنهم السياسي. وفي الولايات المتحدة، أظهرت الانتخابات أن الناخبين يستطيعون تغيير موازين القوى داخل المؤسسات التشريعية، ومحاسبة الأحزاب الحاكمة على أدائها الاقتصادي والسياسي.

لكن النتائج الانتخابية، مهما كانت أهميتها، ليست بديلاً عن العمل السياسي المستمر، ولا تضمن وحدها انتهاء الاحتلال أو وقف الحروب أو تحقيق العدالة. إنها تفتح نافذة للفرص، ويقع على عاتق القوى السياسية والمجتمعات المعنية استغلال هذه النافذة قبل أن تُغلق.

الخلاصة: عالم يتغير.. وفرصة لا ينبغي إضاعتها

إن ما نشهده اليوم قد يكون بداية مرحلة سياسية جديدة في الشرق الأوسط والعالم. فمعسكر نتنياهو خرج من الانتخابات الإسرائيلية من دون أغلبية، والأحزاب العربية حققت تمثيلاً تاريخياً، والحزب الديمقراطي الأميركي انتزع السيطرة على مجلسَي الكونغرس، وأصبح مستقبل المساعدات الأميركية لإسرائيل موضوعاً لنقاش سياسي لم يكن متصوراً بهذه الصورة قبل سنوات قليلة.

هذه تطورات مهمة، لكنها لا تعني أن السلام أصبح حتمياً، أو أن نفوذ القوى التي تدعم استمرار السياسات السابقة قد انتهى. فالمؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية لا تتغير بين ليلة وضحاها، والمصالح الراسخة لا تتراجع بسهولة. ومع ذلك، فإن الاتجاه العام يحمل مؤشرات تستحق التفاؤل الحذر.

وبالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن المرحلة المقبلة تتطلب وحدة سياسية، ورؤية استراتيجية، وقدرة على استثمار التحولات الدولية من دون المبالغة في الرهان عليها. أما في الولايات المتحدة، فإن الاختبار الحقيقي للديمقراطيين لن يكون في عدد المقاعد التي حصلوا عليها، وإنما في قدرتهم على تحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات تعكس أولويات المواطنين وتحترم القانون الدولي.

وأمام دول الشرق الأوسط فرصة لتبنّي نموذج مختلف للعلاقات الإقليمية، يقوم على المصالح الاقتصادية المتبادلة والتعاون والاستقرار، بدلاً من الصراعات والحروب.

لقد أيقظت غزة ضمير الملايين حول العالم، وأعادت القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش الأخلاقي والسياسي الدولي. والأمل اليوم أن تتحول هذه الصحوة الإنسانية إلى تغيير سياسي حقيقي، وأن يدرك الجميع أن أمن إسرائيل لا يمكن أن يتحقق على حساب حرية الفلسطينيين، وأن أمن الخليج لا يمكن أن يتحقق باستمرار المواجهة مع إيران، وأن ازدهار المنطقة لا يمكن أن يتحقق في ظل الحروب الدائمة.

إن العالم يتغير بالفعل، لكن اتجاه هذا التغيير سيتحدد بما تفعله الشعوب والقيادات في المرحلة المقبلة. وربما تكون أهم رسالة من انتخابات 2026 أن المستقبل لا تصنعه القوة العسكرية وحدها، بل تصنعه أيضاً إرادة الشعوب عندما تقرر أن الوقت قد حان للتغيير.

ولعل الأيام الأفضل التي انتظرتها شعوب منطقتنا طويلاً أصبحت اليوم أقرب مما كانت عليه بالأمس.

Print Friendly, PDF & Email
فوّاز يوسف غانم

كاتب أردني متخصص في الاقتصاد السياسي والاجتماعي

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  حرب الفيروس ليست وحيدة