قبل محاولة تلمّس الإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد من التوقف قليلاً أمام ما تحقق خلال الأسبوع الأول من العدوان على ضفتي الصراع. ففي إيران، لا أحد يعرف حتى الآن النتيجة الفعلية للضربات على القدرات العسكرية الإيرانية ومدى تأثرها. ومن يتابع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب يشعر وكأن الحرب انتهت تقريباً؛ إذ قال إنه قضى على سلاح البحرية الإيرانية وعلى نسبة كبيرة من منصات الصواريخ الباليستية، بل إنه كان يُريد أن يكون له رأي في تسمية المرشد الذي سيخلف مرشد الجمهورية الإمام علي خامنئي؛ لذا سارع للقول إنه ليس سعيداً باختيار مجتبى خامنئي مرشداً خلفاً لوالده.
لكن التجارب مع تصريحات ترامب تؤكد أنه يقول الشيء ونقيضه. فإثر عدوان يونيو (حزيران) الماضي أعلن ترامب أنه قضى كلياً على البرنامج النووي الإيراني، وذهب إلى حد توبيخ أجهزة الاستخبارات التي قالت عكس ذلك، مضيفة أن إيران قادرة على استعادة قدراتها النووية خلال أشهر قليلة. ثم عاد ترامب نفسه وقال، بعد إطلاق العدوان الجديد على إيران، إنه اضطر إلى ذلك لأن إيران كانت على مسافة أسبوعين فقط من إنتاج قنبلة نووية. لذلك فإن مصداقية التصريحات التي يطلقها الرئيس الأميركي في هذا المجال باتت صفرية حتى لدى الرأي العام الأميركي.
وما هو مؤكد أن الحرب الأميركية – «الإسرائيلية» حققت نقاطاً ثمينة جداً عبر اغتيال آية الله علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين. لكن في المقابل، كان الرد الإيراني سريعاً هذه المرة، ولم يستغرق ثماني ساعات كما حصل في يونيو/حزيران الماضي. فقد بادرت إيران إلى الرد بقصف صاروخي واسع على الكيان «الإسرائيلي» وعلى القواعد العسكرية الأميركية في دول الخليج، وذلك بعد ساعتين فقط من بدء العدوان، على الرغم من خسارتها عدداً من كبار القادة العسكريين.
وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة انخرط حزب الله في الحرب بإطلاق صواريخه على شمال الكيان «الإسرائيلي»، ليكسر بذلك صمته الذي دام خمسة عشر شهراً من الاعتداءات «الإسرائيلية» على لبنان، والتي لم تتوقف كما كان يفترض بعد اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي تم التوصل إليه برعاية أميركية – فرنسية في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024. وقد أسفرت الاعتداءات «الإسرائيلية» خلال تلك الفترة عن استشهاد أكثر من 400 لبناني وجرح أكثر من 1500 آخرين، فضلاً عن الدمار الذي كانت تخلفه الغارات اليومية على السكان المدنيين من أقصى شمال شرق لبنان إلى أقصى جنوبه.
وكان لافتاً للانتباه أن «حركة أنصار الله» اليمنية بقيادة عبد الملك الحوثي لم تدخل الحرب حتى الآن، فيما بقيت مشاركة القوى العراقية الحليفة لإيران محدودة في الأداء والأهداف.
على المقلب الآخر، تشير خريطة التحالفات إلى تردد بريطاني في بداية الحرب، ما استدعى نقداً أميركياً لاذعاً من ترامب لرئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر، الذي سرعان ما حسم تردده ودخل الحرب «حماية لمصالح بريطانيا في المنطقة»، كما قال. أما الاتحاد الأوروبي فيعيش انقساماً واضحاً في المواقف. وبين الموقف الإسباني الذي أدان العدوان على إيران، وموقف فرنسا التي سمحت للولايات المتحدة باستخدام بعض قواعدها العسكرية لأهداف لوجستية فقط، ومواقف دول أوروبية أخرى مترددة، يبدو أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى فرز أعمق داخل الاتحاد الأوروبي قد يترك تأثيره على وحدته، فيما يبدو موقفا الصين وروسيا مستغرباً حتى الآن بحيث ينطبق عليهما المثل القائل “أكلت يوم أكل الثور الأبيض”.
أما الدول العربية الحليفة لواشنطن فوجدت نفسها في وضع لا تُحسد عليه. فالدول التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية تعرضت منذ الساعات الأولى لصليات صاروخية قالت إيران إنها استهدفت القواعد الأميركية على أراضي تلك الدول، وهي السعودية وقطر والإمارات والبحرين وعُمان، إضافة إلى الأردن. ومع ظهور لقطات وصور تظهر إصابة أهداف أخرى غير القواعد العسكرية، أعلنت إيران أنها قصفت أيضاً فنادق وشققاً لجأ إليها عسكريون أميركيون بعد تدمير بعض القواعد وخروجها من الخدمة.
في الأهداف المعلنة من قبل التحالف الأميركي – «الإسرائيلي»، بدا واضحاً وجود تخبط لدى هذين الطرفين. فرئيس الحكومة «الإسرائيلية» بنيامين نتنياهو أعلن منذ اللحظة الأولى أن الهدف «الإسرائيلي» هو إسقاط النظام في إيران. أما الرئيس الأميركي فأعلن أنه غير مهتم ببقاء النظام الديني المتشدد في إيران، وأنه يطمح إلى الوصول إلى نتيجة شبيهة بما حدث في فنزويلا عندما خطفت القوات الأميركية الرئيس نيكولاس مادورو وأبرمت اتفاقاً مع خليفته الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز وضعت بموجبه الولايات المتحدة يدها على النفط الفنزويلي. وأبلغ إشارة إلى هذا التخبط كان العنوان الذي نشرته مجلة «الإيكونوميست» البريطانية في عددها الأخير: «حرب بلا استراتيجية».
وفي الوقائع أيضاً، حقّقت المقاومة اللبنانية مفاجأتين بارزتين. الأولى أنها، وعلى الرغم من التزامها بقرار الحكومة حصرية السلاح بيد الدولة في منطقة جنوب نهر الليطاني، ظهر مقاتلوها فجأة بأسلحتهم الفردية والصاروخية (الكورنيت) عند الحافة الحدودية واشتبكوا مع القوات «الإسرائيلية» الغازية من مسافة صفر وأوقعوا فيها إصابات بالغة، فيما التزمت باستخدام الصواريخ فقط من المنطقة الواقعة شمالي نهر الليطاني. أما المفاجأة الثانية فهي فشل «إسرائيل»، خلال الأسبوع المنصرم، في اغتيال أي مسؤول في حزب الله، ما يعني أن الحزب تمكن من سد الثغرات الأمنية التي ظهرت في حربه مع «إسرائيل» خلال عامي 2023 و2024، علماً أن استهداف عدد من ضباط الحرس الثوري في أحد فنادق العاصمة بيروت طرح الكثير من علامات الاستفهام.
ولا بد من الإشارة إلى أن قيادة المقاومة لطالما كرّرت مرات عدة أن للصبر حدوداً مع استمرار الاعتداءات طوال 15 شهراً. لذلك فإن دخول المقاومة الحرب حالياً، برغم ما قد يسببه من خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات، حجز للبنان مقعداً على طاولة المفاوضات لإنهاء الحرب في المنطقة.
أمام هذه البانوراما لا بد من العودة إلى السؤال الأساسي: كيف ستنتهي هذه الحرب؟
في موازين القوى بين إيران والولايات المتحدة، فإن مجرد عدم استسلام إيران وعدم الإطاحة بنظامها يُعدّ ربحاً لها. أما الرهان على استسلام إيران فهو أمر شبه مستحيل. فالقيادة الإيرانية ذات العقيدة الشيعية الحسينية لا يمكنها أن تستسلم، لأن عقيدتها تقوم على شعارات تشكل عمادها الأيديولوجي مثل: «هيهات منا الذلة» و«انتصار الدم على السيف».
أما إمكانية هزيمة إيران عسكرياً بالمعنى الكلاسيكي فهي أيضاً أمر شديد الصعوبة. فالطائرات والصواريخ لا ترفع علماً على أرض. ومن المستبعد جداً أن ترسل الولايات المتحدة قواتها البرية لاحتلال إيران كما فعلت في العراق أو أفغانستان.
فإيران بلد مترامي الأطراف تبلغ مساحته نحو 1.6 مليون كيلومتر مربع، بتضاريس معقدة تشمل جبالاً شاهقة مثل جبال البرز وصحارى وسواحل واسعة، ويقطنه أكثر من تسعين مليون نسمة يحملون إرثاً حضارياً يمتد لآلاف السنين ويتمتعون بعزة وطنية قوية.
وقد ظهر هذا التماسك الداخلي بوضوح، إذ دعا الحزب الشيوعي الإيراني «توده»، المحظور في إيران، إلى الوحدة الوطنية لمواجهة العدوان. كما أن الرهان الأميركي على انتفاضة شعبية تواكب العدوان لم يتحقق، مع نزول الإيرانيين إلى الشوارع في مختلف المدن والمحافظات دعماً للنظام.
وإذا كانت «إسرائيل»، بكل قدراتها العسكرية والتكنولوجية، قد عجزت خلال عامين من حرب مدمرة عن القضاء على حركة حماس في قطاع غزة المحاصر، وعجزت أيضاً عن إنهاء قدرات حزب الله الصاروخية، فكيف يمكن للتحالف الأميركي – «الإسرائيلي» القضاء على القدرات الصاروخية لدولة شبه قارة بحجم إيران؟
لقد حدد التحالف الأميركي – «الإسرائيلي» موعد بداية الحرب، لكنه لا يملك القدرة على تحديد موعد نهايتها وفق النتائج التي يريدها. فإيران أيضاً لها كلمتها التي ستُقال على لسان المرشد الجديد مجتبى خامنئي.
وهنا يستحضر كثيرون قول قائد الثورة ومؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران، آية الله الخميني، عندما وافق على وقف الحرب مع العراق عام 1988، بأنه «يتجرع كأس السم» لمجرد قبوله بوقف الحرب. واليوم ما تزال إيران تنتظر كلمة المرشد الجديد وما إذا كان سيتجرع «كأس السم» بالموافقة على وقف إطلاق النار، علماً أن الحرب العراقية الإيرانية توقفت بعد أن استعادت إيران كل الأراضي التي سبق أن احتلها العراق على مدى السنوات الثماني من الحرب.
في المحصلة، قد تكون هذه الحرب بدأت بقرار من واشنطن وتل أبيب، لكنها لن تنتهي بالضرورة وفق الشروط التي رسمتاها لها. فالحروب الكبرى في الشرق الأوسط نادراً ما تسير وفق الخطط المعلنة، وغالباً ما تنتهي بتسويات تفرضها موازين الاستنزاف لا حسابات البداية. وبين صواريخ تتطاير فوق سماء المنطقة، وأسواق طاقة مضطربة، وعواصم قلقة من اتساع النار، يبدو أن الجميع بات يدرك أن طريق الحسم العسكري مسدود. لذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: من سينتصر؟ بل متى سيقتنع الجميع بأن لا أحد قادر على الانتصار الكامل. وعند تلك اللحظة فقط، تبدأ الحرب فعلاً بالاقتراب من نهايتها.
