“مستنقع ترامب”.. الإيراني!

في الحروب الحديثة لا تكون المشكلة في إطلاق الشرارة الأولى، بل في القدرة على إطفاء النار بعد اشتعالها. هذه القاعدة القديمة تبدو اليوم أكثر وضوحًا في المواجهة الدائرة في الشرق الأوسط، حيث يجد دونالد ترامب نفسه أمام معادلة معقدة: حربٌ مع إيران كان يُفترض أن تكون خاطفة وسريعة، تتحول تدريجيًا إلى مشهد استنزاف مفتوح لا يمكن التحكم بإيقاعه بسهولة.

منذ اللحظة الأولى، بُنيت السردية السياسية الأميركية للحرب على فكرة «الضربة الحاسمة». في هذا النوع من التفكير، يُفترض أن تؤدي الضربة الأولى إلى انهيار سريع في منظومة الخصم السياسية والعسكرية، ما يفتح الباب أمام تسوية مفروضة أو إعادة ترتيب إقليمية وفق ميزان القوى الجديد. لكن التاريخ العسكري مليء بالأمثلة التي تُظهر أن الحروب التي تبدأ بهذه الثقة غالبًا ما تتحول إلى صراعات أطول وأكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا.

بالنسبة إلى ترامب، لم يكن خيار الحرب مجرد قرار عسكري، بل كان أيضًا قرارًا سياسيًا ولو أن هناك من يُردّد بأنه لم يكن يملك استراتيجية واضحة لدخول الحرب أو الخروج منها.. لكن أي رئيس أمريكي يدرك أن الحروب الطويلة تُستنزف في الداخل قبل الخارج. لذلك كانت الرهانات واضحة: عملية سريعة، ضربة قاسية، ثم إعلان نصر يُعيد ترميم صورة الردع الأمريكي ويمنح الإدارة انتصارًا سياسيًا واضحًا على مسافة أشهر من الانتخابات النصفية وفي الوقت نفسه يُساهم في تغطية ملف فضيحة جيفري إبستاين. غير أن الواقع الميداني لا يسير دائمًا وفق التصورات السياسية، بل يخضع لقواعد مختلفة تحكمها قدرة الآخر على الصمود والرد والتكيّف.

في الأيام الأولى من المواجهة، بدأت تظهر مؤشرات على أن الحرب لا تسير في مسار «الحسم السريع». وبعد أن بيّنت الضربات القاسية والموجعة التي تلقاها النظام في الساعات الأولى قدرته على الصمود، وبدل أن تنحصر المعركة في نطاق جغرافي ضيق، أخذت تداعياتها تتوسع إقليميًا، لتطال خطوط الطاقة والتجارة وحركة الطيران والملاحة وجغرافيا الخليج العربي والشرق الأوسط وصولاً إلى البحر المتوسط عند عتبة جزيرة قبرص. هذه التطورات لا تقل خطورة عن الضربات العسكرية نفسها، لأن الحرب عندما تمس شرايين الاقتصاد العالمي تتحول إلى قضية دولية تتجاوز حدود المعركة المباشرة.

من هنا يبدأ المأزق الحقيقي لواشنطن. فكل يوم إضافي في الحرب يعني ارتفاع كلفتها السياسية والاقتصادية. أسواق الطاقة تصبح أكثر حساسية، وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة يجدون أنفسهم في دائرة الخطر، بينما يزداد الضغط الداخلي في واشنطن مع كل خبر عن توسع المواجهة واستمرار القدرة الصاروخية لدى طهران. هذه المعادلة تجعل قرار الاستمرار في الحرب أكثر تعقيدًا، لأن الإدارة الأميركية لا تقاتل فقط على جبهة عسكرية، بل أيضًا على جبهة سياسية واقتصادية وإعلامية.

في المقابل، تبدو طهران أكثر ميلًا إلى استراتيجية مختلفة تقوم على إطالة أمد الصراع بدل حسمه بسرعة. في مثل هذه المواجهات غير المتكافئة نسبيًا، يتحول الزمن إلى سلاح بحد ذاته. فكل يوم إضافي من الحرب يرفع الكلفة على الطرف الأقوى اقتصاديًا وسياسيًا، ويخلق ضغوطًا دولية متزايدة تدفع نحو وقف النار أو التفاوض.

هذا النوع من الاستراتيجيات ليس جديدًا في تاريخ الصراعات. فقد أثبتت تجارب عديدة أن القوى الكبرى يمكن أن تجد نفسها عاجزة عن تحقيق نصر واضح عندما تتحول الحرب إلى عملية استنزاف طويلة. في هذه الحالة، لا يكون الهدف العسكري للطرف الأضعف هو هزيمة خصمه بشكل مباشر، بل حرمانه من تحقيق نصر حاسم وإجباره على البحث عن مخرج سياسي.

لكن تعقيد المشهد لا يتوقف عند حدود المواجهة بين واشنطن وطهران. فإسرائيل، الحليف الأقرب للولايات المتحدة في المنطقة، تجد نفسها أيضًا أمام حسابات دقيقة. بالنسبة إلى تل أبيب، أي حرب طويلة تعني ضغطًا اقتصاديًا وأمنيًا متزايدًا، كما تعني بقاء التهديدات الصاروخية حتى لو توقفت العمليات العسكرية لاحقًا. لذلك يظهر القلق الإسرائيلي من عامل الزمن بوضوح، لأن استمرار الحرب قد يفرض معادلات ردع جديدة لا تصب بالضرورة في مصلحة إسرائيل.

ومن هنا يبرز الحديث المتكرر عن احتمال توسيع الجبهات أو اللجوء إلى خيارات عسكرية إضافية. غير أن هذه الخيارات، برغم أنها تبدو في الظاهر وسيلة للخروج من المأزق، قد تحمل مخاطر أكبر إذا أدت إلى توسيع رقعة الحرب بدلًا من إنهائها. فكل جبهة جديدة تعني استنزافًا إضافيًا وارتفاعًا أكبر في الكلفة السياسية والعسكرية.

في ضوء كل هذه المعطيات، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق بكيفية بدء الحرب، بل بكيفية إنهائها. فالانتصار العسكري التقليدي قد يكون صعب التحقيق في ظل توازنات الردع الحالية، بينما يشكل الانسحاب السريع دون تحقيق أهداف واضحة ضربة سياسية لمن أراد الحرب أن تكون خاطفة. وهكذا يجد ترامب نفسه في قلب مفارقة قاسية: إذا استمرت الحرب طويلًا، فإنها قد تتحول إلى استنزاف يضعف موقعه السياسي ويضغط على الاقتصاد العالمي. وإذا قرر إنهاءها بسرعة، فقد يُتهم بالتراجع وترك المعركة دون حسم. بين هذين الخيارين الضيقين تتشكل معالم ما يمكن تسميته «مستنقع ترامب».

إقرأ على موقع 180  لا تغيير جوهرياً في سياسة بايدن تجاه إسرائيل

في النهاية، قد لا يكون السؤال من سيربح الحرب، بل من سيتمكن من احتمال كلفتها لفترة أطول. فالحروب التي تبدأ بوعد الحسم السريع نادرًا ما تنتهي كما خُطط لها. وفي الشرق الأوسط تحديدًا، حيث تتشابك الجغرافيا بالسياسة والطاقة بالتوازنات العسكرية، غالبًا ما يتحول الزمن نفسه إلى سلاح. وعند هذه النقطة، لا يعود الصمود مجرد خيار دفاعي، بل يصبح العامل الحاسم في تقرير من يخرج من الحرب مثقلاً بالاستنزاف ومن يخرج منها واقفًا.

Print Friendly, PDF & Email
أكرم بزي

كاتب وباحث لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  آلان غريش: غزة، حرب بلا نهاية؟