صفر الرواتب.. صفر الجوع القادم

هل سنفاجأ بإنتحار أكثر من علي وسامر وناجي وجورج؟ لن نُفاجأ، لكن السؤال، كيف سنتفاعل مع موتهم المدوي؟

لم يهرع كعادته في تلك اللحظة التي ينطلق فيها الخبر على تطبيق “واتس آب” بأن الرواتب قد اصبحت متاحة في ماكينة السحب اليدوي (atm)

جرت العادة ان يترقب بلهفة ما تبقى من أيام في كل شهر وأن يسبق زملاء العمل فيكون أول الواصلين لأقرب آلة لسحب راتبه..

هذه المرة، لم يكن مبالياً لا لنهاية الشهر ولا للراتب الذي توطّنه المؤسسة في مصرف قريب. سأل زميلته قبل ان ينهض متثاقلاً عن كرسيه: شو سعر الدولار اليوم؟ لم ينتظر جوابها، بل عاجلها بالقول: راتبي بالكاد يوازي مائتي دولار (على سعر تسعة آلاف ليرة لبنانية للدولار الواحد)، فكيف سأوزعه بين مصروف العائلة والفواتير المستحقة والقروض المتشعبة؟

لم يعد موعد الراتب فرصة للإحتفال والفرح والبحبوحة. صار كابوساً شهرياً. فقدت كلمة الراتب سحرها. لم يعد الراتب مرقد مواعيد ووعود وتلبية طلبات جميلة للأطفال الصغار..

جرت العادة أن يحمل ما تبقى من أوراق نقدية بعد تسديد الفواتير المستحقة ويدعو أطفاله الى ما يشبه النزهة الموعودة مع مطلع كل شهر الى مخازن تجارية تحتوي رفوفها ما لذ وطاب وما يدهش العين ويلفت البصر.. يترك النَعَم تنساب وحدها إيذاناً بالموافقة على طلبات أطفاله في ذاك اليوم السحري. تنزلق النَعَم من بين شفتيه بكل محبة وفرح.. وهم يدركون تلك اللعبة بتواطؤ العارف بأن الجيب المليء بالأوراق النقدية ليس كالفارغ منها.

كان يبدأ شهره وهو يوزع رصيده بين مدرسة وباص وقرض وطعام وملبس وترفيه وبعض لعب الأطفال. حياته مستورة وتسير على طريقة “سيري فعين الله ترعاك”.

اليوم، تغيرت المعادلة. صار الراتب بالعملة اللبنانية يعني أنه أصبح مديوناً قبل أن يسحب أية ورقة نقدية. صاره يكره الماكينة وآخر الشهر وكلمة راتب. صار يتردد في العودة الى المنزل هذا المساء وفي كل مساء. كيف يواجه أطفاله بالوعود التي اطلقها لهم؟ جاء الشهر وبات آخره كأوله. راتبه لن يكفي لتسديد فاتورة واحدة، فهل يقرر نقل أولاده من مدرستهم الخاصة إلى المدرسة الرسمية وهل يعيد السيارة للشركة ام يترك البيت لمصرف الإسكان؟ أي سقف سيأويه وأية وسيلة ستقله الى عمله وترافق زياراته الى القرية والأصدقاء؟ كيف وكيف وكيف للحلم ان يصبح كابوسا؟

جرّدوه تعب عمره وخبرة سنوات. صفروا له راتبه صفراً فوق صفر. صار الراتب كالسلة المثقوبة. بلا قعر. بلا رقم. بلا قيمة

على الدرج الكهربائي بديل المصعد في طريقه الى (atm) تلافيا لأنفاس الآخرين المحشورة خلف الكمامات الكورونية، أرخى جسده المتعب على متكأ السلم الكهربائي. رمى نظرة الى المحال المشرعة بوجوه باعة متعبة ونظرات زائغة.. من اين يأتي الفرح والغصة في قلوب الجميع؟

جردوه تعب عمره وخبرة سنوات. صفروا له راتبه صفراً فوق صفر. صار الراتب كالسلة المثقوبة. بلا قعر. بلا رقم. بلا قيمة.

يسأل عمن جعل راتبه صفرياً. هل هم سعداء في قصورهم؟ لو قرر أحدهم أن يخرج أمامه في تلك اللحظة لإنقض عليه.. زفر بقوة ما تبقى من نفس متخيلا المشهد، فقد تراءت له الرؤية كحلم قبل لحظات من تركه المكتب. جاءه نبأ بأن رفع سعر الخبز قيد الدرس. ما زال الخبز في متناول أفواه أولاده الخمسة. هل تصبح النزهة الموعودة رحلة يصطحبهم فيها الى الفرن يحملون ربطات الخبز بأيديهم الصغيرة ليرفعوها حتى تكون أقرب ما يكون الى الأفواه والأنفاس؟

سخر من نفسه لتلك الرؤية البائسة. إستدار وقرر أن يعود أدراجه. قروشه عاصية على الماكينة الخاوية الموضوعة خارج الخدمة.. ستبقى أسيرة بطاقة زرقاء بزاويتها المذهبة يحفظ أرقام كلمة سرها وتحفظ راتبه، كمن يقبض على ثروة خيالية ولا يريد التفريط بها. لكن وقبل أن يصل إلى منزله، سقط أرضاً. أُغمي عليه. أُسعف مرة.. إثنتان وثلاث بصدمات كهربائية متتالية. بقي معلقاً بين السماء والأرض. شعر بفراغ سحابة تستبيح السماء.. إختفت روزنامة المواعيد كلها. صفر لزمن الجوع القادم بلا عداد لأرقام الضحايا الأحياء والمنتحرين..

في غفوته، قرر أن يعود طفلاً يجرّه والده أول كل شهر لإستكشاف ما أغدقت المتاجر من زخرفات لأسماء منتوجات جديدة.. سعادة لا مثيل لها.

في صحوته، إكتشف أنه أول الشهر من عمر مفقود خلف خزنات مملؤة بتعب الموظفين وشقاء عمرهم.

بالإذن من الشاعر محمود درويش: ليس على أرض هذا البلد، ما يستحق الحياة والعطاء.

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course