نحن أمام أوضاع مستجدة قد تفضي، عاجلاً أم آجلاً، إلى أزمة وجودية في قلب إسرائيل، حول طبيعة الدولة وفرص تفكيك نظامها العنصري، وهو ما قد يؤسس لـ«دولة لكل مواطنيها»، في مواجهة دولة فلسطينية يعترف بها العالم من دون أن تتوفر لها أي مقومات وجود أو حياة.
المستقبل يطل على المشهد المأساوي بسيناريوهات لم تكن متوقعة، ومصيرها في النهاية سوف يصنعه الفلسطينيون بأنفسهم، على أرضهم التاريخية لا خارجها.
تداعيات الانتخابات وما بعدها أوسع وأخطر من أن تتلخص في أسئلة تشكيل حكومة جديدة، وفرص كل معسكر انتخابي، ومصير رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والوزيرين المتطرفين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
لم يكن حصد القائمتين العربيتين 19 مقعداً في الكنيست الإسرائيلي حدثاً اعتيادياً بأي حساب سياسي. إنه مشروع انقلاب استراتيجي.
هكذا بالضبط كان المجتمع العربي الأعلى مشاركة في التصويت، إذ تجاوزت نسبة الاقتراع فيه 80%، فيما بلغت نسبة التصويت العامة أكثر من 77%.
الأرقام بذاتها تكشف حجم التعبئة العامة في المجتمعين العربي واليهودي معاً.
لم تسفر الانتخابات عن أي حسم يسمح بتشكيل حكومة جديدة.
حصد معسكر نتنياهو 53 مقعداً من أصل 120، بفارق ثمانية مقاعد عن الأغلبية المطلوبة، وهي 61 مقعداً، لتشكيل حكومة جديدة.
كان ذلك نصف انتصار فاق أي توقعات سابقة، لكنه كان في الوقت نفسه نصف هزيمة.
تصدُّر الليكود النتائج سمح لنتنياهو بأن يقول إنه «الحزب الأكبر والأقوى والأحق بتشكيل الحكومة»، لكن ذلك لم يكن كافياً للبقاء مجدداً على رأسها.
بدا مصيره معلقاً على الطريقة التي سوف يتصرف بها خصمه الرئيسي غادي آيزنكوت، الذي حصد معسكره للتغيير 48 مقعداً.
إذا توصل معسكر التغيير إلى تفاهم ما مع القائمتين العربيتين، فسوف تتوفر له أغلبية مريحة من 67 مقعداً، تتيح إزاحة نتنياهو من المشهد السياسي، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة بشأن إخفاق السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، الذي تهرّب من مسؤوليته والمحاسبة عليه لأكثر من ثلاث سنوات، والمضي قدماً، في الوقت نفسه، في إجراءات محاكمته جنائياً بتهم تتعلق بالرشوة والفساد والاحتيال، قد تودعه خلف قضبان السجون.
هذا سيناريو متاح نظرياً لاكتساب أغلبية الكنيست، لكنه صعب للغاية وفق الاعتبارات العنصرية السائدة في إسرائيل.
الاتجاه الغالب في معسكر آيزنكوت يستبعده تماماً، رغم أن القائمتين العربيتين تعرضان التصويت لصالحه من دون اشتراط الحصول على حصة في التشكيل الحكومي.
كل ما تريدانه، رسمياً وعلنياً، إلحاق الهزيمة الكاملة بمعسكر نتنياهو وسياساته العنصرية التي تنتهك كل حق عربي.
الطرفان، العربي ومعارضو نتنياهو، لديهما الهدف نفسه، لكن مواقفهما بعد ذلك تتناقض بصورة فادحة.
باستثناء كتلة يسارية محدودة، لا أحد آخر مستعد لاستمداد شرعية الحكومة من دعم النواب العرب.
وبالمفارقة، أكد استطلاع رأي أجرته الجامعة العبرية، في أوساط مؤيدي معسكر آيزنكوت، أن أكثر من 60% منهم يؤيدون الشراكة مع النواب العرب.
وفي الوقت نفسه، خرج مئات العرب واليهود في تظاهرة بقلب تل أبيب تتبنى الدعوة نفسها.
وبرغم ذلك كله، يصعب على قادة الأحزاب الرئيسية في معسكر آيزنكوت، أمثال نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، تقبّل أي نوع من الشراكة مع القائمتين العربيتين، حتى لو اقتصرت على إسقاط نتنياهو، عدوهما المشترك، من خلال حكومة جديدة يشكلها ذلك المعسكر وحده.
إنها العنصرية المفرطة.
الخيار الآخر، الذي تزكّيه إدارة دونالد ترامب تأهباً لجولة جديدة من الحرب على إيران، بعد الانتخابات النصفية الأميركية مباشرة، يحبّذ تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم المعسكرين معاً، ويتناوب على رئاستها نتنياهو وآيزنكوت، على التوالي.
هذا الخيار المدعوم أميركياً يحظى بتأييد 12% في استطلاع الجامعة العبرية، فيما يفضّل 20% العودة إلى صناديق الاقتراع.
الخيارات كلها ملغّمة؛ أولها يطعن في شرعية الحكومة لاستنادها إلى غطاء عربي، وثانيها مشكوك فيه بحكم إرث نتنياهو في التلاعب والتحايل والمراوغة.
سوف يصرّ نتنياهو على أن يتولى رئاسة الحكومة أولاً، من دون أن يكون مؤكداً أن آيزنكوت سوف يصعد إلى المنصب نفسه لاحقاً.
هذا ما حدث، على نحو مماثل، في تجربة حكومة الوحدة الوطنية عام 2020 بين معسكري نتنياهو وبيني غانتس، حيث احترق الثاني سياسياً، ولم تقم له قائمة بعد ذلك.
قادة أحزاب معسكر التغيير خرجوا جميعهم تقريباً من تحت عباءة نتنياهو، ولكل منهم تجربة مريرة معه، ومع ذلك ليس مستبعداً أن يقعوا في فخاخه مجدداً.
أما الخيار الثالث، وهو العودة المحتملة إلى صناديق الاقتراع، فمن الأرجح، وفق هذا السيناريو، أن يكسبه نتنياهو، وأن تتآكل في المقابل قوة تماسك معسكر التغيير، أو أي قدرة مفترضة لديه على تقديم بديل متماسك وقوي.
إنها هزيمة مجانية ومبكرة، ثمناً لعدم القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في وقته.
يدرك نتنياهو الفرص المتاحة أمامه، ويعمل على أساس إثارة المخاوف لتغيير بوصلة الأحداث.
يحاول بلا كلل نزع الشرعية عن أي دعم عربي محتمل لمعسكر آيزنكوت يمكّنه من تشكيل حكومة جديدة، ويعتبر ذلك تخلياً عن إسرائيل وتحالفاً مع الإرهاب الفلسطيني.
ويزعم، من دون دليل، أن الانتخابات سُرقت، وأن القائمتين العربيتين تلقتا تمويلاً من دولة عربية بعينها.
ولتعطيل انعقاد الكنيست، طلب تحقيقاً من الشاباك في تلك الاتهامات المرسلة، حتى لا يسارع المجلس إلى انتخاب رئيس جديد والشروع في اتخاذ إجراءات قد تنال منه بقوة الأغلبية.
بالإضافة إلى ذلك كله، هناك سيناريو غير مستبعد في استراتيجيته، يتمثل في محاولة جذب أصوات مؤثرة من تحالف التغيير إلى صفه، لردم فجوة المقاعد الثمانية المتبقية لتشكيل حكومة برئاسته.
سوف يفعل كل شيء، وأي شيء، مقابل البقاء رئيساً للحكومة الإسرائيلية، مدركاً أن حكومة جديدة بدعم عربي قد تفضي تداعياتها إلى تفكيك النظام العنصري الإسرائيلي على المديين المتوسط أو البعيد، وفتح صفحة جديدة في قصة الصراع على المنطقة.
إنه مشروع انقلاب استراتيجي سوف يأخذ وقته حتى تستبين كل حقائقه.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
