كارلوس.. الثعلب الذي أرعب الذئاب

نشرت صحيفة "أوبزرفر" البريطانية مؤخراً تقريراً عن الفنزويلي ايليتش راميريز سانشيز الذي عرفه العالم تحت اسم "كارلوس الثعلب".. وهو الذي عمل في الجناح الخارجي لـ"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" تحت قيادة وديع حداد، (أبو هاني).. أحد أبرز الشخصيات الغامضة في تاريخ العمل الفلسطيني المسلح.

يتحدث تقرير الصحيفة البريطانية عن التباس في شخصية كارلوس، ويقدمه، على لسان بعض الخبراء الأوروبيين، بوصفه إرهابياً بالفطرة مارس تهديده على أوروبا الشرقية بقدر ما فعل حيال الغرب، ما ينفي مقولة احتضانه من قبل المخابرات السوفياتية “كي. جي. بي”، بهدف بث الرعب في أوروبا الغربية الموالية للولايات المتحدة، تنفيذاً لمهام تكلفه بها رديفتها الشرقية التي كانت تسير في فلك الإتحاد السوفياتي زمن الحرب الباردة.

يؤرخ التقرير للحظة خروج كارلوس من أوروبا الشرقية في حزيران/ يونيو 1986 عبر بوابة براغ، عاصمة تشيكيا حالياً، حيث ينقل حواراً متوتراً جرى في غرفة داخل أحد الفنادق بين رجال أمن تشيكيين من جهة وبين كارلوس ورفيق له ومعهما إمرأة حامل تدعى ماغدالينا كوب من جهة ثانية. انتهى النقاش الصاخب بموافقة الرجلين والسيدة على مغادرة براغ بعدما تأكد لهم أن فرقة من المخابرات الفرنسية دخلت البلاد بهدف قتلهم. ذهب الثلاثة إلى موسكو. لم يعد كارلوس إلى أوروبا الشرقية مجدداً. قبل ثلاث سنوات من تلك الحادثة، أمكن لكارلوس أن يدفع الحكومة الفرنسية تحت الضغط للإفراج عن ماغدالينا كوب بعد اعتقالها بتهمة حيازة متفجرات.

الرعب المتنقل

 بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ذهب كارلوس إلى بغداد ثم إلى دمشق، ومنها إلى الخرطوم حيث أمكن للمخابرات الفرنسية أن تلقي القبض عليه عام 1994 ليدان بتهمة القتل، وينال حكماً بالسجن مدى الحياة.

ينقل التقرير عن المؤرخ السويسري أدريان هانّي قوله أن دول الشرق السوفياتي كانت تقف موقفاً دفاعياً حيال كارلوس ورفاقه، خشية انتشار العنف خلف الستار الحديدي، نافياً المزاعم التي سادت طويلاً والقائلة بأن الفنزويلي المشاغب هو بند في خطة سوفياتية كانت تهدف إلى زعزعة استقرار الغرب الأوروبي. فالتحديات التي طرحها وجود كارلوس وأمثاله ألقت بظلالها على الشرق والغرب معاً.

وفقاً للتقرير وحده نظام “شتازي” الذي يمثل جهاز المخابرات في ألمانيا الشرقية كان يقدم الدعم لمجموعة “من مرتكبي أعمال العنف”، بينهم كارلوس. وتنقل الصحيفة عن الوثائق أن الدول الإشتراكية في أوروبا كانت تصنف بعض الناشطين أمثال كارلوس باعتبارهم مصادر استخباراتية، في حين كانت تتعامل مع بعضهم الآخر كفرص محتملة لتحقيق مكاسب تجارية ووسطاء لصفقات الأسلحة، ومصادر لتكنولوجية غربية مسروقة.. نادراً ما جرى استغلالهم لأغراض العنف والقتل. حيث عمدت رومانيا، تحت قيادة نيقولاي تشاوشيسكو، إلى استثمار جهود كارلوس في استهداف بعض المعارضين لها من الخارج، وتفجير مكاتب إذاعة “أوروبا الحرة” في ميونيخ، وهي كانت تبث برامج مناهضة للشيوعية وتنتقد النظام في بوخارست. في حين قدمت الدول الأخرى ما يشبه الضمانات للفنزويلي المشاغب بالتسامح معه مقابل عدم التعرض لمصالحها. ويكشف المؤرخ السويسري أن كارلوس أمكنه أن يجد ملاذا آمناً في بودابست، عاصمة هنغاريا، لبضع سنوات، دون ترحيب من أجهزتها الأمنية، في حين كانت السلطات البلغارية تنظر إليه بوصفه تحدياً وليس شريكاً. كما ينقل التقرير عن أستاذ التاريخ في جامعة صوفيا، جوردان بايف، وهو مساهم في كتاب منتظر حول الوثائق المكتشفة، أن أمن الدولة البلغاري كان يخاف من الهجمات على بلاده، أو على مصالحها في الخارج، وكان يتفادى، تبعاً لذلك، استفزاز مجموعات كارلوس.

كذلك تنقل الصحيفة عن دانييلا ريختروفا، الخبيرة بشؤون الإرهاب في فترة الحرب البادرة، والمحاضرة في جامعة برونيل قولها أن أجهزة الأمن في العالم الإشتراكي كانت بالغة القسوة حيال مواطنيها، لكنها لم تكن مستعدة لمواجهة ما أسمتها بالشخصيات الغريبة والخطيرة، ذات المشاعر السيئة، التي بدأت تفد إلى أوروبا الشرقية منذ السبعينيات. كانوا يراقبونها سراً، وأحياناً كانوا يسربون لبعضها أنها تخضع للمراقبة.

خاطف الوزراء

تقرير الصحيفة البريطانية يعيد إلى الأذهان كتاب “أسرار الصندوق الأسود” للكاتب والصحافي غسان شربل، الذي ذهب بعيداً في رحلة البحث عن تفاصيل حياة الفنزويلي المثير للتساؤلات، حيث أجرى معه حواراً عبر محاميته، ايزابيل كوتان بيار، بينما هو في السجن الفرنسي، سأله فيه عن أمور شتى قام بها في حياته، ولا سيما عملية منظمة أوبك في العاصمة النمساوية فيينا.. وهي حادثة تاريخية لم يتناولها تقرير “الأوبزرفر” بالرغم من أهميتها..

في 21-12- 1975 اقتحم كارلوس ومعه اللبناني أنيس نقاش وأربعة من رفاقهم مقر منظمة الدول المنتجة للنفط (أوبيك)، حيث احتجزوا الوزراء الذين كانوا يشاركون في مؤتمرها السنوي.. دافعين العالم بأكمله لأن يحبس أنفاسه طيلة أيام، مشدوهاً بحادثة لم يشهد مثلها من قبل.

لاحقاً كان غسان شربل يبحث عن أحد كوادر المجال الخارجي لإجراء مقابلة معه.. وجده على كرسي متحرك بفعل رصاصة تلقاها من الموساد.. كان الرجل عاجزاً عن شراء دواء.. عرض عليه محاوره أن يشتريه له لكنه رفض بإصرار: “أنا وافقت على التحدث اليك لأنصف وديع حداد.. إذا قبلت منك الدواء سأشعر أنني بعت المعلومات”

القادم من بعيد

يروي أحد رفاق وديع حداد في حوار مع غسان شربل أن كارلوس، وهو ابن محام ماركسي، تعرف إلى “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” عن طريق بعض زملائه الفلسطينين في جامعة باتريس لومومبا (الصداقة) في موسكو.. عام 1970 قدم مع بعضهم إلى الأردن حيث أقام لفترة في معسكر تابع للجبهة ثم أرسل إلى بيروت حيث تعرف إلى وديع حداد، وحظي باسم “سالم”، وهناك تقررت مشاركته في أول عملية: تفجير محل “ماركس أند سبنسر” وقد نجح فيها. كما أوكلت إليه مهمة اغتيال اللورد البريطاني سيف. وقد أطلق عليه النار وأصابه في فكه لكنه لم يمت. حصل مرة أن “سالم” كان في باريس يتولى تجنيد بعض الأوروبيين للمشاركة في أنشطة الجبهة.. وكان رفيقه ميشال مكربل يتولى إمداده ببعض جوازات السفر المزيفة من بيروت.. عثر الأمن اللبناني في مطار بيروت على الجوازات فأوقف مكربل لثلاثة أيام، ثم سمح له بالمغادرة إلى باريس بعد أن تم إبلاغ الأمن الفرنسي بحقيقة وضعه.. كان يتعين على مكربل أن يتنبه لكون مراقباً، ويتفادى الإتصال بكارلوس لكنه فعل.. علم الفرنسيون بالأمر، بفعل تنصتهم على هاتفه، فأجبروه على إرشادهم إلى مكان كارلوس الذي بادر إلى إطلاق النار فور اقتحامهم الشقة، قتل مكربل واثنان من الشرطة الفرنسية فيما أمكن لكارلوس أن ينجو من الإعتقال.. لاحقاً تباينت الآراء بين أن يكون مكربل خائناً أو مخطئاً.. أما كارلوس فلا يزال مصراً حتى اليوم على أن الرجل كان عميلاً للموساد.

بلاد بأبواب كثيرة

ينطوي كتاب “أسرار الصندوق الأسود” على الكثير من المفارقات المتعلقة بالمجال الخارجي لـ”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، وهي من الأهمية بحيث يصعب بدونها فهم حقيقة الدوافع الحقيقية التي جعلت رجلاً من فنزويلا، وآخرين من اليابان وأوروبا، يدافعون عن فلسطين كأنهم من أبنائها.. ولد المجال الخارجي على يد الدكتور وديع حداد من رحم الجبهة بقيادة الدكتور جورج حبش، وكان بين الإثنين زمالة دراسة، وصداقة عمر، والكثير من الصلة الوجدانية التي لم تقو عليها الخلافات.. اختار حبش أن يدافع عن بلاده المحتلة على الملأ فيما انحاز حداد إلى الظلمة.. تكامل الرجلان مرة وتفارقا مرة أخرى.. لكن الهدف الأسمى لكليهما ظل واحداً في الحالتين.

يقول غسان شربل في كتابه أنه بعد أن نشر حواره مع كارلوس وجد من يتصل به ليقول له أن محدثه كان جديراً بالإهتمام عندما كان في ظل وديع حداد، ودعاه لأن يبحث عن رفاق أبو هاني الموزعين في أرجاء الأرض. يكشف الصحافي أن الإتصال ذاك قاده إلى أماكن كثيرة من العالم ليعثر على أشخاص نذروا أنفسهم للكفاح وتعرضوا جراءه لملمات شتى.. أكثر ما أثار دهشته أن رفاق وديع لم يتقاعدوا برحيله، وإن كان آداؤهم أصابه بعض الوهن..

مال.. وفاقة

يحكي عن أزمة مادية واجهت الجبهة ذات مرحلة.. سارع كثيرون من أركانها لتحميل المسؤولية إلى وديع حداد.. قرر المجال الخارجي اختطاف طائرة ألمانية والمطالبة بفدية عقاباً لألمانيا على دفعها الأموال لإسرائيل بحجة التعويض عن جرائم النازية ضد اليهود.. أمكن تحقيق الأمر.. اختطفت طائرة تابعة لشركة لوفتهانزا وجاء مندوب للشركة إلى بيروت حاملاً حقيبة فيها خمسة ملايين دولار.. سلمت الأموال للجبهة وانحلت الأزمة.. لاحقاً كان غسان شربل يبحث عن أحد كوادر المجال الخارجي لإجراء مقابلة معه.. وجده على كرسي متحرك بفعل رصاصة تلقاها من الموساد.. كان الرجل عاجزاً عن شراء دواء.. عرض عليه محاوره أن يشتريه له لكنه رفض بإصرار: “أنا وافقت على التحدث اليك لأنصف وديع حداد.. إذا قبلت منك الدواء سأشعر أنني بعت المعلومات”.. ما يقوله شربل موضحاً أن الرجل العاجز عن شراء دوائه هو نفسه الذي استلم حقيبة الملايين الخمسة قبل سنين قليلة.

النخبة أيضاً كانت هناك

كان لأداء وديع حداد ومجاله الخارجي أن آلم الأعداء.. ما منحه صدقية في أذهان الناس وقبولاً من جانبهم.. يروي أحد من حاورهم غسان شربل أن منزل حداد تعرض مرة لقصف صاروخي من “الموساد” ألحق به وبزوجته بعض الإصابات.. في اليوم التالي كان شاب، اكتسب لاحقاً مكانة قيادية متقدمة بين علية القوم، يكنس الزجاج المتكسر.. سأل الصحافي محاوره عن اسم الشاب المقصود فتحفظ الرجل. أوقف شربل آلة التسجيل فهمس الآخر: “رفيق الحريري”.

في لقاء معه، سأل شربل الرئيس الحريري عن صحة الواقعة، فضحك الحريري قائلاً: “أنت تركز كثيراً على الماضي.. دعنا نهتم بالمستقبل”.

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
free download udemy paid course