عن فتيةٍ يصنعون حُلمَنا.. ودولة “السيكارة”!

الرائحة النتنة المنبعثة من شريط النفايات الذي أخذ يحتل شوارع رأس بيروت نزولاً نحو كليمنصو فوسط العاصمة، كانت دليلنا إلى الدرك السحيق الذي نحن فيه. الدرك الذي إسمه اللادولة. دولة الغياب. دولة البلادة. دولة التخلي. دولة اللادولة.

فراغ يتبعه فراغ في الشوارع المؤدية الى الواجهة البحرية. فقط أكوام زجاج كان بالأمس نوافذ دفء وسكينة وضحكات وحامي أسرار وأرزاق وخصوصيات. إلى جانب احد الارصفة بقايا لوحات فنية رماها العصف من “غاليري” مرموق وباتت جزءا من ركام كبير. قد نستطيع ترميم منازل، إقفال أبواب ونوافذ، لكن من يعيد الحياة الى لوحة. رسمة. صورة.  أسأل نفسي.. شرفات المنازل والفنادق مشلعة.. ومشرعة أمام رطوبة آب الثقيلة، والغبار المثقل بالسموم الآتي من ناحية المرفأ. وما كان في هذه المحال التجارية الفخمة، “درة” الوسط التجاري للعاصمة بات هباء منثورا.

بعد السكينة والخواء، تظهر فجأة صفوف السيارات. وجهتها مداخل الجميزة. مارمخايل. الاشرفية. منها يترجل العشرات. شبان وصبايا. يافعون. متأهبون. يدخلون هذه الناحية من المدينة الأكثر تأثراً بكارثة 4 آب. لكنها الأكثر حيوية. من بداية شارع الجميزة من ناحية مقهى “بول” الشهير، تبدو الحياة وقد تغلبت على الموت الذي إجتاح المكان، ومازال مطمورا، ربما، تحت ردم بيوته العتيقة الجميلة، وعقود قناطر مقاهيه ومحاله ودكاكينه البهية المتواضعة، لكن الأصيلة.

هنا بيروت. بيروت التي نحب. بيروت التاريخ والعصر. متجاوران كانا، وبالكاد بقيا. نتقدم إبني الشاب وأنا مع السائرين نحو هدف المساعدة. نتلفت يمنة ويسرة. نبحث عن فرق الدولة وآلياتها. عن معداتها. عن جيشها وقواها الأمنية. عن كلابها البوليسية إن كانت تملكها. عن أي شيء يدلل على وجودها البديهي لمساعدة المنكوبين. لملمة جراحهم. رفع أنقاض جنى عمرهم. كنس شوارعهم من شظايا الزجاج والردم. لإعانتهم على شق طريق الوصول إلى طوابقهم العليا المعبدة بالأخطار. لا شيء. تصفعنا مرة جديدة هذه الاستقالة. إستقالة ملأ شواغرها فتية وفتيات لا هوية طائفية أو مناطقية لهم. فرق كشفية من مشارب مختلفة. جميعهم إمتشقوا المكانس والرفوش. أتوا يسدون عجز تلك التي إسمها دولة. هذه التي نسأل عنها تندراً “وينيي الدولة”. سؤالُ ولدٍ يستجدي عناية…

على جانبي شارع الجميزة المدمى، لم يسلم مبنى، منزل، محل تجاري، سيارة، من الزلزال. خلال ايام قليلة، نجحت سواعد هذه الجموع التي تملأ الشارع منذ ساعات الصباح، في رفع زجاج كثير من المكان. فرادى وجماعات يسيرون. يسألون أصحاب المحال التجارية والمطاعم التي كانت: “بدكن مساعدة” ليأتي الجواب على قدر الحاجة. من على الشرفات المعلقة تطل ربات البيوت. ترصدن هؤلاء الذين جاؤوا لمد يد العون. يسمعن السؤال نفسه، ويأتي جوابهن بحسب الحاجة أيضاً. من شبابيك بيوت أخرى إتسعت بفعل الدمار، تتراءى ثريات صامدات في الأسقف الأثرية. تنتظر عودة من هجر المكان لتنير ظلمته من جديد.

يقول “معظم الشغل الواضح خلص. الشغل هلق داخل البيوت”. ماذا عن أوضاع الناس؟ “في كتار ما بقى عندهم شي، بس بيعرفو إنو الخيار التاني هو الاستسلام.. الانتحار”. هل هؤلاء متمسكون بالأمل؟ “هم صامدون” يقول. “يحاولون أخذ الإلهام مما حصل”. الصمود اليوم. الغضب بالأمس. الثورة غداً

نتقدم بإتجاه منطقة مار مخايل. علامتها الفارقة شركة الكهرباء التي تدير ظهرها للعنبر رقم 12 المشؤوم. قبلها بأمتار نلمح ثلاثة عناصر من البوليس. يتكئون بتكاسل على سيارة متضررة. أحدهم ينفث “سيكارته” كأنه في نزهة على الكورنيش لا في ساحة حرب فرضها على أبناء بيروت سماسرة وتجار ومسؤولون مجرمون. تثاقل رجال “البوليس” نافر. أما العادي هنا فهي حرارة الناس وكل من جاء للمساعدة. حيوية تفجرت في وجوه الناس المتصببة عرقاً، النابضة بالدماء. وفي الأيادي التي تسلحت بالرفش، والمكنسة، لتنظيف ما عجزت جرافات وبوكلينات الوزارات عنه. وأيضاً بعبوات المياه، والسندويشات، توزع مجاناً لتروي ظمأ جيش المتطوعين وجوعه.

الكويت بجانبكم. عبارة تتصدر حافلة مركونة الى جانب الطريق. ربما تحمل الحافلة مساعدات عينية من تلك التي تدفقت على لبنان حال نُكبت بيروت. قد تكون دعائية. لكنها مرة أخرى تكشف الغياب الكبير إياه. دولتنا غائبة حتى بالصورة الباهتة. خطوات الى الأمام يتضاعف حجم الدمار. MADE IN HEAVEN، أو صنع في الجنة. المقصود بالعبارة التي كانت تزين جدار محل الحلويات الصغير الأنيق، هو الطعم الذي كان يعد به زبائنه، فهل هو قادر بعد الآن على هذا الوعد، وقد ذهب الرزق بكامله أدراج العصف المجنون، ولم يبق الاّ تلك العبارة اليتيمة؟

لا يخرق حركة العمل التي تسير كحركة النهر، وإن جيئة وإيابا، الاّ خبر إشتعل كالنار في الهشيم. “في حريق بالبور”، قالها رجل الشرطة الذي يقف في منتصف طريق فرعي يؤدي نزولاً إلى جادة شارل حلو المواجهة عملياً للمرفأ. لدقائق إصفرت الوجوه. لكن القلق سرعان ما تبدد. فالحريق ناتج ربما عن إحتراق ملابس في إحدى الحاويات.. “بسيطة إذا”.

أسأل إبني، بعد نهاره الطويل، ماذا أنجزتم اليوم؟ يقول “معظم الشغل الواضح خلص. الشغل هلق داخل البيوت”. ماذا عن أوضاع الناس؟ “في كتار ما بقى عندهم شي، بس بيعرفو إنو الخيار التاني هو الاستسلام.. الانتحار”. هل هؤلاء متمسكون بالأمل؟ “هم صامدون” يقول. “يحاولون أخذ الإلهام مما حصل”. الصمود اليوم. الغضب بالأمس. الثورة غداً.

أخاف على أحلام إبني، وأبناء جيله. في 17 تشرين الأول الماضي رفعَنَا أملُ الإنتفاضة من دركنا السحيق، إنما إلى حين. لم ننجح في صنع ثورة ناجزة. الشكل البهي للثورة لطخته أصابع أمراء الطوائف، وزعماء الأحزاب، وأقزام السياسة، وتجار الجمعيات ومأجورو بعض المحاور والازقة. أما الغالبية العظمى من اللبنانيين، فقد هزمهم اليأس من جديد. حَبَستهم كورونا في سجن العزل. اليوم قررنا أن نعلن غضبنا من جديد، فهل سننجح؟

بين لحظة 17 تشرين و4 آب، يظهر اللبنانيون توقهم الجيّاش للمبادرة. لإلتقاط اللحظة التي لو قيض لهم إدارتها بمعزل عن مرجعياتهم الطائفية السياسية والحزبية لكانوا صنعوا المعجزات.

أخاف على احلام ابني ومستقبله لان أهل النظام الطائفي يتربصون بنا كالضباع. ولكي لا تسلب الطوائف احلامنا منا، يضج صوت في صدري بأن ألفظوا طوائفكم ومذاهبكم، كما يلفظ البحر نفاياته. إدفنوا أحقاد آبائكم المثقلة بتركة الحرب البغيضة، وأكذوبة السلم الأهلي. اللحظة التي جمعتكم في شوارع بيروت المدمرة تشبه اللحظة الأولى لـ 17 تشرين. لا تسمحوا لأحد بتهشيم وجهها الجميل كبيروت.

جمانة بعلبكي

صحافية لبنانية

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy course download free