زغردوا يا لبنانيّين للموت.. وللزعيم المُفدَّى!

"عندما يمسك بالقلم جاهل، وبالبندقيَّة مجرم، وبالسلطة خائن، يتحوّل الوطن إلى غابـة لا تصلح لحياة البشر". هذا ما كتبه أحدُهم مهاجِماً مقالتي (السبت الماضي)، عن صورة حزب الله المهشَّمة في وجدان الكثير من اللبنانيّين. المقصود بالجاهل (في تعليقه) "أنا"، كاتبة المقال. فلستُ في السلطة لأخون، ولا أملك البنادق لأرتكب الجرائم. بل جلّ ما أملكه، هو "الكلمة" التي تخيف أمثاله من الشتّامين. أي "الكلمة" المؤمنة بأنّ الكتابة هي "لحظة وعي"، وليست وظيفة إيديولوجيَّة. بأنّها لحظة الإنعتاق الوحيدة.

المضحك المبكي في التعليق أعلاه، أنّ صاحبه استبدل كلمة جاهل بـ”حمار”، للإمعان في الإهانة (كما يظنّ ويتمنّى). وأرفق البوست بصورة حمار، علَّني أجهل شكل الحمير! انزعجتُ بدايةً من بعض التعليقات التي تنهل من النبع الملوّث إيّاه. نبع، أضحى، للأسف، الساقي الوحيد لنفوسٍ بائسة كثيرة. لقد قزَّم هذا التلوّث قاموسهم اللغوي، فلم يعد يحوي إلاّ مرادفات معلَّبة وشنيعة، للتخوين وأخواته. لم يَدُم انزعاجي سوى دقائق قليلة. فسريعاً، قرأتُ المبتغى بين السطور التافهة. وقرَّرتُ، بفضل ترهيبها المنشود، موضوعي لهذا الأسبوع: “صناعة الجهل وتسويقه” في الأسواق المقفلة أو المدمَّرة. فلقد بات هذا التجهيل، “مُنتَجاً” رائجاً تستهلكه، بنَهَم، جماهير أحزاب السلطة اللبنانيَّة كافةً.

شكَّلت الغوغائيَّة، على الدوام، السمة الأبرز التي ركَّزت عليها الدراسات المتقصِّية في أحوال “الجماعات”. فهي استحوذت، بشكلٍ خاصّ، على أعمال الطبيب النفسي والمؤرّخ الفرنسي Gustave Le Bon، حول سيكولوجيا الجماهير والعقل الجمْعي. عدا هذه الغوغائيَّة، برز الجهل إلى واجهة مجتمعنا، خاصيَّةً فظّة مطلوبة. لذا، سارع المعنيّون بمختبرات السلطة، لإيجاد “تركيبة سحريَّة” للتجهيل. اجترحوا هذه التركيبة، وصنّعوا الجهل وعلَّبوه ووزّعوه، مجّاناً، على “شعوبهم”. أي، على تلك الجماهير التي يتَّخذها أركان السلطة دروعاً بشريَّة، تصدّ عنهم غضب الشعب ونقمته. وأيضاً، تُظهِر (خصوصاً للخارج) أنّ لزعمائنا جماهير وطوائف تدعمهم حتى الموت. جماهير تطالب بهم وبوجودهم وببقائهم، بالروح وبالدم وبالرصاص.

أضحت هذه الجماهير (تتقدّمها مرجعيّاتهم المذهبيَّة) عماد الاستراتيجيَّة الدفاعيَّة لأحزاب السلطة. ولا مبالغة في القول، إنّ “نشاط” تلك الجماهير، أصبح الآليَّة الأساسيَّة لتعطيل الحياة في لبنان. وأكثر. لقد أمسى هذا النشاط معيقاً جوهريّاً  لحياتنا في هذا الوطن. بل، أهمّ أسباب الإعضال، لأيّ إمكانيَّةٍ لإصلاح الذاتيَّة اللبنانيَّة. ولتغيير البنية الاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة في البلد. وكذلك، لاقتلاع نظامٍ مهترئ يُجمِع، الشرق والغرب، على جوْره وتخلّفه وعقمه. لكنّ أسياده، الذين تحوّلوا مع الوقت إلى جثثٍ سياسيَّة، ما انفكّوا يتصرّفون وفق نهج الفرعون الذي سمعوه، ذات مرّة، ينادي أهل مصر قائلاً “ما علمتُ لكم من إلهٍ غيري.. أنا ربّكم الأعلى”.

في لبنان، لدينا mini ديكتاتوريَّات (ستالينيَّة). أو بالأحرى، لدينا ديكتاتوريَّة بستّة رؤوس. وهذه ذروة كارثتنا. فكيف يمكن أن تقضي، بضربةٍ واحدة، على ديناصور بستّة رؤوس؟ إذْ كلّما صوَّبتَ على رأس، اشرأبَّت الرؤوس الأخرى لتبتلعك!

فما من “عاقلٍ” متأمِّلٍ في الواقع الذي رسا عليه بلدنا، يثق بقدرة اللبنانيّين، اليوم، على الاضطلاع بمسؤوليَّة التغيير والنهوض بهذا البلد؛ ليس بسبب وجود هذه الزمرة السياسيَّة الحاكمة فيه فحسب، إنّما بسبب وجود هذا القدْر من السقم والاعتلال والانحراف والتشوّهات، في إدراك الجماعات التي استعبدتها زعامات أحزاب السلطة، بالكامل. جماعات تمرَّست بالتصفيق والضحك لأولياء نعمتها، من دون أن تدرك، حتى، علامَ تصفّق أو تضحك. هم يذكّرونني بحكايةٍ تُروى عن ستالين، تقول إنّ الزعيم السوفياتي الشهير طلب مرّةً مقابلة الشخص الذي ترشَّح ليكون “مترجمه الشخصي”. فسأله ستالين بلكنته القوقازيَّة: أين درستَ يا هذا، اللغة الفرنسيَّة؟ ويُعرَف عن ستالين أنّه كان يتكلّم، دائماً، بصوتٍ خافت. فلم يسمع المرشَّح المسكين السؤال جيّداً، فأجابه رغم ذلك: في جامعة لينينغراد. وصار ستالين يضحك ويقهقه. وقال للمترجم: إذاً، أنتَ وُلدتَ في الجامعة مباشرةً! كان ستالين لا يزال يضحك، عندما ظهر في عتبة الغرفة كلٌّ من وزيريْ الأمن والخارجيَّة. وقف الوزيران مذهوليْن، من قدرة هذا الشاب على إضحاك ستالين هكذا. وخوفاً من الاستفهام عن سبب الضحك، انفجر الوزيران ضحكاً. انتهت الحكاية. يا لَهوْل “سيكولوجيا العبوديَّة”، أليس كذلك؟

في لبنان، لدينا mini ديكتاتوريَّات (ستالينيَّة). أو بالأحرى، لدينا ديكتاتوريَّة بستّة رؤوس. وهذه ذروة كارثتنا. فكيف يمكن أن تقضي، بضربةٍ واحدة، على ديناصور بستّة رؤوس؟ إذْ كلّما صوَّبتَ على رأس، اشرأبَّت الرؤوس الأخرى لتبتلعك! فكلّ رأسٍ يحمي ويحتمي بباقي الرؤوس. طبعاً، لا يخفى عليكم أنّ جميع الرؤوس تحمي بعضها بعضاً، ومَن يعتقد عكس ذلك، فهو واهمٌ إلى أبد الآبدين. رهيبة حبكة السلطة في لبنان، أليس كذلك؟ عندنا زعماء كُثُر، يتقدّمهم ستّة أقوياء بضعفهم، ويصفهم علم النفس الاجتماعي بـ”مرضى السلطة”. هؤلاء هم الـ”مستعبِدون”. وعندنا جماهير غفورة أكثر ممّا هي غفيرة، ويصفهم العلم ذاته بـ”مرضى مرضى السلطة”. هؤلاء هم الـ”مُستعبَدون”. لم يشهد لبنان يا أصدقاء، وفي كلّ تاريخه الحديث، ظاهرةً بهذه الخطورة. حتى، في عزّ الزمن الإقطاعي. ولم يعرف تاريخنا أبداً كذلك، جماعاتٍ أدمنت، بهذه الحدّة، التعبُّد للزعماء. ماذا بعد هذا الإنجاز التاريخي لنا؟

على مدى ثلاثة عقود، حاك سياسيّو لبنان، وبمساعدةٍ من هنا وهناك وهنالك، منظومة خاصّة من العلاقات الاجتماعيَّة. هدفها المركزي، هو المحافظة الموصوفة على ديمومة النظام واستمراريَّة الحكّام وبقائهم، ولكن ضمن دائرةٍ ضيّقة. أمّا تدبُّرهم في شؤون الحكم والإمساك برِقاب العباد، فتركّز (ويتركّز) على تصنيع الجهل ومن ثم هندسته ومن ثم تسويقه. ولكن، هل يُصنَّع الجهل؟ نعم، بالتأكيد. فمنذ انتهاء حروبنا الأهليَّة، سلّم معظم أمرائها سلاح ميليشياتهم الثقيل (أو هكذا قيل). ثمّ ارتدوا البزّات الأنيقة وربطات العنق وجلسوا، مرّةً لكلّ المرّات، على مقاعد السلطة وعلى صدورنا. وقرّروا تصنيع سلاحٍ بديل عن سلاحهم المُصادَر: سلاح “صناعة الجهل”.

انكبّوا مذّاك، على “غزْل” النسيج الاجتماعي في بيئاتهم ومناطق نفوذهم. نسجوه بخيطانٍ فولاذيَّة توسّلت الألاعيب، وبخاصّة الضرب على الخواصر الرخوة لتلك البيئات. غطّوا ارتكاباتهم بمساحيق تجميليَّة رخيصة، وحقنوا ترهّلاتهم الأخلاقيَّة والنفسيَّة والعقليَّة بـ Botox التعمية والتعصّب و..الغرائز. وها هم اليوم يحصدون ما بذروا في مجتمعنا. نجاحاً تلو نجاح. وانتصاراً تلو انتصار. فصفِّقوا لهم، رجاءً، لأنّهم يستحقّون. وزغردوا للموت وللزعيم المُفدّى، بما ملكت أيديكم من السلاح الذي صنّعوه، خصّيصاً، لنا ولمستقبل أولادنا. زغردوا وارقصوا أمام النعوش، فسلاح الجهل يرتع بيننا. يا مرحباً يا مرحبا. سلاح فتّاك لقّنوهم بحربته الدرس، وقالوا لهم: أنّتم طيور وُلِدَت للأقفاص وليس للطيران.

السياسي المعني بـ”جُرْمٍ ما” سيسارع، فوراً، إلى تحريك السلاح الذي صنّعه: سلاح الجهل. سيمتشق الزعيم المُفدّى “جمهوره الجاهل” بوجهنا وبوجه كلّ شيء وبوجه أيٍّ كان. سيُشهِره بوجه الجماهير الجاهلة لخصومه وحلفائه، وبوجه المغرّدين خارج الأسراب الطائفيَّة

ولكنّ السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هو “بنك الأهداف” لسلاح الجهل هذا؟

نحن اللبنانيّين. كلّنا يعني كلّنا. غير أنّ الأهداف الأولى المطلوب التصويب عليها، هي ذاك الصنف من اللبنانيّين الذين تكرههم السلطة، بشدّة. وتعاديهم أحزابها وطوائفها والطائفيّون، بشدّة أيضاً. وتتفنّن جماهيرهم في قمعهم (ولا سيّما تلك الفائضة القوّة)، بشدّة أيضاً وأيضاً. فتُترَك الشوارع والمنصّات لقمصانهم السود تروّعهم، ولهراواتهم تكسِّر عظامهم، ولرصاصهم المطّاطي يقتلع عيونهم، ولذبابهم الإلكتروني يفرِّغ الحقد والشتيمة ضدّهم، و..لخطاباتهم تتوعَّد أو تتظلَّم. يفعلون كلّ ذلك، لأنّهم يكرهونهم. يفعلون كلّ ذلك، لأنّهم يخافونهم، وكثيراً. يخافونهم، طيوراً حرّة تغرِّد خارج أسرابها (ولم تولد في الأقفاص). لذا، نراهم يضيِّقون عليها الفضاء ويسعون لاصطيادها، بطريقةٍ أو بأخرى.

ونعود إلى “صناعة الجهل”. منذ ثمانينيّات القرن الماضي، بات لصناعة الجهل عِلْم. هو فرعٌ من فروع العلوم (السرّيَّة). ويمكن تعريف الـAgnotologie، بأنّه دراسة الأفعال المتعمَّدة التي يضطلع بها، عادةً، صانعو القرار. ويُكرَّس هذا العلم، للسيطرة على عقول الشعوب وأفعالها وضرْب قيم المجتمع. وأخطر ما فيه، هو طموحاته وأهدافه. فهو علمٌ يرمي إلى إثارة الإرتباك وإشاعة القلق والشك والخداع، إضافةً إلى إخفاء المعلومات عن “طلاّب” هذا العلم.

لكن في لبنان، لا تعتمد سلطتنا على هذه الآليَّة الأخيرة لتصنيع الجهل وتسويقه. فهذا ليس أسلوبها المحبَّذ. لأنّ أركانها لا يخافون من أيّ إشهار. لا يأبهون لتسريب أو نشْر أو فضْح أيّ معلومة عن موبقةٍ من موبقاتهم. لا يخيفهم شيء أو أحد. لا يهابون خصماً أو خبيراً أو مثقّفاً أو مفكّراً أو صحافيّاً.. لماذا؟ لأنّهم أولاً، حبكوا المسرحيَّة جيّداً، وأزالوا كلّ الأدلّة من مسارح جرائمهم. ولأنّهم ثانياً، أشركوا معهم “معظم هؤلاء”، في خططهم واستراتيجيتهم في التجهيل. ولأنّهم ثالثاً، غير مضطرِّين لإخفاء أيّ بصمة لهم. فالسياسي المعني بـ”جُرْمٍ ما” سيسارع، فوراً، إلى تحريك السلاح الذي صنّعه: سلاح الجهل. سيمتشق الزعيم المُفدّى “جمهوره الجاهل” بوجهنا وبوجه كلّ شيء وبوجه أيٍّ كان. سيُشهِره بوجه الجماهير الجاهلة لخصومه وحلفائه، وبوجه المغرّدين خارج الأسراب الطائفيَّة. وسيديره، أيضاً، ناحية جمهوره، إذا تحسّس أنّ هناك نعاجاً تحاول الخروج من القطيع!

لقد اشتغلوا بخبثٍ جهنمي ونجحوا، لا بدّ من الاعتراف بطاقاتهم التخريبيَّة. بفضلهم، أصبحت الفضيحة في لبنان مثل حادث سير. أصبحت أيّ فضيحة سياسيَّة أو أخلاقيَّة أو ماليَّة… حدثاً صوتيّاً، ليس إلاّ. والأخطر، أصبحت عُرْفاً سائداً! فهل يتفاجأ أحدكم أو يندهش أو يُصدَم أو يتأثّر، باتّهام حاكمٍ لبناني بفساد، أو زعيم لبناني بتعاملٍ مع العدوّ، أو رجل دينٍ لبناني بتحرُّشٍ بقاصر؟ كلا، قطْعاً. صارت هذه القضايا من سُنن حياتنا وطقوسها. ومَن يتصوَّر أنّ أحداً من السياسيّين قد يسارع للملمة فضيحة، أو لتغيير سلوكه بعد هذه الفضيحة، فهو واهمٌ إلى أبد الآبدين.

بطبيعة الحال، يستفزّ هذا الواقع البعض. يستفزّ مَن يتمتّع، من بين جماهير السلطة، بحدٍّ ما من الفكر والكبرياء. فتسمعهم يبرِّرون تبعيتهم العمياء والصمّاء لزعمائهم الحزبيّين والطائفيّين. يؤكّدون أنّهم، هم، مَن اختار اللحاق بهم. ويدافعون بأنّهم يوالونهم (أي زعماؤهم) ويحبّونهم ومقتنعون بأنّهم “الأكفأ” لحمْل لواء “القضيَّة”! هذا النوع من الحالات معروف. تسمّيه العلوم الإنسانيَّة “العلاقات السامّة”. أي، العلاقات التي تكون دائماً، ومن دون أيّ استثناء، غير آمنة وغير عادلة وغير متكافئة بين طرفيْ العلاقة. “العلاقات السامّة”، هي التي تخبر كلُّ علاماتها وعوارضها ومعالمها “العاشق”، بأنّ الوقت قد حان لمغادرة “معشوقه”. بأنّ الوقت قد حان لمغادرة القطيع. ولكن، لماذا تدوم هذه العلاقات؟ ربّما، من الضروري البحث في مراجع “علم النفس”.

كلمة أخيرة. قرأتُ قبل يوميْن الآتي: سأل الأبّ إبنه “ضدّ مَن تتظاهر يا سامر؟”، فأجاب الإبن “كلّن يعني كلّن”. فسأله الأب من جديد “هل فلانٌ واحدٌ منهم؟”، فأجابه سامر “نعم طبعاً وهو أوّلهم”. فقال له والده حينذاك “ألا تعلم يا بُنيّ، أنّ فلاناً هو الذي عيّنني في وظيفتي، وهو الذي أمّن منحة لأخيك، ودبَّر عملاً لأختك، مقابل صمتك وصمتي إلى الأبد؟”. ومنذ ذلك الحين، توقّف سامر عن التظاهر إلاّ بعد ظهر كلّ يوم سبت “كرمال الشباب”. متى سيثور لبنان واللبنانيّون ثورةً ساحقة ماحقة، يدفنون فيها الجثث المُحنَّطة في الحكم؟ إقتضى التساؤل.. وبقوّة.

وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free online course