فرنسا.. حين تصل أزمة النموذج الرأسمالي إلى المدرسة

لا يمكن فهم تظاهرات التلامذة في فرنسا، التي اتسعت منذ أواخر أيلول/سبتمبر 2026، باعتبارها مجرد احتجاج على نقص المدرّسين واكتظاظ الصفوف وتردّي البنية التحتية للمدارس، ولا اختزالها في اتهام اليسار "المتشدد" بالوقوف وراءها. فهذه التظاهرات، على الرغم من خصوصية مطالبها المباشرة، تندرج ضمن أزمة اجتماعية أوسع، ترتبط بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية الفرنسية والأوروبية، وبالتناقضات المتفاقمة للرأسمالية العالمية.

انطلقت الحركة من احتجاجات على نقص المدرّسين، ثم امتدت إلى مؤسسات تعليمية عديدة، رافعة مطالب تتعلق باكتظاظ الصفوف، وتردّي بعض المباني المدرسية، وضغط البرامج الدراسية، والقلق من نظام القبول في التعليم العالي، ولا سيما منصة Parcoursup.

وبحسب صحيفة «لوموند»، شاركت أكثر من ألف مؤسسة تعليمية في التحركات في الأول من تشرين الأول/أكتوبر، أي ما يقارب ربع المؤسسات الثانوية في البلاد. كما بلغ متوسط عدد التلامذة في الصفوف الثانوية العامة والتكنولوجية 30.5 تلميذاً في القطاع العام، مقابل 29.3 في القطاع الخاص المتعاقد مع الدولة. وأفادت البيانات الرسمية بأن نحو 10% من ساعات التدريس في الثانويات لم تُقدَّم خلال العام الدراسي.

هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات إدارية، بل تكشف اختلالاً في شروط أداء المدرسة العامة لوظيفتها. فالمدرسة ليست مؤسسة معزولة عن المجتمع؛ إنها جزء من منظومة إعادة إنتاج الحياة الاجتماعية، وتتحدد قدرتها على توفير التعليم بمدى توافر الموارد البشرية والمادية، وبالسياسات التي تحكم توزيع الثروة والإنفاق العام.

وحين تتعرض الخدمات العامة للضغط، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وهشاشة شروط العمل، لا تبقى آثار الأزمة محصورة في قطاع بعينه، بل تمتد إلى الأسر والعاملين والتلامذة ومستقبلهم الاجتماعي.

التناقضات ضمن المركز الرأسمالي

من هنا، ينبغي وضع أزمة التعليم في سياق التحولات التي شهدتها فرنسا وبلدان أوروبية أخرى خلال العقود الماضية، مع توسع السياسات النيوليبرالية التي أعطت الأولوية لضبط الإنفاق العام والتنافسية وخفض كلفة العمل، ووسّعت، في قطاعات مختلفة، نطاق إخضاع الخدمات الاجتماعية لمعايير الكلفة المالية. ولا يعني ذلك أن كل مشكلة تعليمية ناجمة عن سياسة واحدة، بل إن هذه السياسات تشكل جزءاً من الإطار الذي تتحدد ضمنه الموارد المتاحة للتعليم والصحة والنقل وسائر الخدمات العامة.

لكن الأزمة لا تتوقف عند حدود النموذج الاجتماعي الفرنسي أو الأوروبي. فهذه الاقتصادات تعمل ضمن نظام رأسمالي عالمي تتصاعد داخله التناقضات بين مراكزه الكبرى، في ظل التحولات التي يشهدها توزيع القوة الاقتصادية والتكنولوجية والاستراتيجية.

فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على تفوقها ومواقعها في الأسواق العالمية، بينما تحاول القوى الأوروبية حماية مصالحها الصناعية والتجارية والاستراتيجية. ويضاف إلى ذلك صعود الصين اقتصادياً وتكنولوجياً، وقدرة روسيا على تحدي جوانب من الترتيبات الأمنية الغربية، وتنامي أشكال التعاون بين دول تسعى إلى توسيع هامش استقلالها عن الهيمنة الأميركية.

لا يعني ذلك أن جميع هذه القوى تتحرك وفق مشروع واحد، أو أن مصالحها متطابقة، بل إن التنافس بينها يعكس صراعاً على الأسواق والموارد والتكنولوجيا ومواقع النفوذ. كما أن هذا التنافس لا يلغي المصالح المشتركة التي تربط مراكز النظام الرأسمالي العالمي.

في هذا السياق، تسعى القوى الكبرى إلى حماية مواقعها وتحميل غيرها قسماً من أعباء التحولات الاقتصادية والجيوسياسية. وتظهر الخلافات الأميركية ـ الأوروبية، مثلاً، في السياسات التجارية، وتقاسم أعباء الدفاع، والتنافس الصناعي والتكنولوجي. وهكذا، لا تقتصر الأزمة على التنافس مع القوى الصاعدة، بل تشمل أيضاً التناقضات بين القوى التي تنتمي إلى المنظومة الرأسمالية الغربية نفسها ومراكز الإمبريالية.

العسكرة وأولوية توزيع الموارد

لا يمكن فصل تصاعد العسكرة وإعادة التسلح في الولايات المتحدة وأوروبا وكندا واليابان عن هذا التنافس على شكل النظام الدولي. فالتسلح لا يقتصر على الاستجابة لمخاوف أمنية، بل يرتبط أيضاً بالصناعات والتكنولوجيا وسلاسل التوريد والمواد الاستراتيجية ومناطق النفوذ.

وتشير بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أن الإنفاق العسكري العالمي بلغ 2.887 تريليون دولار عام 2025، بزيادة حقيقية قدرها 2.9% عن العام السابق. وارتفع الإنفاق في أوروبا بنسبة 14%، ليصل إلى 864 مليار دولار، فيما ارتفع في آسيا وأوقيانوسيا بنسبة 8.1% إلى 681 مليار دولار. وفي العام نفسه، زاد الإنفاق العسكري الكندي بنسبة 23%، والياباني بنسبة 9.7%.

تكشف هذه الأرقام اتساع موجة إعادة التسلح، وما تفرضه من سؤال حول الموارد المتاحة للتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية. فالمسألة تتعلق بالخيارات السياسية والمالية، وبكيفية توزيع الموارد والأعباء داخل كل مجتمع.

ومع ذلك، يظل التناقض قائماً: تستطيع الدول تعبئة موارد ضخمة لتعزيز قدراتها العسكرية، فيما تواجه قطاعات كالتعليم والصحة مشكلات مزمنة في التمويل والتوظيف وشروط العمل. وهنا يصبح السؤال عن الأولويات سؤالاً اجتماعياً وطبقياً: ما الذي يُقدَّم بوصفه ضرورة استراتيجية لا تحتمل التأجيل، وما الذي يُترك رهناً بقيود الموازنات وإجراءات التقشف؟

كما أن الإنفاق العسكري يخلق أسواقاً واسعة للصناعات الدفاعية والتكنولوجية، ويوفر طلباً حكومياً طويل الأجل للشركات المتعاقدة مع الدولة. وبالتالي، فإن إعادة توجيه الموارد تصبح جزءاً من تفاعل المصالح الاقتصادية والاستراتيجيات العسكرية والقرارات الحكومية.

وهكذا قد يصبح التنافس الدولي وسيلة لإعادة تنظيم الاقتصاد وتحديد أولوياته، بينما تتحمل الفئات الاجتماعية الشعبية داخل كل دولة قسماً من كلفة هذه الخيارات.

إقرأ على موقع 180  المخرج محمد سويد في سينماه المؤجلة.. التجريب والنحت والاكتشاف

من يتحمل كلفة الأزمة؟

حين يتراجع تمويل الخدمات العامة، وتتحول الأجور وشروط العمل إلى موضوع دائم للصراع، لا يمكن فهم هذه الظواهر بمعزل عن توزيع الثروة والسلطة. فالتنافس بين المراكز الرأسمالية على الأسواق والأرباح والتكنولوجيا يجري بالتوازي مع صراعات داخلية حول توزيع الموارد وأعباء الأزمات.

قد تستفيد قطاعات من رأس المال من العقود العسكرية أو من إعادة تنظيم الإنتاج حول «الأمن الاستراتيجي»، بينما تواجه قطاعات أخرى من المجتمع ارتفاعاً في تكاليف المعيشة أو تراجعاً في الخدمات أو ضغطاً على شروط العمل. ولا تتطابق هذه النتائج في كل بلد أو قطاع، لكنها تطرح سؤالاً أساسياً: كيف تتوزع منافع الخيارات الاقتصادية والاستراتيجية وكلفتها؟

من هذا المنظور، لا تبدو أزمة التعليم مجرد مشكلة في إدارة المدارس، بل جزءاً من سؤال أوسع يتعلق بعلاقة المجتمع بالثروة التي ينتجها، وبالآليات التي تحدد أولويات الإنفاق وتوزيع الموارد.

هل اليسار «المتشدد» وراء التظاهرات؟

في مواجهة الحركة، برز اتهام قوى من اليسار «المتشدد» باستغلال الاحتجاجات وتوجيهها سياسياً. ومن الضروري هنا التمييز بين نشوء الحركة، والقوى التي تساندها، والمسؤولية عن أعمال العنف والتخريب التي رافقت بعض التحركات؛ فوجود أحزاب أو تنظيمات تسعى إلى التأثير في الاحتجاج لا يثبت أنها أنشأته أو تتحكم به. وقد أظهرت الوقائع أن الحركة انطلقت من مطالب تعليمية ملموسة، ثم اتسعت بسرعة، بينما حاولت قوى سياسية ونقابية التأثير في مسارها، في ظل أجواء احتقان شعبي واعتراض على سياسات عامة تزيد الضغوط المرتبطة بكلفة الحياة. كما أقر وزير التعليم بأن للحركة مطالب مشروعة، بالتوازي مع تأكيده ضرورة معالجة أعمال العنف وحماية المؤسسات التعليمية.

أما تحويل النقاش من أسباب الأزمة إلى هوية المحتجين فلا يقدم تفسيراً كافياً لما يجري. فحتى لو ثبت أن قوى سياسية تسعى إلى توظيف التظاهرات، يبقى السؤال قائماً: ما الشروط التي جعلت هذا الاحتجاج ممكناً؟ وما الذي راكم غضب التلامذة وأسرهم، ودفع الأساتذة إلى التضامن معهم؟

إن الأسباب الاجتماعية لا تزول بمجرد اتهام جهة سياسية باستثمارها، كما أن مشروعية بعض المطالب لا تعفي مرتكبي العنف من المسؤولية عن أفعالهم. ويبقى، في الوقت نفسه، من الضروري التثبت من المسؤولية الفعلية عن أعمال العنف وعدم نسبتها إلى الحركة بمجملها من دون دليل.

ما أفق الحركة الاحتجاجية؟

يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع هذه الحركة تجاوز المطالب المباشرة وفتح أفق اجتماعي أوسع؟

لا يتحول التذمر من تدهور التعليم تلقائياً إلى وعي بطبيعة الأزمة الاجتماعية، ولا إلى مشروع لتغيير الشروط التي تنتجها. فقد ينحصر الاحتجاج في انتزاع مطالب جزئية، أو يتراجع مع الوعود الحكومية، أو يجري احتواؤه وإعادة توجيهه. لكنه قد يفتح أيضاً مجالاً لتطور الوعي والممارسة، إذا ارتبطت المطالب التعليمية بنضالات العاملين في التعليم وسائر القطاعات الاجتماعية، وبالدفاع عن الأجور وشروط العمل والخدمات العامة.

المسألة الحاسمة ليست حجم الاحتجاج وحده، بل قدرته على تجاوز التذمر المتفرق نحو إدراك الروابط بين المشكلات اليومية والبنية الاقتصادية والاجتماعية التي تنتجها، وعلى بناء أشكال تنظيم وتضامن تمنحه استمرارية وأفقاً يتجاوزان الاستجابة الظرفية.

وهذا ليس مساراً حتمياً؛ فهو يتوقف على موازين القوى، ودور التنظيمات النقابية والسياسية، وقدرتها على تحويل المطالب المباشرة إلى فعل جماعي واعٍ بمصالحه وشروط تحقيقها. فالأزمات لا تنتج وحدها بديلاً، والاحتجاج لا يتحول تلقائياً إلى تغيير تاريخي.

إن أهمية الحركة لا تكمن في افتراض أنها تحمل منذ بدايتها مشروعاً لتغيير النظام، بل في الإمكانات التي قد تفتحها أمام تطور الصراع الاجتماعي. فحين ترتبط المطالب اليومية بإدراك أوسع للتناقضات التي تحكم توزيع الثروة والموارد، يمكن للنضالات الجزئية أن تسهم في تغيير موازين القوى، بدلاً من أن تبقى احتجاجات عابرة.

في المحصلة، لا يتعلق الأمر بأزمة مدرسة فحسب، بل بعلاقة المجتمع بالثروة التي ينتجها، وبالأولويات التي تحكم توزيعها. ومن هنا يبدأ فهم تظاهرات التلامذة في فرنسا بوصفها تعبيراً عن أزمة أوسع، لا مجرد مشكلة تعليمية أو سجال سياسي حول الجهة التي تقف وراء الاحتجاج.

Print Friendly, PDF & Email
طنوس شلهوب

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني مقيم في كندا

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  الفصل بين المقدس والسياسي: مناظرات ما بعد الثورة في إيران (1)