في تاريخ الصراعات الحديثة لا تُختزل الحروب في كونها مواجهات عسكرية بين جيوش متقابلة، بل غالباً ما تكون أدوات لإعادة تشكيل البنى السياسية والقانونية للدول وإعادة ترتيب موازين القوى داخل الأقاليم. فالتجربة التاريخية منذ الحرب العالمية الثانية تُظهر أن نتائج الحروب لا تتوقف عند خطوط التماس العسكرية، بل تمتد إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة نفسه، خصوصاً في الدول الضعيفة أو الواقعة على تخوم الصراعات الكبرى. وفي الشرق الأوسط تحديداً، كثيراً ما شكّلت الحروب مدخلاً لإعادة صياغة التوازنات السياسية والأمنية بما يتجاوز حدود المعركة المباشرة.
ضمن هذا السياق تبدو التطورات العسكرية في جنوب لبنان أبعد من مواجهة حدودية. فالحرب الإسرائيلية المتصاعدة لا يمكن فصلها عن مسار أوسع تسعى من خلاله تل أبيب، بدعم وتغطية أميركيين، إلى إعادة رسم البيئة الأمنية المحيطة بالكيان العبري، مستفيدة من التحولات الإقليمية الكبرى. ولبنان، بحكم موقعه الجيوسياسي وبنية نظامه السياسي الهشة، يجد نفسه مرة أخرى في قلب هذه المعادلة المعقدة، حيث تتحول الجغرافيا اللبنانية إلى مساحة اختبار لمعادلات القوة الإقليمية والدولية.
ولفهم الخلفية العميقة لما يجري اليوم، لا بد من العودة إلى تجربة اتفاق 17 أيار (مايو) 1983، الذي جاء في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. يومها سعت إسرائيل، برعاية أميركية مباشرة، إلى فرض ترتيبات أمنية وسياسية تضمن لها حدوداً آمنة وتفتح الباب أمام شكل من أشكال التطبيع السياسي مع لبنان. وقد نص الاتفاق في جوهره على إقامة ترتيبات أمنية مشتركة وانسحاب متدرج للقوات الإسرائيلية مقابل ضمانات أمنية لبنانية، الأمر الذي كان يعني عملياً إدخال لبنان في منظومة أمنية إقليمية جديدة مرتبطة بإسرائيل، بوصفه الحلقة الثانية من بعد مصر التي وقعت اتفاق كامب ديفيد.
لكن ذلك الاتفاق لم يُعمّر طويلاً، إذ اصطدم بمعارضة داخلية لبنانية واسعة وبرفض إقليمي حاسم، وخصوصاً من سوريا، ما أدى في النهاية إلى سقوطه قبل أن يدخل حيّز التنفيذ الفعلي. ومع ذلك، بقيت تجربة 17 أيار (مايو) في الذاكرة السياسية اللبنانية بوصفها مثالاً على محاولة فرض تسوية سياسية وأمنية عبر موازين القوة العسكرية وليس عبر التوافق الوطني.
فرض أمر واقع جغرافي وأمني

اليوم، وبعد أربعة عقود تقريباً، تعود هذه الذاكرة إلى الواجهة في ظل الحرب الإسرائيلية المتواصلة على لبنان. فالتقدم العسكري الإسرائيلي في بعض المناطق الحدودية، والحديث المتكرر في الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي عن “تغيير الواقع الأمني” في الجنوب، يثيران تساؤلات جدية حول الأهداف الأبعد لهذه الحرب. فإسرائيل لا تسعى فقط إلى ردع عسكري أو إلى إبعاد التهديدات عن حدودها الشمالية، بل تحاول أيضاً إعادة صياغة المعادلة الأمنية في جنوب لبنان بطريقة تريد من خلالها فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة على الدولة اللبنانية.
في هذا الإطار، تبرز مخاوف متزايدة من أن تتحول العمليات العسكرية إلى مدخل لفرض أمر واقع جغرافي وأمني جديد، سواء عبر إنشاء منطقة عازلة أوسع داخل الأراضي اللبنانية، أو عبر فرض ترتيبات ميدانية طويلة الأمد تغيّر طبيعة السيادة اللبنانية على الحدود الجنوبية. وفي التجارب التاريخية المشابهة، كثيراً ما تبدأ مثل هذه الترتيبات كإجراءات أمنية مؤقتة، لكنها تتحول مع مرور الوقت إلى وقائع سياسية دائمة يصعب التراجع عنها.
وما يزيد من خطورة هذا الاحتمال أن الحرب قد تُستخدم أيضاً كوسيلة لدفع لبنان مجدداً نحو مسار من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، تحت عنوان تثبيت الاستقرار الحدودي أو إعادة تنظيم الوضع الأمني في الجنوب. فالتاريخ السياسي للصراعات يظهر أن المفاوضات التي تأتي في أعقاب الحروب لا تجري دائماً في ظروف متكافئة، بل غالباً ما تعكس ميزان القوى الذي فرضته المعركة على الأرض.
لذا، يخشى كثيرون أن تكون إسرائيل تسعى، عبر الضغط العسكري، إلى خلق ظروف سياسية تدفع لبنان إلى القبول بترتيبات تفاوضية جديدة، قد لا تحمل اسم اتفاق 17 أيار (مايو) ولا شكله القانوني، لكنها تؤدي عملياً إلى الوظيفة نفسها التي كان يسعى إليها ذلك الاتفاق: أي إقامة ترتيبات أمنية جديدة على طول الحدود من شأنها تكريس تفوق إسرائيل وتقييد هامش القرار السيادي اللبناني.
ضمانة الدولة القادرة
إن جوهر المسألة في نهاية المطاف لا يتعلق فقط بالحدود أو بالترتيبات العسكرية، بل بمفهوم السيادة نفسه في دولة صغيرة تقع عند تقاطع صراعات إقليمية ودولية كبرى. فلبنان لطالما كان ساحة تتقاطع فيها مشاريع الآخرين، من الصراع العربي الإسرائيلي إلى التنافس الإيراني الإسرائيلي، وصولاً إلى حسابات القوى الكبرى في الشرق الأوسط. وفي مثل هذا الموقع الجيوسياسي المعقد تصبح الحروب لحظات مفصلية يُعاد فيها اختبار قدرة الدولة على حماية سيادتها وحدودها.
التحدي الذي يواجهه لبنان اليوم لا يقتصر على وقف الحرب أو الحد من تداعياتها المباشرة، بل يتجاوز ذلك إلى مسألة أعمق تتعلق بمستقبل موقعه السياسي في المنطقة. فإذا كانت الحروب كثيراً ما تنتهي بتسويات تعكس ميزان القوى أكثر مما تعكس المبادئ القانونية، فإن قدرة لبنان على تفادي إعادة إنتاج سيناريوهات الماضي ستعتمد أساساً على مدى قدرته على ترميم دولته وتعزيز وحدته الداخلية وصياغة رؤية استراتيجية واضحة لمفهوم سيادته ودوره في الإقليم.
ففي عالم تحكمه القوة بقدر ما تحكمه القوانين، لا تكفي الشرعية الدولية وحدها لحماية الدول الضعيفة. وحدها الدولة القادرة، بوحدتها الداخلية ومؤسساتها الفاعلة، تستطيع أن تمنع تحويل الحروب التي تقع على أرضها إلى أدوات لإعادة صياغة سيادتها من الخارج. وإلا فإن التاريخ قد يعيد نفسه مرة أخرى، ولكن بصيغ مختلفة واتفاقات غير معلنة، تؤدي في النهاية إلى النتائج نفسها التي سعت إليها مشاريع سابقة.
