التيارات الفكرية في الخليج العربي 1938-1971

صدر كتاب جديد عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت بعنوان "التيارات الفكرية في الخليج العربي 1938-1971"، لمؤلفه مفيد الزيدي.

عندما حطَّت طائرة جمال عبد الناصر في مطار البحرين في نيسان/ابريل 1955 في طريقه من القاهرة إلى باندونغ لحضور القمة الآفرو-آسيوية، استقبلته الحشود بشكل منقطع النظير… وخرج طلاب المدارس في البحرين بعد العدوان الثلاثي على مصر العام 1956 في مظاهرات واسعة، وأعلنوا عن استيائهم من سياسة بريطانيا الاستعمارية، وهاجم بعض العمال شركات بريطانية واشعلوا فيها النار… واستأثرت شخصية جمال عبد الناصر بمكانة بارزة في أوساط الناس في العربية السعودية وبشكل خاص المثقفين وضباط الجيش والعمال… وأصدر الملك سعود بن عبد العزيز مرسوماً ملكياً في نيسان/ابريل 1955 استدعى فيه جميع الطلاب من الخارج، وقرر حرمان المتخلف منهم عن العودة من حق التمتع بالجنسية السعودية بسبب تأثرهم بالفكر الناصري… وأثناء العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956، تجمّع الكويتيون في الساحات، وأضربوا، ووزعوا المناشير ضد بريطانيا، وجمعوا أموالاً طائلة لدعم مصر، وقرروا إنشاء صندوق تبرعات لإعمار بور سعيد، وتطوع الشباب للذهاب إلى ساحات القتال.. وتفاعل القطريون مع مصر وعبد الناصر أثناء العدوان الثلاثي 56 وخرجت مظاهرات للعمال في شركات النفط، واحتفل الشعب القطري بإعلان الوحدة عام 1958.. وتصدّرت نكبة فلسطين وقضيتها اهتمامات الشعب العربي في الخليج بتياراته ونخبه وكبار التّجار وصغار الكسبة.

لعلّ في النماذج – الوقائع الواردة أعلاه والتي جرت في منطقة الخليج العربي في الفترة ما بين 1938-1971 والتي سنضيء عليها، كما ذكر ووثّق المؤلف مفيد الزيدي، ما يُحيّي ذاكرتنا العربية وسط هذا التلعثم – التخبُّط – الانهزام الذي يعمل البعض على نشره وإحيائه وبثّ سموم التطبيع مع عدو صهيوني ما يزال محتلاً لأرض فلسطين والجولان السوري وأجزاء من جنوب لبنان، وغاصباً لحقوق أهل هذه الأرض، كما لو أنه قدرٌ لا مفر منه.

يُسلّط الكاتب الضوء على تيارات فكرية أربعة تغلّغَلَت في نسيج المجتمع الخليجي في الفترة الممتدة من 1938 إلى 1971، وإن تفاوتت درجات حضورها ومآلاتها وتأثيراتها وامتداداتها، وإن كنا نلحظ من خلال تحقيب الكاتب لتلك الفترات أنها خضعت لما يُشبه التبادل ثنائي القطب، فتفاعل الداخل بما كان يحصل في الخارج، وانتقلت فضاءات الخارج وأحداثه إلى ثنايا ذاك النسيج.. وصولاً إلى انطفاء جمرها وتطاير رمادها، لا سيما التيارات الفكرية القومية منها والماركسية والليبرالية، مع استمرار للتيار الإسلامي كحضور متدين أكثر منه كحضور فاعل على الصعد السياسية وتطبيقاتها.

أربعة فصول تتناول التيارات المُشار إليها، إلى فصل استهلالي عن البُنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الخليج العربي حتى مطلع سبعينيات القرن الماضي، عرض خلالها الزيدي للتحولات الناجمة عن اكتشاف النفط “فتحوّل المجتمع المنتج البسيط إلى مجتمع استهلاكي من دون حصول تنمية حقيقية”(ص30)، ناقلاً عن المفكر الدكتور محمد غانم الرميحي توصيفه لاقتصاد الخليج بالقول “إنه اقتصاد تبرز فيه سمات الاقتصاد المتخلف الأحادي الذي يعتمد بشكل كبير على النفط والسوق العالمية، والتجارة الخارجية، وهو اقتصاد منفتح على الاستيراد يمكن أن يتأثر بأي مشكلة أو تغيير في الاقتصاد العالمي، أو النظام الرأسمالي سلباً أو إيجاباً”.

ويمر المؤلف على توصيف البنى الاجتماعية حيث التركيبة القبلية، والأسر الحاكمة، إلى علماء الدين وأدوارهم، إلى طبقة البرجوازية التي نشأت بعد ظهور النفط، فالتجّار، فالفئة الوسطى، والعمال، ثم الهجرة الأجنبية والعربية “والتي أدّت إلى حدوث مشكلات اجتماعية وسياسية وثقافية، ولا سيما الوافدين العرب بعد أن نقلوا خبراتهم، وكان عدد منهم ينتمون إلى أحزاب سياسية وقوى فكرية سرية وعلنية، وأسهموا في نقل أفكارهم وبرامجهم إلى المجتمع الجديد، وطالبوا بالإصلاح والتغيير في الأوضاع القائمة، ومواجهة الاستعمار الأجنبي، وتحقيق الاستقلال الوطني، والوحدة العربية من المحيط إلى الخليج”.

تبرز طبيعة النظم السياسية في الخليج في القبيلة وحكم المشيخة، والتوريث، في ظل غياب لأي أنشطة ثقافية حتى نهاية القرن التاسع عشر، سواء كان في التعليم أو المكتبات أو الأندية والصحافة المحلية، واعتمدت المدن الرئيسة على الصحافة العربية كالأهرام والأخبار والمصري والهلال والدعوة التي كانت تصدر بمصر، والاستقلال والناس في العراق، والحياة والنهار في لبنان (ص55-56).

وكما كان للنفط تأثيراته الهائلة سلباً وإيجاباً في تلك البنى، فإن لقضايا الأمة المتوهّجة يومها تأثيراتها التي أنارت دروباً فأحدثت خضّات من محاولات التغيير، فبرز ما أسماه وأضاء عليه المؤلف التيار الليبرالي “لا سيما في الكويت والبحرين اللتين شهدتا بداية الحراكات الإصلاحية/الليبرالية في الثلاثينيات من القرن العشرين”(ص98)، متوقفاً عند “أهمية الجوار الجغرافي للعراق الذي تحول إلى أنموذج للمثقفين الكويتيين سواء كان في إدارة الدولة الحديثة أم في الثقافة والتحديث الليبرالي”، فنشأت “حركة المجلس عام 1938 في الكويت”، و”الحركة الإصلاحية عام 1938 في البحرين”، و”حركة الإصلاح في دبي عام 1938″، و”الأمراء الأحرار في السعودية، وغيرها العديد من الجمعيات، وتمحورت اهتمامات هذا التيار الليبرالي حول: الديموقراطية والمشاركة السياسية، الإصلاح الاجتماعي، السفور والحجاب، حرية الصحافة، غير أنه – وكما يستنتج المؤلف – حالت القبيلة “دون تغليب أسس الإصلاح والليبرالية”.

إقرأ على موقع 180  الأسد في موسكو.. وبوتين في الحجر!

أما التيار القومي، فقد بدأ يأخذ حيزاً في الخليج بعد الحرب العالمية الأولى، “وأسهم الوافدون العرب بعد اكتشاف النفط للعمل في استنهاض الوعي الوطني والقومي بين السكان”، و”تكّونت الخلايا الأولى للتنظيمات الفكرية والسياسية في صفوف المثقفين”.

وعلى وقع توالي الأحداث، برزت في تلك الفترة ثلاث قوى رئيسية هي: حركة القوميين العرب، حزب البعث العربي الاشتراكي والناصرية، إلى جانب أندية وجمعيات تعنى بقضايا الأمة والتي تراوحت ما بين التحرر والعروبة والوحدة، وطبعاً فلسطين، وطغيان حضور عبد الناصر. ومع ذلك يخلص المؤلف إلى أن “هذا التيار لم يستطع إحداث تغيير حقيقي في البنى الاجتماعية، والواقع السياسي”، لأسباب منها تأثيرات هزيمة العام 1967، ونخبوية المنتمين لهذا التيار، والتغيرات التي حصلت بعد اكتشاف النفط.

وقبل أن نشير هنا إلى التيار الإسلامي في الفترة التي عالجها المؤلف، نتوقف عند نشوء تيار ماركسي في تلك الفترة أيضاً، فيرصد “أول اعتراف سوفياتي بتولي الملك عبد العزيز الحكم على الحجاز العام 1925، ما لبثت أن انقطعت عام 1932 يوم الإعلان عن تأسيس المملكة السعودية، ولكن- يقول الزيدي- “ومع ذلك أخذ النشاط الشيوعي يتغلغل في صفوف العمال في منشآت النفط”، وكان أول اضراب للعمال العام 1953، وشارك الشيوعيون السعوديون في مؤتمر سري في كانون اول/ديسمبر 1950 في جورجيا.. وأخذت مطبوعة  “راية الكويت” الشيوعية على عاتقها التصدي للتيارين الاسلامي والقومي، وفي البحرين، انتشرت بين صفوف العمال في العام 1954 الافكار الشيوعية، إضافة إلى تشكيل لجان وجبهات حزبية ومنظمات يعددها المؤلف مع تعريفات عنها، وأبرزها تجربة ظفار الماركسية/اللينينية. وقد تمحورت اهتمامات الماركسيين في الخليج العربي بين الاشتراكية العلمية، الامبريالية والاستعمار، اتحاد إمارات الخليج، الأطماع الإيرانية، والقضية الفلسطينية.

ليس مستغرباً أن يكون للتيار الإسلامي مكانة في المجتمع الخليجي، أو أن يحظى بإنشاء جمعيات وأندية الخ، ولكن ما يلفت إنتباه القارئ للمحاور التي عمل هذا التيار على الاهتمام بها هو غياب قضية فلسطين عن برامجها، واقتصار اهتمامهم على  الدعوات لإصلاح المجتمع، الديموقراطية والشورى، وتطبيق الشريعة الإسلامية..

Print Friendly, PDF & Email
منى سكرية

كاتبة وصحافية لبنانية

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  قراءة في إنتخابات المحامين.. "نقابتنا" حجر الأساس للتغيير