هكذا تكلّم اللواء ناصيف.. من إغتال الحريري؟
DAHR AL-BAYDAR, LEBANON: Syrian soldiers stand on the back of a military truck as they drive past a portrait of slain former Lebanese premier Rafik Hariri in Dahr al-Baydar on the main mountainous Beirut-Damascus road, 09 March 2005. For the second day, Syrian troops were dismantling positions and offices on mountains near Beirut and in northern Lebanon, with Lebanese army troops deploying in evacuated areas. Syria's ambassador to the United States said the troops would be out of Lebanon by May, when legislative elections are due to be held. AFP PHOTO/HAITHAM MUSSAWI (Photo credit should read HAITHAM MUSSAWI/AFP via Getty Images)

وقع قرار المحكمة الدولية حول اغتيال الرئيس رفيق الحريري كالصاعقة على رؤوس كل الأطراف.

الكل هنا تعني الكل: جميع الأطياف السياسية والشعبية اللبنانية بمن فيهم حزب الله ومعه إيران؛ سوريا التي كانت المُتهم الأول والمبكّر في الجريمة؛ وصولاً إلى الإدارة الأميركية التي لم تكن تتوقع حُكماً مستقلاً من هيئات دولية يُفترض أنها قيد بنانها، والتي كانت تنتظر حكماً مغايراً كي تشن حرباً عالمية إعلامية وسايكولوجية عاتية على إيران وحزب الله.

هذه المعطيات أعادت طرح السؤال الكبير: إذا لم تكن قيادة حزب الله وسوريا وراء الاغتيال، فمن كان المٌدبِّر والمُخطط إذاً؟ وإذا كانت قيادة الحزب بريئة من دم الحريري، فمن أين أتى سليم عياش بكل هذه الكميات الهائلة من المتفجرات واللوجستيات الضخمة التي استخدمت في تدمير موكب رئيس الوزراء الراحل؟

هكذا تكلّم محمد ناصيف

هذا السؤال أعاد عقارب ساعة الذاكرة لدى كاتب هذه السطور إلى العام 2010. حينها كنت في الكويت أعمل على تأسيس جريدة “الوسط” لأصحابها آل الوزان النشطين في قطاع التجارة. بعد صدور الأعداد الأولى، طلب مني آل الوزان، بصفتي رئيساً للتحرير أن انظّم رحلة إلى سوريا مزدوجة الهدف: إعلامي لي وتجارية لهم. بادرت إلى الاتصال بشخصية وطنية وعروبية لبنانية بارزة يُكن لها المسؤولون السوريون احتراماً خاصاً ويتعاطون معها من البوابة السياسية لا الاستخبارية (على عكس معظم السياسيين اللبنانيين).

تم تحديد موعد مع اللواء الراحل محمد ناصيف، الذي وصفته صحيفة “السفير” بأنه “رجل أمن سوريا الأكبر”، والذي نعته خصومه بـ”ثعلب سوريا المُمسك بكل تلابيب ومفاتيح السلطة فيها”. كان المنصب الرسمي لـ”أبو وائل” أو محمد ناصيف خيربك الذي توفي في 28 حزيران/يونيو 2015، هو معاون نائب الرئيس للشؤون الأمنية.  كما كان مستشارا مقرباً من الرئيس السوري بشار الأسد وهو رجل سوريا المهم في ما يخص علاقاتها مع إيران وحزب الله وأمل في لبنان.

 استقبلنا ناصيف في مكتبه المتواضع في وسط دمشق، المكوّن من غرفتين صغيرتين ومدخل استقبال  يكاد يختنق فيه سكرتير ناصيف الخاص، ونطق بصوت عميق وهادىء خفّف عني وعن أحد أفراد عائلة الوزان رعشة الرهبة من أجهزة المخابرات.  كان هذا أول (وآخر) لقاء لي مع مسؤول مخابراتي طيلة حياتي المهنية الصحافية. لذا، لم أكن في وارد الحديث مع ناصيف بالألغاز وما بين السطور كما يفعل المتعاطون مع الأجهزة الأمنية. قلت له: حضرة اللواء قلْ لي بصراحة: هل قتلتم رفيق الحريري؟ ولماذا؟

في ذلك العام (2010)، ومنذ لحظة اغتيال الحريري في 14 شباط/فبراير 2005، كانت كل أصابع الاتهام تنصّب على دمشق، ولم يكن أحد ليصدق ولو لشطر من مليون من اللحظة أنها بريئة من دم هذا الرجل.

لم يبد على اللواء ناصيف البتة أنه أُخذ على حين غرة من هذا السؤال، ولم يتردد في الإجابة فوراً: “نحن في سوريا “جسمنا لبيس” (في إشارة ربما إلى مسألة العنف السياسي الذي مارسه النظام السوري). لكني أؤكد لكم أنه ليس لنا إطلاقاً أي يد في هذا الاغتيال”.

كان في حديثه نبرة جازمة للغاية، إلى درجة جعلتني أميل إلى تصديق الرواية السورية، على رغم تأييدي للتحوّل الديمقراطي في بلاد الشام. ثم جاءت مداولات المحكمة الدولية التي أوحت حتى قبل صدور قرارها في 18 آب/أغسطس الحالي بعدم وجود تورط سوري، لتضفي مزيداً من الصدقية على هذا التصديق.

لم يبد على اللواء ناصيف البتة أنه أُخذ على حين غرة من هذا السؤال، ولم يتردد في الإجابة فوراً: “نحن في سوريا “جسمنا لبيس” (في إشارة ربما إلى مسألة العنف السياسي الذي مارسه النظام السوري). لكني أؤكد لكم أنه ليس لنا إطلاقاً أي يد في هذا الاغتيال”

من يقف وراء الإغتيال؟

والآن، ومع صدور قرار المحكمة الحاسم، سيكون من اللازم والضروري إعادة طرح سؤالنا الأول عمن يقف وراء الاغتيال وفق المنطق الآتي:

كانت سوريا حتى إنسحابها من لبنان في 26 نيسان/إبريل 2005 الحاكم بأمره المطلق في بلاد الأرز. وبالتالي، إذا ما كانت هي غير متورطة لا مباشرة ولا بشكل غير مباشر في الاغتيال، فهل كان في وسع حزب الله القيام بأي عمل مهما صغر أو كبر إلا بعلمها وموافقتها؟ ثم: ما بالك إذا ما كان هذا الاغتيال عملية تكتونية نظير قتل شخصية مقرّبة للغاية من أصحاب القرار في أميركا وفرنسا والسعودية الذين لطالما لم يقطع معهم نظام الأسد أبداً أقنية التواصل وأحياناً التعاون والتنسيق.

بكلمات أوضح: لو كان حزب الله هو منفّذ العملية، فهذا يعني مباشرة وحكماً أن سوريا هي المُقرر والمُخطط لها. وبما أن مسؤولية سورية أُخليت قطعاً ونهائياً بالضربة القاضية، سيكون من الواجب قطعاً ونهائياً سقوط الاتهام أيضاً عن الحزب.

من، إذاً، يمكن أن يكون قد ارتكب هذا العمل الضخم؟ وماذا عن هوية وبنية ونوايا الجهاز الأضخم الذي ربما يقف وراء هذا العمل؟

النتائج ثم الأسباب

ثمة قاعدة عامة في “علم الاغتيالات السياسية” تقول أن القرار باغتيال أي كان (من رئيس بلاد إلى صحافي أو سياسي) يكون حصيلة تقاطع مصالح بعض الأطراف، عادة بشكل غير مباشر. وحينها لا يعود مهماً من ينفّذ العملية، ناهيك عن شبه استحالة معرفة الجاني.

ولأن هذه القاعدة صحيحة تماماً، يصبح من الضروري انتهاج مقاربة أخرى، وهي استعراض محصلات ونتائج العملية ومن كان المستفيد الأول والأكبر فيها.

مع مثل هذه المقاربة سنتعثّر بالأحداث الجسام التالية:

أولاً، القرار 1559 صدر في 2 أيلول/سبتمبر 2004 مطالباً بانسحاب جميع القوات الأجنبية من لبنان. آنذاك، قال فاروق الشرع، وزير الخارجية السوري أن هذا القرار “ليس أكثر من حبر على ورق”. وبالفعل، بدا أن هذا كان بالفعل حبراً وورقاً، لأنه لم يكن ثمة قوة تستطيع إخراج القوات السورية من لبنان المتسلّحة بشرعية الطائف العربية وموازين قوى تميل بشدة لصالحها داخل لبنان. تطلب الأمر زلزالاً داخلياً كبيراً يغيرّ هذه المعادلة. زلزال من نوع شطب دموي لشخصية لبنانية ذات ثقل إقليمي ودولي وازن.

ثانياً، هل كان يمكن لعاقل، مثلاً، أن يعتقد أن اغتيال الحريري سيلغي القرار 1559، أو أن سوريا ستغتاله لمجرد الانتقام منه ومن صديقه جاك شيراك، وهي تعلم أن ذلك سيجر عليها وبال أميركا والسعودية والمجتمع الدولي؟

ثالثاً، بعد سنة واحدة من الاغتيال ثم تنفيذ القرار 1559 وإخراج الجيش السوري، كانت إسرائيل تشن في صيف 2006 حرباً مدمّرة على لبنان، مستفيدة من الانشطار الداخلي العميق الذي أحدثه القتل ومن تضعضع محور حزب الله – سوريا.

لو كنّا مكان حزب الله، لوضعنا الاستراتيجيا العليا قبل أي تكتيك واعتبار، وسمّينا الأسماء بأسمائها وكما هي، لأن ذلك سيوضح أمام المنطقة العربية والإسلامية، شعوباً وحكومات على حد سواء، فداحة المؤامرات التدميرية التي يتعرضون لها

رابعاً، مباشرة بعد انتهاء هذه الحرب، تجدّد الصراع طيلة 2007 و2008 في لبنان حول دور حزب الله بين 8 و14 آذار/مارس، وتعرّضت الدولة اللبنانية إلى الشلل الذي كان التمهيد الحقيقي لبدء التدهور الاقتصادي – الاجتماعي الراهن في البلاد.

خامساً، منذ 2004 وما تلاه، كانت مراكز الأبحاث والدراسات الأميركية والإسرائيلية تعد الدراسات الكثيفة حول لبنان وسوريا. وحين نشبت الانتفاضة الشعبية السورية في العام 2011، لم يكن أحد ليتوقع انفجار سوريا على هذا النحو. فالبلد نادراً ما شهد حروباً أهلية على النمط اللبناني، والمجتمع الزراعي – الانتاجي السوري كان بؤرة حاضنة لتفتح الوطنيتين العربية والسورية. صحيح أن النظام السوري ارتكب أخطاء جسيمة بحق المنتفضين مهدّت الطريق أمام الاجتياحات الإقليمية والأصولية، إلا أن الوضع لم يكن ليصل إلى هذا الحد من العنف الانفجاري والتحلل الإنساني الذي كان الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، لولا وجود “القناصين” الأميركييين والإسرائيليين المشهورين في تاريخ الحروب الأهلية في العالم الثالث في شوارع درعا، ثم في بقية المدن والدساكر السورية.

كل ذلك يشي بخيط رفيع  يربط  اغتيال الحريري بانفجار سوريا بالامس (واليوم لبنان). الصدف لا وجود لها في التاريخ، وهي حتماً مواد منقرضة في غرف التخطيط الاستخباري الإسرائيلي، حيث يقودنا أي تحليل موضوعي وعلمي لنتائج أحداث 14 شباط/فبراير 2005، وصولاً حتى إلى تفجير ثلث بيروت ومرفئها التاريخي، إلى التفكير بدور هذه الغرف.

المفاجأة الثانية ما هي؟

هل نريد أن نقول أن إسرائيل و”الموساد” وراء كل هذا الذي جرى في هذه الحقبة من التاريخ؟

أجل. حتماً.

إذن، ما معنى وجود عضو حزب الله سليم عياش في الصورة؟

 بما، إذا ما كانت التهمة ضده صحيحة، يكون هذا الرجل طائراً مغرّداً خارج سربه، طالما أن المحكمة الدولية برأت الثلاثة الآخرين وشدّدت على أن قيادتي حزب الله وسوريا بريئتان من التهمة. ربما أيضاً سيكون من المحرج، (مجدداً إذا كانت التهمة ضد عياش صحيحة)، لحزب الله أن يكون الاختراق الأمني له على هذا النحو من الفداحة. لكن، لو كنّا مكان الحزب، لوضعنا الاستراتيجيا العليا قبل أي تكتيك واعتبار، وسمّينا الأسماء بأسمائها وكما هي، لأن ذلك سيوضح أمام المنطقة العربية والإسلامية، شعوباً وحكومات على حد سواء، فداحة المؤامرات التدميرية التي يتعرضون لها، والتي تستوجب أكثر من أي مضى في تاريخنا الحديث إعادة الاعتبار كاملاً للقيم العليا والمبادىء والاخلاق الحضارية، حتى ولو كان ذلك على حساب المصالح الخاصة والاعتبارات الآنية.

وإذا ما قمنا بذلك، ستكون هذه هي المفاجأة الثانية الكبرى، بعد مفاجأة المحكمة الدولية. لكن، هذه المرة ستكون المفاجأة مشرقة وحضارية وتاريخية لمنطقة لطالما كانت هي مصدر الإشراق والحضارة في التاريخ.

سعد محيو

كاتب سياسي

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free