لبنان يُشيّع إلى مثواه الأخير
BEIRUT, LEBANON - AUGUST 4: Smoke rises after a fire at a warehouse with explosives at the Port of Beirut led to massive blasts in Beirut, Lebanon on August 4, 2020. A large number of people were reportedly injured in the blasts, while former Prime Minister Saad al-Hariri -- who lives near the area of the explosions -- is said to be unharmed, according to initial reports. (Photo by Houssam Shbaro/Anadolu Agency via Getty Images)

انتهت كل دقائق الصّمت. لن نقف بعد الأمس دقائق صمت عن روح أحد. استُنزفت كل الدقائق. حتى الثواني لم تٰبق لنا. لم يتوقف الزّمن، لكن تجمّدنا في الزمن. جمّد اللهب أرواحنا بدل أن يحرقها، فلا هي بالمتألمة، ولا هي بالمتذمرة.. هي في عداد الموتى. قُتِلت يوم قتل الاستهتار بيروت، دون أن تستريح مع من استراحوا وانتقلوا إلى العالم الثاني.
ليس أصعب من أن يدوّن الإنسان لحظات احتضار الوطن، وكأنه يدوّن احتضار التاريخ، ويختم بالشمع الأحمر على باب المستقبل. لا داعي لاستحضار خطاباتٕ انقاذية تسلب من اللبناني اليوم نعمة اليأس. لنتوحد في اليأس، حتى يسلبنا اليأس القدرة على النطق حتى. متى صمتنا توحّدنا. وتحقق حلم “الوحدويين”.. لنصمت.. “قد أُفسد القول حتى أُحمد الصّممُ”.
كيف حال فيروز؟ الصوت الذي ارتبط اسمه بالعلم اللبناني؟ لكأن فيروز حين غنت: لبيروت.. من قلبي سلام لبيروت.. كانت تغني لتلك اللحظة تحديداً. لكأن أغنية موطني كتبت لتلك اللحظة تحديداً. لكأن كل الأغنيات الوطنية حُضرت في كل ذاك الزمن لأجل يومٕ كمثل الأمس، تُشيّع فيه بيروت إلى مثواها الأخير.. بل يشيّع فيه لبنان إلى مثواه الأخير.
لا يعتقدنّ أحدٌ أننا أحياء متى قدرنا على كتابة الرثاء. أنفاسنا الأخيرة ها هنا نلفظها قبل أن نسلّم الروح، نريد بها أن نعطي راية النصر لسلطةٕ فازت بجدارة، وكانت أقوى من ذاك الذي قيل عنه أنه الجيش الذي لا يقهر. سلطةٌ رفعت اسم بلدنا عاليا في أهم الصحف العالمية، وعلى كل صفحات مواقع التواصل الاجتماعي العالمية. يُحكى أنّ طفلاً يشجّع النادي البافاري جاء فرحاً مندهشاً إلى أمه، شاعراً بالعزة والفخر لأن اللاعب “ريبيري” كتب عن بيروت وتضامن معها. هل كان ذلك ليحدث لولا هذه السلطة المعمّرة منذ أكثر من ثلاثين سنة؟
ملء عين الزمن، إنتصرتِ أيتها السلطة. كنت بحق منبتاً للرجال الرجال، الأمناء في الحفظ والتخزين.. لا يبالون العيش في صلب الخطر، حتى ولو كان أطناناً من نيترات الأمونيوم. ملء عين الزمن إنتصرتِ. ها هم اللبنانيون أجساداً بلا أرواح، فهل أسهل من ذلك لاقتيادهم؟ ها هي دول العالم تتهافت لمساعدتك، فهل أفضل من هذا الطبق الذهبي الذي استطعت الاتيان به؟ ثلاثون سنة من الفساد التراكمي أليست مدة قصيرة لتحقيق هذا الانجاز الأكبر؟
بالأمس لم نسمع قوة الانفجار، الذي كانت قوته تعادل ٧,٧ في المئة من قوة انفجار قنبلة ناكازاكي. نحنُ سمعنا قوتك أيتها السلطة الممتدة عبر ثلاثين عاما. سمعنا زئيرك. جبروتك. صيحتك. قوّتك. حزمك. آمنّا بك، سلّمنا لك تماماً كما سلّم الوطن. وفي وداع بيروت، والوطن، نهديك ما تبقى من جيفة، فأنت وحدك القادرة على الإستثمار حتى في الجيف. وأنت وحدك من تستأهيلن هذا بجدارة. عشتِ ومات لبنان.
ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download