من الرواق إلى العيادة.. كيف صارت الفلسفة استشارة (3)؟

طرحنا في مقالنا الأول سؤالاً جوهرياً عن الفرد والضياع الوجودي، وأشرنا إلى الاستشارة الفلسفية بوصفها مساحة مستقلة لمن يعاني حيرةً وجودية، لا بوصفها علاجاً لمرض نفسي. أما في المقال الثاني، فقد دخلنا عيادة سقراط الافتراضية، ورأينا كيف يمكن للسؤال أن يكون أقوى من الإجابة، من خلال الطريقة السقراطية بوصفها أداة يستخدمها المستشار الفلسفي لتفكيك اليقينيات وكشف التناقضات. لكن هل هذه الممارسة جديدة؟ أم أن البشرية عرفت، منذ آلاف السنين، أهمية الفلسفة بوصفها عناية بالحياة والنفس، لا مجرد بناء نظري؟

لماذا نعود إلى التاريخ؟

قد يتساءل القارئ: لماذا نبدأ مقالاً عن الاستشارة الفلسفية برحلة في التاريخ؟ أليس الأجدر أن نبدأ بالتعريف مباشرة؟

لأن التاريخ ضرورة منهجية، لا ترفاً ثقافياً. فهو يضيء الأسئلة التي نطرحها اليوم: كيف أعيش؟ كيف أواجه الخوف؟ كيف أجد معنى؟ هذه ليست أسئلة جديدة، بل أسئلة رافقت الإنسان في عصور مختلفة.

والاستشارة الفلسفية المعاصرة لا تدّعي اختراع هذه الأسئلة، وإنما تحاول تنظيم التفكير فيها من خلال الحوار والتحليل الفلسفي. لذا، لنأخذ هذه اللمحة السريعة، لا لنعرف التواريخ فحسب، بل لنعرف أنفسنا بصورة أفضل.

المحطة الأولى: الرواقية والأبيقورية – الفلسفة كطبّ للنفس

لم تكن الفلسفة في اليونان وروما القديمة مادة أكاديمية تُدرّس في قاعات مغلقة فحسب؛ كانت، لدى مدارس عديدة، أسلوباً في الحياة. وكان الفيلسوف أقرب إلى من يساعد الإنسان على فحص حياته ومخاوفه ورغباته منه إلى أستاذ جامعي بالمعنى الحديث.

كان الناس يأتون إليه لا ليسألوا فقط عن نظريات المعرفة أو المنطق، بل أيضاً: كيف أواجه الخوف؟ كيف أحتمل الفقد؟ وكيف أعيش حياة طيبة؟

هنا نجد أحد المنابع القديمة لما نسميه اليوم الممارسة الفلسفية.

تخيّل نفسك في القرن الأول الميلادي. يجلس أمامك رجل تحيط به مجموعة من التلاميذ. إنه إبكتيتوس، أحد أبرز الفلاسفة الرواقيين. كان عبداً ثم تحرر، وعاش حياة بسيطة، لكنه علّم الناس أن الحرية الداخلية لا تتطابق بالضرورة مع الظروف الخارجية.

ويمكن تلخيص جانب أساسي من الرواقية في المبدأ الشهير: أن اضطراب الإنسان لا يأتي من الأحداث وحدها، بل من أحكامه وتصوراته عنها.

فالفقر لا يُختبر بالطريقة نفسها لدى الجميع؛ وما يزيد ألمه قد يكون المعنى الذي نعطيه له. والموت حقيقة لا يمكن تفاديها، لكن تصوراتنا عنه تشكل قدراً كبيراً من الخوف الذي يثيره فينا. والرفض مؤلم، إلا أن تفسيره بوصفه دليلاً نهائياً على انعدام قيمتنا قد يضاعف هذا الألم.

لم يكتف الرواقيون بالتنظير، بل طوروا تمارين عملية للحياة، من بينها:

أولاً، النظرة من فوق: أن تتخيل حياتك من منظور أوسع، فتضع مشكلاتك في سياق أكبر، وتدرك أنها، على أهميتها بالنسبة إليك، ليست مركز الكون.

ثانياً، الاستعداد المسبق للشدائد: أن تتأمل احتمال الفقد أو التعثر، لا بقصد زيادة القلق، بل لتقليل عنصر المفاجأة والرهبة، ولتدريب النفس على احتمال تغير الأحوال.

ثالثاً، التمييز بين ما يقع ضمن قدرتك وما لا يقع ضمنها: لا تهدر طاقتك في محاولة السيطرة الكاملة على أمور ليست خاضعة لإرادتك. صحتك وسمعتك وقرارات الآخرين ليست تحت سيطرتك بالكامل، أما أحكامك واختياراتك وردود فعلك وقيمك، فهي أقرب إلى مجال مسؤوليتك.

رابعاً، مراجعة الذات وتدوين الأفكار: كان ماركوس أوريليوس يكتب تأملاته لنفسه، لا للنشر، فيراجع أفعاله ومواقفه والطريقة التي يريد أن يواجه بها العالم.

ولا تزال أصداء بعض هذه الأفكار حاضرة، بعد نحو ألفي عام، في مدارس حديثة للعلاج المعرفي السلوكي، وفي كتب المساعدة الذاتية، وكذلك في بعض ممارسات الاستشارة الفلسفية. وهذا لا يعني أن العلاج المعرفي السلوكي امتداد مباشر للرواقية، بل أن ثمة تشابهاً لافتاً في الاهتمام بالعلاقة بين الحدث وتفسيرنا له.

إذن، لم تكن الرواقية فلسفة نظرية فحسب، بل كانت أيضاً برنامجاً عملياً لفحص طريقة العيش. ومن هنا قدمت أحد أقدم المخزونات الفكرية التي يمكن أن تستفيد منها الاستشارة الفلسفية اليوم.

الأبيقورية: فن ترتيب الرغبات

على الجانب الآخر، قدم أبيقور رؤية مختلفة لكنها لا تقل عمقاً. وكثيراً ما يُساء فهمه بوصفه داعية إلى الملذات الحسية المنفلتة، بينما كان تصوره للذة مرتبطاً، في جوهره، بالطمأنينة وتخفيف الاضطراب والحاجة.

رأى أبيقور أن جانباً من معاناة الإنسان ينشأ من رغبات لا تنتهي. نريد المزيد من المال، والمزيد من المكانة، والمزيد من الاعتراف. وكلما اتسعت مساحة ما نعتقد أننا نحتاج إليه، اتسعت معها احتمالات الخيبة والقلق.

المشكلة، وفق هذا التصور، ليست فقط في أننا لا نملك ما نريد، بل في أننا لا نتوقف عن طلب المزيد.

وكان الحل الأبيقوري في ترتيب الرغبات لا في إلغائها. فقسّمها إلى:

  • رغبات طبيعية وضرورية، مثل الطعام والمأوى والصداقة.
  • رغبات طبيعية لكنها غير ضرورية، مثل الرفاهية والطعام الفاخر.
  • رغبات ليست طبيعية ولا ضرورية، مثل السعي غير المحدود إلى الشهرة والمكانة والسلطة.

وليس المقصود أن يعيش الإنسان في حرمان، بل أن يميّز بين ما يحتاج إليه فعلاً وما تعلّم أن يعتقد أنه يحتاج إليه.

وكما يشير الفيلسوف والكاتب الألماني ريتشارد دافيد بريخت في تناوله لفلسفات الحياة، كان أبيقور أقرب إلى معلم لحياة مشتركة منه إلى صاحب منظومة نظرية منعزلة؛ فقد أسس جماعة وعاش بين أتباعه، وجعل الصداقة والطمأنينة والاستقلال عن الرغبات الزائدة جزءاً من تصور الحياة الطيبة. وريتشارد دافيد بريخت فيلسوف وكاتب ألماني، لا مؤرخاً بالمعنى الذي ورد في النسخة الأصلية.

هذه الرؤية الأبيقورية قريبة جداً من أحد أشكال السؤال الذي تطرحه الاستشارة الفلسفية: ربما لا تكمن المشكلة دائماً في نقص ما نملك، بل أحياناً في اضطراب ما نريد.

وهكذا أضافت الأبيقورية إلى صندوق الأدوات الفلسفي سؤالاً مركزياً: ما الذي أحتاج إليه حقاً، وما الذي تعلمت فقط أن أرغب فيه؟

المحطة الثانية: مونتين – الفلسفة كفن للعيش

خلال العصور الوسطى ارتبطت الفلسفة الأوروبية ارتباطاً وثيقاً باللاهوت، لكنها لم تختفِ ولم تدخل ببساطة في «عصور مظلمة» خالية من التفكير الفلسفي. ومع عصر النهضة، اتسعت مجدداً مساحات الاشتغال الفلسفي على الإنسان وتجربته وحياته اليومية.

وفي هذا السياق يبرز ميشيل دي مونتين.

في كتابه الشهير «المقالات» (Essais)، كتب مونتين عن نفسه: عن خوفه من الموت، وشكوكه، وعلاقاته، وصحته، وعاداته، ومواطن ضعفه.

كان السؤال الذي يعود إليه مراراً: كيف أعيش؟

لم يقدم مونتين نظاماً مغلقاً من الإجابات. كان يشك ويتراجع ويعيد النظر في أحكامه. ولم يكن شكه عدميّاً، بل وسيلة لتحرير الإنسان من وهم اليقين الكامل.

ما يهمنا هنا أن مونتين أسهم في ترسيخ شكل من الكتابة يقوم على التجربة والفحص الذاتي. فـ«المقالة»، كما مارسها، ليست مجرد عرض لأفكار مكتملة، وإنما رحلة تفكير يعرض فيها الكاتب شكوكه وتحولاته وتناقضاته.

وهذه الروح قريبة من روح الاستشارة الفلسفية: لا يجلس المستشار ليعلن للآخر «الحقيقة هي كذا»، بل يشاركه عملية فحص: لنفكر معاً، ولنختبر افتراضاتنا، ولنرَ إلى أين يقودنا السؤال.

لذلك، من الأدق ألا نصف مونتين بأنه «عرّاب الاستشارة الفلسفية الحديثة» بالمعنى التاريخي المباشر، بل يمكن اعتباره أحد الممهّدين البعيدين لروحها: الفلسفة بوصفها فناً للعيش، والتساؤل بوصفه ممارسة، والشك بوصفه مساحة للوضوح لا مجرد علامة على الضياع.

المحطة الثالثة: غيرد آخنباخ – من فلسفة الحياة إلى الممارسة الفلسفية

هنا نصل إلى الحلقة التي لا ينبغي أن تغيب عن تاريخ الاستشارة الفلسفية الحديثة.

في مطلع الثمانينيات، أطلق الفيلسوف الألماني غيرد ب. آخنباخ ما سماه «الممارسة الفلسفية» (Philosophische Praxis). ويُشار عادة إلى عام 1981 بوصفه تاريخ افتتاح ممارسته، ثم أسس في العام التالي جمعية مهنية مكرسة لهذا المجال. بهذا المعنى لم يكن آخنباخ أول فيلسوف في التاريخ يناقش الناس في مشكلات الحياة، لكنه كان من أبرز من حوّل هذا النشاط الحديث إلى مجال مهني مستقل يحمل اسماً وهوية ومؤسسات.

والفكرة الأساسية هنا شديدة الأهمية: لا يأتي الإنسان إلى الفيلسوف بالضرورة لأنه «مريض»، وإنما لأنه قد يجد نفسه أمام سؤال لا تحله المعرفة التقنية وحدها: ماذا أريد؟ لماذا أشعر بأن حياتي لا تشبه قيمي؟ ماذا أفعل أمام قرار لا توجد له إجابة موضوعية جاهزة؟ كيف أفهم تناقضاً أعيش داخله؟

إنها مسائل قد تكون مؤلمة، لكنها ليست في ذاتها تشخيصات نفسية.

ومن هنا تبدأ الممارسة الفلسفية الحديثة بالتمايز عن العلاج النفسي: ليس لأنها منافس له، ولا لأنها تستطيع الحلول محله، وإنما لأن نوع السؤال مختلف.

إقرأ على موقع 180  النظام يلتهم التحرير بعد الوطن

المحطة الرابعة: ألان دو بوتون – الفلسفة في غرفة المعيشة

نصل الآن إلى تجربة معاصرة أعادت الفلسفة إلى مساحة الحياة اليومية على نطاق جماهيري واسع: تجربة ألان دو بوتون، الكاتب والفيلسوف السويسري-البريطاني الذي كرس جانباً كبيراً من أعماله لتقديم الفلسفة بوصفها أداة لفهم مشكلات الحياة لا ترفاً أكاديمياً.

في كتابه «عزاءات الفلسفة»، يستدعي دو بوتون ستة فلاسفة، ويبين كيف يمكن لأفكارهم أن تساعد في النظر إلى أشكال مختلفة من المعاناة:

  • سقراط – عزاء لعدم الشعبية: ما يهم ليس عدد من يوافقونك، بل قوة الحجة التي تستند إليها.
  • أبيقور – عزاء لقلة المال: السعادة لا تتناسب آلياً مع حجم الممتلكات، بل ترتبط أيضاً بطبيعة حاجاتنا ورغباتنا.
  • سينيكا – عزاء للإحباط: كثير من الإحباط ينشأ من توقع أن تسير الحياة دائماً وفق ما نريد، بينما الواقع أكثر مقاومة لتوقعاتنا.
  • مونتين – عزاء للشعور بالنقص: النقص والهشاشة جزء من التجربة الإنسانية، وليسا بالضرورة دليلاً على الفشل.
  • شوبنهاور – عزاء لقلب مكسور: الحب ليس وعداً دائماً بالسعادة، بل تجربة مركبة قد تحمل معها الألم والفقد.
  • نيتشه – عزاء للحسد: يمكن للحسد أن يكشف ما نرغب فيه أو نفتقده، بدلاً من أن يبقى مجرد شعور سام تجاه الآخر.

هذا النوع من الكتابة يعيد الفلسفة إلى الحياة اليومية، لكنه لا يساوي وحده بين مشروع دو بوتون و«الاستشارة الفلسفية» كمهنة.

وفي عام 2008، شارك دو بوتون في تأسيس «مدرسة الحياة» (The School of Life) في لندن، وهي مؤسسة تستخدم الفلسفة وعلم النفس والأدب والفنون في تناول مسائل العلاقات والعمل والقلق والمعنى والوعي بالذات. وهي تقدم أيضاً خدمات علاجية نفسية، لكنها لا تختزل نفسها في الفلسفة ولا تقدم الفلسفة باعتبارها بديلاً عن العلاج النفسي.

ما يهمنا في تجربة دو بوتون هو نجاحه في بناء بنية ثقافية مؤسسية تعيد أفكار الفلسفة إلى الجمهور الواسع: كتب، ودورات، ومحاضرات، وورش، ومحتوى موجه إلى الحياة اليومية.

لذلك، من الأدق أن نصف تجربته بأنها أحد النماذج المعاصرة لإعادة الفلسفة إلى الحياة العملية، لا الأصل المؤسسي للاستشارة الفلسفية الحديثة.

الخيط الرابط: من التاريخ إلى التعريف

بعد هذه الرحلة، يمكننا أن نرى خيطاً يربط المحطات الأربع.

الرواقية والأبيقورية قدمتا جانباً من الأدوات: فحص الأحكام، والتمييز بين ما نسيطر عليه وما لا نسيطر عليه، وترتيب الرغبات.

مونتين قدم روح الفحص الذاتي: الشك، والحوار مع الذات، وعدم الاستسلام للإجابات الجاهزة.

آخنباخ نقل هذه الروح في العصر الحديث إلى ممارسة فلسفية مستقلة ومجال مهني محدد.

أما دو بوتون، فقدم نموذجاً واسع الانتشار لإعادة الفلسفة إلى الثقافة اليومية ومشكلات الإنسان المعاصر.

وما يجمع هذه المحطات ليس أنها تقول الشيء نفسه، بل أنها تشترك في فكرة أوسع: أن الفلسفة لا تتعلق بما نفكر فيه فقط، بل أيضاً بالطريقة التي نعيش بها.

ما هي الاستشارة الفلسفية؟

يمكننا الآن تقديم تعريف أكثر دقة:

الاستشارة الفلسفية ممارسة معاصرة تستخدم الحوار والتحليل الفلسفي لمساعدة الفرد على فحص الأسئلة والمشكلات الوجودية والقيمية واتخاذ موقف أكثر وعياً منها، من دون أن تقدم نفسها علاجاً للاضطرابات النفسية.

وإذا نظرنا إلى هذا التعريف، وجدنا فيه عناصر أساسية:

  1. إنها ممارسة ذات إطار مهني:
    ليست مجرد دردشة فلسفية. توجد جمعيات واتجاهات ومدارس مختلفة في الممارسة الفلسفية، وإن لم يكن هناك معيار مهني عالمي موحد يحكم المجال كله.
  2. تركز على الإنسان وتجربته:
    غالباً ما تكون حواراً فردياً، لكنها قد تتخذ أيضاً أشكالاً جماعية. موضوعها ليس «الفرد» بوصفه حالة سريرية، بل الإنسان بوصفه صاحب أسئلة وقيم واختيارات.
  3. تتناول مسائل حياتية ووجودية وقيمية:
    الحيرة، والمعنى، والاختيار، والمسؤولية، والخوف من الموت، والتناقض بين القيم والأفعال، والعلاقات، والعمل، وغيرها من الأسئلة التي لا تكون في ذاتها مرضاً نفسياً.
  4. تعتمد حواراً فلسفياً منظماً:
    يمكن أن تستخدم الطريقة السقراطية، والتحليل المنطقي، واختبار الافتراضات، وتفكيك المفاهيم، وفحص القيم والحجج.
  5. تهدف إلى الوضوح لا إلى «الشفاء» بالمعنى الطبي:
    ليس المقصود إزالة عرض سريري، بل توسيع قدرة الإنسان على فهم نفسه ومواقفه وخياراته.

ما ليست عليه الاستشارة الفلسفية؟

لتكتمل الصورة، من الضروري أن نوضح ما لا ينبغي أن تدّعيه الاستشارة الفلسفية:

ليست علاجاً نفسياً:
لا تُقدَّم بوصفها علاجاً للاكتئاب السريري أو اضطرابات القلق أو الصدمات النفسية أو غيرها من الاضطرابات. وإذا ظهرت علامات تشير إلى حالة تحتاج إلى تقييم نفسي أو طبي، فإن الإحالة إلى متخصص مؤهل تصبح ضرورية.

ليست إعطاء نصائح جاهزة:
لا يقول المستشار: «افعل كذا». بل يساعد الشخص على فحص خياراته وافتراضاته وأسبابها ونتائجها.

ليست وعظاً أخلاقياً:
لا تفرض منظومة قيم جاهزة على الآخر. لكنها، في الوقت نفسه، لا تكتفي بالقول: «هذا صوابك أنت». فالفلسفة تفحص القيم أيضاً: هل هي متسقة؟ ما مبرراتها؟ وهل تتناقض مع قيم أخرى يعلن الشخص التزامه بها؟

بعبارة أخرى، لا يقول المستشار: «سأعطيك قيمك»، ولا يقول: «كل قيمة تختارها صحيحة»، بل يقول: لنختبر معاً ما تؤمن به ولماذا.

ليست درساً في تاريخ الفلسفة:
يمكن أن نستعين بكانط أو أرسطو أو نيتشه، لكن الغرض ليس امتحان الشخص في تاريخ الأفكار، بل استخدام الفلسفة لفحص تجربته هو.

وليست بديلاً عن العلاج النفسي:
وقد يتجاور الاثنان في حياة الشخص نفسه، متى كان ذلك مناسباً، لأن وجود حاجة إلى علاج نفسي لا يلغي بالضرورة وجود أسئلة فلسفية عن المعنى والقيم والحياة. لكن لكل مجال حدوده وأدواته ومسؤوليته المهنية.

من هو المستشار الفلسفي؟

بعد أن عرّفنا الاستشارة الفلسفية، يبقى السؤال: من هو المستشار؟

هو شخص يحتاج إلى الجمع بين عدة عناصر:

أولاً: خلفية فلسفية حقيقية.
وليست بالضرورة شهادة أكاديمية بعينها في كل السياقات، لكنها تتطلب إلماماً بالأدوات الفلسفية والمناهج، والقدرة على تحليل الحجج وتفكيك المفاهيم وفهم الاختلاف بين المدارس والمواقف.

ثانياً: مهارات حوارية.
القدرة على الاستماع، وطرح الأسئلة، وعدم استعجال الإجابة، ومساعدة الآخر على رؤية الافتراضات التي يقوم عليها تفكيره.

ثالثاً: وعي أخلاقي بحدود الممارسة.
على المستشار أن يعرف ما يستطيع التعامل معه وما يتجاوز اختصاصه، وأن يحيل إلى متخصص نفسي أو طبي عندما تستدعي الحالة ذلك.

رابعاً: تدريب في الممارسة الفلسفية.
فمعرفة تاريخ الفلسفة وحدها لا تجعل الشخص مستشاراً. يحتاج العمل مع الناس إلى تدريب على الحوار والممارسة والأخلاقيات والحدود المهنية.

لذلك، ليس كل دارس للفلسفة مستشاراً فلسفياً، كما أن امتلاك مهارات عامة في الإرشاد لا يكفي وحده لممارسة الاستشارة الفلسفية.

تمرين فلسفي: أين أنت من هذا التاريخ؟

بعد قراءة هذا المقال، خذ دقيقة واسأل نفسك:

  1. أي من هذه المحطات تشعر بأنها الأقرب إليك؟
    هل أنت رواقي يبحث عن التمييز بين ما يستطيع التحكم فيه وما لا يستطيع؟ أم أبيقوري يريد ترتيب رغباته؟ أم مونتيني يتعلم العيش مع شكه؟ أم أنك تجد نفسك أقرب إلى فكرة الممارسة الفلسفية الحديثة والحوار حول مشكلات الحياة؟
  2. ما الأداة التي تحتاج إليها اليوم؟
    هل تحتاج إلى إعادة النظر في حكمك على حدث ما؟ أم إلى ترتيب رغباتك؟ أم إلى الشك في اعتقاد اعتدت اعتباره بديهياً؟ أم إلى فحص قيمة تتخذ على أساسها قراراً؟
  3. اكتب في دفتر ملاحظاتك: «الأداة الفلسفية التي أحتاج إليها اليوم هي…»

ثم لا تتعجل ملء الفراغ. ربما تكون لحظة التفكير فيه هي بداية الاستشارة نفسها.

(*) راجع مقالات الكاتب نفسه على الرابط الآتي: 180post

Print Friendly, PDF & Email
يوسف أيوب

كاتب وأكاديمي لبناني

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  في الطَّمَع والقَّناعَة