إيران في اليوم التالي للحرب.. ركائز الموقع والدور والمكانة

في اليوم التالي للحرب تبدأ الدول رسم صورتها الجديدة في الجغرافيا السياسية. لحظة ما بعد الحرب تشبه ورشة إعادة تعريف المكانة والقدرة والدور. إيران تدخل هذه اللحظة بعقل استراتيجي يعرف أن المعركة الحقيقية تبدأ بعد توقف المدافع. في هذا المشهد تحاول طهران تثبيت صورة واضحة: لاعب ثابت في معادلة المنطقة، قوة تمتلك سيادة قرارها، وحضورها جزء من توازن الشرق الأوسط.

في علم السياسة الدولية يشرح روبرت جيرفس أن الحروب تعيد تشكيل إدراك الدول لنفسها ولخصومها، وأن لحظة ما بعد الصراع تمثل فرصة لإعادة تعريف الدور والمكانة. ضمن هذا المنظور تتحرك إيران نحو صياغة خطاب سياسي جديد يقوم على فكرة الاستمرارية والثبات؛ رسالةٌ مفادها أن الدولة بقيت قائمة وقادرة على إعادة إنتاج قوتها.

إيران تسعى إلى تثبيت ثلاث ركائز في صورتها المقبلة: دولة صامدة خرجت من الحرب؛ شريك اقتصادي محتمل في مرحلة إعادة الانفتاح؛ وقوة إقليمية تمتلك حضوراً دائماً في معادلات الشرق الأوسط

قد يقول قائل إن الحرب مع الدمار واغتيال بعض القادة خلقت فجوة داخل بنية الدولة، وأن عملية الترميم تحتاج وقتاً طويلاً. قراءة علم الاجتماع السياسي تُقدّم زاوية مختلفة. تشارلز تيلي يوضح في دراساته حول تشكل الدول أن الصراعات الكبرى كثيراً ما تُعزّز قدرة الدولة التنظيمية، إذ تدفع المؤسسات إلى التكيف السريع وإعادة ترتيب الموارد. في هذه اللحظة تظهر الدولة ككائن قادر على إعادة بناء نفسه من داخل الصدمة.

إيران تمتلك عاملاً إضافياً يتمثل في شبكة التحالفات الدولية. العلاقات المتنامية مع الصين وروسيا تفتح أمامها أبواباً واسعة للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي. الاقتصاد السياسي للعلاقات الدولية يُبيّن أن الدول الخارجة من الحروب غالباً ما تعتمد على الشراكات الكبرى لإعادة تنشيط الاقتصاد ونقل الخبرات الصناعية. الصين تمتلك خبرة هائلة في مشاريع البنية التحتية والطاقة، بينما تملك روسيا شبكة تعاون واسعة في مجالات الدفاع والتكنولوجيا.

المرحلة التالية ترتبط أيضاً بملف العقوبات. أي تسوية سياسية في المنطقة تحمل معها غالباً مساراً لتخفيف القيود الاقتصادية. في هذه الحالة يُمكن أن تتحول إيران إلى ساحة استثمارات واسعة، خصوصاً في قطاعات الطاقة والنقل والصناعة. التاريخ الاقتصادي يُقدّم نماذج عديدة لدول خرجت من أزمات عسكرية ثم دخلت مرحلة ازدهار اقتصادي نتيجة الانفتاح والاستثمارات الخارجية.

غرامشي تحدث عن قدرة الدول على إنتاج سردية سياسية تمنحها الهيمنة الرمزية. في الحالة الإيرانية يظهر خطاب جديد يقوم على فكرة الصمود والاستمرارية. الحرب تصبح في هذه السردية اختباراً قاسياً ثم خطوة نحو تثبيت الدور الإقليمي.

الجغرافيا تمنح إيران أيضاً عنصراً مهماً في معادلة القوة. المفكر الجيوسياسي هالفورد ماكندر رأى أن الجغرافيا الواسعة والموارد البشرية الكبيرة تمنح الدول قدرة طويلة الأمد على الاستمرار في النظام الدولي. إيران دولة تمتلك مساحة كبيرة وموارد طاقة هائلة وموقعاً استراتيجياً يربط الخليج بآسيا الوسطى والقوقاز.

من هنا يمكن فهم المشهد الجديد. إيران تسعى إلى تثبيت ثلاث ركائز في صورتها المقبلة: دولة صامدة خرجت من الحرب؛ شريك اقتصادي محتمل في مرحلة إعادة الانفتاح؛ وقوة إقليمية تمتلك حضوراً دائماً في معادلات الشرق الأوسط.

الحرب تنتهي غالباً في لحظة صمت ثقيل، ثم تبدأ السياسة بكتابة الفصل التالي. في ذلك الفصل تحاول إيران أن تُقدّم نفسها بوصفها لاعباً مستقراً في منطقة تتغير موازينها باستمرار؛ قوةٌ خرجت من اختبار النار ثم اتجهت إلى إعادة تثبيت موقعها في خرائط القوة الإقليمية.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  "ذا إيكونوميست": في لحظة قَوتها العسكرية.. إسرائيل ضعيفة للغاية
عبد الحليم حمود

رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  "فورين أفيرز": رسالة الدوحة الإسرائيلية للعرب.. لا خطوط حمر بعد الآن!