حين تُقتلع شجرة الزيتون.. هل تُبتر ذاكرة الأرض؟

تكاد لا تخلو مائدة فطور في بلدان عدة من حبات الزيتون وزيتها، وخصوصاً في بلاد الشام. وفي المثل الشعبي، أن البيت الذي توجد فيه حبات الزيتون لا يعرف الجوع.

يحمل الزيتون مجموعة من المعاني الإنسانية في ثقافات العالم القديم والحديث، وأبرزها أنه رمز للسلام والبركة والأمل والصمود والمصالحة. وقد اختلفت دلالاته بحسب الحضارة التي تظهر فيها شجرة الزيتون؛ ففي الميثولوجيا اليونانية ارتبطت شجرة الزيتون بالإلهة «أثينا»، إلهة الحكمة، وصارت رمزاً للمنفعة والخصب.

أما في روما القديمة، فارتبطت الشجرة بالسِّلم عموماً، وقد استُخدمت في مجالات عدة، ومنها العناية بصحة الجسد.

وفي قصة النبي نوح والطوفان، في سفر التكوين، يُروى أن الحمامة عادت تحمل غصن زيتون، وبعدها ارتبطت الصورة بالأمل بعد الكارثة، وانحسار المياه وحلول اليابسة.

أما في حوض البحر المتوسط، فيرتبط الزيتون بالحياة الريفية والأرض الموروثة والرزق والاستمرارية بين الأجيال، ويُعدّ رمزاً للهوية والتجذّر والتشبث بالأرض.

***

قبل نحو سبعة آلاف عام، عرف سكان بلاد الشام زراعة الزيتون واستخراج زيته، حتى أصبح من أهم محاصيلهم الزراعية، وازدهرت تجارته حتى وصلت إلى مصر وقبرص وشمال أفريقيا.

في المسيحية، يحمل الزيتون وأغصانه معاني السلام الإلهي، وفي الإسلام هو الشجرة المباركة التي وردت في القسم الإلهي.

ولعل ما يجعل الزيتون رمزاً مميزاً هو أن شجرته تعيش قروناً طويلة، وتتحمل الجفاف، وتثمر مجدداً برغم الظروف البيئية المختلفة والقاسية أحياناً. لذلك ارتبط هذا الشجر في المخيال الإنساني بالحياة المتجددة والجذور الراسخة.

وبقيت المعاني الروحية تمنح شجرة الزيتون مكانة فضلى حتى يومنا هذا.

***

في الضفة الغربية من فلسطين المحتلة، وجد المحتل في شجرة الزيتون وسيلة لتهديد وجود أهل الأرض؛ كونها تشكّل معنى لحياتهم. فحين قامت جرافات الجيش الإسرائيلي باقتلاع أشجار الزيتون، حاول أصحاب الأرض التصدي لها بكل ما استطاعوا. وفي بعض القرى، ومنها قرية الطيبة المسيحية، أفلت المستوطنون كلابهم في الحقول لمنع الناس من الوصول إلى زيتونهم.

ويقول أحد المواطنين الفلسطينيين من أبناء الضفة الغربية، ممن اقتُلعت أشجار زيتونهم: «البني آدم بلا أرضه بيسواش إشي، الحياة صارت عدم بدون أرض». هو لم يقل إن الحياة صارت عدماً من دون الزيتون، إنما وصل الزيتون بالأرض والحياة، وصارت، بمفهومه، الحياة والأرض تساويان شجر الزيتون، وهذا ما يُكسب شجرة الزيتون معانيها الروحية.

وتقول سيدة أخرى مسنّة من أهل الضفة الغربية: «كنا نزرع أشجار الزيتون حتى لا يقترب المستوطنون من الأرض»، باعتبارها رمزاً للوجود والصمود، «وكنا ننتظر الموسم لنسدّ به مصاريف جامعات أولادنا».

في جنوب لبنان، صارت أشجار الزيتون لا سيما تلك المعمرة هدفاً قائماً بذاته، حيث أتى الاحتلال بشركات ومستوطنين قاموا باقتلاعها ونقلها لتزرع في قلب المستوطنات، فيما تم تدمير ما تبقى من حقول زيتون وأشجار مثمرة كجزء من مشهد التجريف والتدمير في شريط القرى الأمامية وبعمق وصل إلى ما بين سبعة إلى عشرة كيلومترات.

***

تكاد مواسم القطاف لا تخلو من ذكريات جميلة، حيث كانت تُشحذ الهمم، وتتضافر الجهود، وتتحول الحقول إلى ما يشبه خلايا نحل، تعلو فيها الأهازيج والأغاني الشعبية والتراثية الحماسية، ويقود فرقتها الأجداد، للتحايل على التعب وإبعاده، ونسيان عناء الساعات الطويلة من العمل.

أما الزاد من الطعام، فكان عبارة عن مأكولات بيتية سريعة الإعداد من مطبخ الجدة، وفيه أيضاً حبات الزيتون المملحة الطازجة، والزيت والزعتر وكوب الشاي الدافئ. أما التحلية، فكان يحملها جدي في سرواله، وهي عبارة عما تركته لنا الأشجار من أكواز الرمان وحبات الزعرور والجوز.

وأذكر حين كنا نساعد جدي في موسم القطاف، أنه كان يوعز إلينا ألا نترك حبة على الأرض؛ فباعتقاده، قد تأتي البركة والرزق من أي حبة تقع على الأرض. وكان ممنوعاً علينا أن نضرب غصناً بالقصب، أو حتى أن نشدّه بعنف كي لا ينكسر. وفي إحدى المرات، وقع والدي عن الشجرة، فانكسر أحد أغصانها، فسارع جدي نحو الغصن غاضباً، ونسي أن والدي مصاب من أثر السقوط.

***

لقطاف الزيتون طقوس وحكايات، كانت تجدّد صلة الإنسان بأرضه، وتحيي لمّة العائلة، وتتيح فرصة ليتشارك فيها الجميع بروح التنافس، حيث يُقسَّم الجهد بلهفة لإنجاز مهمة الحصاد، ولو كان خاسراً أحياناً. لكنها لحظات من الفرح بعيدة عن التشويه الحضاري ومحتويات أجهزة الهواتف التي لم تكن قد دخلت حياتنا بشكلها الحالي.

تخبرني إحدى الأمهات أن أولادها المغتربين في فرنسا لم تكن تطيب لهم زيارة لبنان إلا في موسم الزيتون؛ حباً بأجواء القطاف والتفاف الأسرة. هو الحنين برغم التعب وعرق الجبين.

لم أشهد يوماً في جنوب لبنان أن أحد المزارعين قام باقتلاع شجرة زيتون بغية زراعة شجرة أخرى مكانها. ومن الملاحظ في الجنوب اللبناني أن المزارعين يتجنبون قطع أشجار الزيتون لمصلحة بناء البيوت، باحثين دوماً عن البديل.

وتقول إحدى الجنوبيات، وهي تمسك بغصن الزيتون: «لقد ردّت لي الروح. هي مصدر الرزق. من هذا الغصن كنا نجني المال لنعلّم أولادنا، ونخزّن المؤن من الزيت والزيتون، ونصنع الصابون، ومن البذور كنا نشعل نار المدفأة. هي كل البركة.. والبيت الخالي من الزيتون يفتقد للبركة”.

إقرأ على موقع 180  ترسانة روسيا العسكرية في "العراء".. ماذا بعد؟

***

تتملكني الحيرة بشأن سرّ هذه الشجرة المباركة، كما كانت تتملكني حيرة القطاف: هل أعاملها برفق، أم أضربها بالقصب، أو أستخدم الآلة لجذب حباتها، أم أجثو على الأرض لألملم ما تساقط منها؟ هل كنت أفضل الممتلئة منها زيادةً في المحصول، أم قليلة الحمل فنرتاح من عناء قطافها؟ ومن يحدد طرق القطاف: نحن أم أجدادنا؟

الشجرة لا تنفصل عن الأرض بالمعنى الفيزيائي والنفسي، وشجر الزيتون من مسوغات الحياة والروح الجمعية المتجذرة والمشتركة لأهل الأرض. فبعد هدم البيوت وتجريفها، ذهب المحتل لمحو كل الشواهد التي قد تنشّط الذاكرة والانتماء لأهل الأرض وتاريخ وجودهم.

ولأن شجرة الزيتون تعيش قروناً، فقد يقطف الإنسان ثمار شجرة زرعها أجداده، ثم يورثها لأبنائه. ولذلك يشعر كثيرون بأن اقتلاعها يعني فقدان جزء من تاريخ العائلة. ولأنها كذلك، أخذت شجرة الزيتون رمزية الصمود والمقاومة، لتجذّرها في عمق الأرض والتاريخ.

ويقول أحد أبناء قرى الجنوب اللبناني، التي احتُلت في حرب 2026، إنه عندما ذهب إلى بلدة محاذية ليرى قريته المحتلة عن بُعد، «شعرت بأن الروح رُدّت إليّ»، برغم مشهد الدمار وقطع أشجار الزيتون وإحراقها. وحين طلبت تفسيراً أعمق لمشاعره، أوعز إليّ بالذهاب إلى المكان نفسه، وعيش التجربة عن قرب.

***

تحدثت نظريات في علم النفس وعلم الأعصاب عن ظاهرة مرتبطة بالأطراف المبتورة عند الإنسان، وما سُمّي بـ«وهم البتر» أو «متلازمة الطرف الشبح»، وهي ظاهرة نفسية وعصبية.

ترى النظرية أنه بعد بتر أي طرف في الجسد، مثل اليد أو القدم، أو حتى أي عضو داخلي، يشعر الإنسان بأنه ما زال موجوداً في مكانه ومستمرّ الحركة، وقد يصاحبه إحساس حقيقي بالألم أو بالوخز، برغم عدم وجود أي مسوّغ طبي.

ولا يعود مفهوم الظاهرة إلى أن الشخص يتوهّم بالمعنى المعتاد، إنما إلى إحساس حقيقي يعكس كيفية رسم الدماغ لخريطة عصبية في دماغ الإنسان وجسمه. وهذه الخريطة لا تختفي بعد البتر أو تتوقف آلية عملها، إنما تستمر في إنتاج إحساس بوجود الطرف، برغم عدم وجوده على خريطة الجسد، وتواصل إطلاق إشارات عصبية ضاغطة وخاطئة أحياناً، حيث يترجمها الدماغ على أنها قادمة من الطرف الأصلي.

أما الأسباب، فتعود إلى أن المنطقة المسؤولة عن العضو المبتور في القشرة الحسية للدماغ تحاول إعادة تكييف نفسها وربط إشاراتها بالأجزاء المجاورة، ما يختلط معه على الدماغ تفسير الإشارات.

كما ظهر تفسير آخر، وهو ما سُمّي بـ«ذاكرة الأعصاب»، حيث أن النهايات العصبية للعضو المبتور تترك أثرها وآلية عملها من دون توقف، كردّ فعل.

ويُعدّ «أمبروز باريه»، وهو من الجراحين الفرنسيين، من أوائل من وثّقوا الظاهرة طبياً في القرن السادس عشر. أما «سيلاس وير ميتشل»، وهو طبيب أعصاب أميركي، فقد وصف الظاهرة بشكل علمي وأطلق عليها مصطلح «الطرف الشبح» عام 1871، وذلك بعد ملاحظته ودراسته المكثفة للجنود المصابين خلال الحرب الأهلية الأميركية. ولاحقاً، طوّر علماء الأعصاب المفهوم، ومن أبرزهم رونالد ملفاك.

وفي هذا الإطار، يشتكي أحد الأشخاص المبتورة ساقه بسبب داء السكري من أنه يشعر دائماً بحرارة وجودها، وأحياناً يشعر بتنميل ووخز، كما لو كان الطرف موجوداً.

بالمعنى العلمي، «الإنسان ابن الأرض»، أي إن جسمه نشأ من عناصر موجودة في الأرض، من الشجر، كما الماء والغذاء والهواء والحجر والتراب. وفي علم الفيزياء، يُعدّ جسد الإنسان جزءاً أصيلاً من الطبيعة.

بالمعنى الفلسفي، يمكن فهم الإنسان بوصفه ابن الأرض، ليس فقط لأنه مكوّن من عناصرها، بل لأنه مرتبط وجودياً بها؛ فالإنسان لا يصنع نفسه من العدم، ولغته وثقافته وذاكرته وعلاقاته تتشكّل داخل بيئة فيزيائية واسعة.

بالمعنى الوجودي، ليس الإنسان كائناً منفصلاً عن الأرض؛ فهو في الأصل يولد داخل عالم مادي، ويعيش من موارده، ويتفاعل مع الطبيعة، ثم يعود إلى الأرض جسداً.

ختاماً، تنتقل الذكريات الجماعية وآثار التجارب القاسية بين الأجيال عبر الحكايات والتربية والروابط العائلية والثقافية؛ وعليه، فإن الشعور بوجود الشيء المبتور، سواء أكان شجرة أم أرضاً، لا يمكن فضّ إشكاليته مع أصحابه بمرور الزمن، وتُعدّ أرض فلسطين شاهدة على ذلك؛ وتأسيساً على ذلك، فإن أي محاولة اقتلاع أو بتر لما زرعه الإنسان ستبقى، بلا شك، على المستوى السطحي، ولن تصل إلى عمق الجذور النفسية والروحية والعصبية، وستترك ألماً وحرارة في نفوس أصحابها مهما طال الزمن.

Print Friendly, PDF & Email
سلوى الحاج

أخصائية نفسية، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  حرب إسرائيلية.. وانتفاضة فلسطينية