ماكرون يُدشّن معركته الرئاسية.. بـ”مكافحة الإنفصالية الإسلامية”
French President Emmanuel Macron delivers a speech to present his strategy to fight separatism, on October 2, 2020 in Les Mureaux, outside Paris. (Photo by Ludovic MARIN / POOL / AFP) (Photo by LUDOVIC MARIN/POOL/AFP via Getty Images)

ما هي أهداف مبادرة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في اعادة اطلاق النقاش حول "مكافحة التطرف الاسلامي" في فرنسا؟ ما هي تفاصيل الخطة المقترحة على الجمعية الوطنية (البرلمان) لأجل تبنيها وصدورها في قانون جديد؟ ما هو برنامج الحكومة الفرنسية في الأشهر المقبلة؟

على مدى أكثر من ساعتين، وقف الرئيس ايمانويل ماكرون امام عدد من وزرائه ومسؤولين محليين وصحافيين يشرح ويفصل استراتيجيته لمواجهة انتشار التطرف الاسلامي في فرنسا وخصوصا في أحياء ضواحي المدن والتصدي لما أسماها “الانفصالية الاسلاموية”، وذلك من اجل “صيانة فرنسا الموحدة والتمسك بالعلمانية والمحافظة على قيم الجمهورية”.

قبل التطرق الى مضمون هذه الاستراتيجية وتفاصيل الخطة الفرنسية، لا بد من التوقف عند ظروف هذا الإعلان والشكل الذي رافقه.

أولاً، كان من المقرر ان تكون كلمة ماكرون في شكل “خطابٍ” مركزٍ، فاذ به يتحول الى كلمة مكتوبة في قسم منها ومرتجلة في قسمها الاخر، وتبعها مؤتمر صحافي تمحورت الاسئلة فيه حول موضوع سياسي داخلي واحد.

ثانياً، حرص ماكرون على أن يكون محاطاً بستة وزراء (ثلاثة رجال وثلاث نساء) ابرزهم وزراء الداخلية والعدل والتربية وذلك تبعاً للقطاعات الحساسة التي تشملها خطة رئيس فرنسا.

ثالثاً، اختيار مكان اطلاق الخطة الرئاسية لم يكن من قبيل الصدفة، فقد شاء ماكرون ان ينتقل الى احدى مدن الضواحي الباريسية وهي مدينة “ليه مورو”. وقد اختارها “لنجاح عملها ومبادراتها في اطار تعزيز العيش معاً” بين مختلف شرائح سكانها.

رابعاً، ليست المرة الأولى التي يتناول فيها ماكرون هذا الموضوع الا ان المسألة إرتدت هذه المرة اهمية خاصة. من جهة، تطرق الرئيس الفرنسي الى خطة مفصلة اعدها بعد سلسلة مشاورات، ومن جهة أخرى، أبدى رغبته في تبنيها من قبل حكومته في مشروع قانون تمهيدا لاعتمادها بصيغة قانون يصدر عن الجمعية الوطنية (البرلمان).

والجدير ذكره أن هذه النوايا ليست جديدة بل طرحت منذ خمس سنوات على الأقل وتحديدا مع بدء العمليات الإرهابية التي ضربت فرنسا مطلع عام 2015 (وتجرى حاليا ولشهرين ونصف محاكمة 14 شخصا يعتبرهم القضاء على علاقة بما شهدته باريس مطلع شهر يناير/كانون الثاني من العام المذكور).

خامساً، توقيت الاعلان يأتي قبل حوالي ستة اشهر من موعد الانتخابات المناطقية المقررة في آذار/مارس المقبل، وهو الاستحقاق الانتخابي الأخير قبل معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة في العام 2022 (يذكر ان حزب ماكرون مني بالفشل في الانتخابات الاوروبية ومن بعدها الانتخابات البلدية الأخيرة)، إضافة الى ان هذا الموضوع يأتي في أولوية القضايا التي تستخدمها أحزاب اليمين المتطرف في حملاتها الانتخابية.

ما هي ابرز النقاط التي تضمنتها خطة ماكرون؟

أولاً، العنوان الكبير للخطة يندرج في اطار “محاربة الانفصاليات” الا انه في الواقع يقتصر على التصدي لظاهرة “الانفصالية الاسلاموية” أو “التطرف الاسلامي”.

ثانياً، يحرص ماكرون على التأكيد منذ البداية ان المقصود ليس التعرض لحرية المعتقد والممارسة ولا استهداف جميع المسلمين في فرنسا. اوضح ماكرون ان التصدي ليس للاسلام كدين بل للتطرف الاسلامي كايديولوجية تريد ان تفرض عاداتها وقوانينها فوق قوانين الجمهورية من خلال اقامة نظام متواز ومضاد.

ثالثاً، اعترف ماكرون ان تقصير الدولة وترك الامور دون التدخل في الاحياء والضواحي جعلها وكأنها تساهم في بناء هذه الانفصالية من خلال اقامة تجمعات منعزلة “غيتوات” مع مشاكل وصعوبات تربوبة واقتصادية واجتماعية مما عزز التدخلات الخارجية.

رابعاً، توقف ماكرون عند تحول هذه الاماكن بؤرة خصبة لتمدد الاتجار بالمخدرات ولا سيما تمدد الارهاب واعمال الجهاد. واشار الى ان تحرك القوى الامنية وعمل اجهزة الاستخبارات جنّب فرنسا 32 عملية ارهابية تم احباطها في الاشهر الأخيرة.

خامساً، حدد ماكرون روزنامة خطته. فمن الان وحتى نهاية تشرين الثاني/نوفمبر المقبل سيستمر في مشاوراته مع كل ممثلي الفعاليات المعنية الدينية والمحلية، وفي الوقت ذاته، ستواصل الوزارات اعداد تفاصيل الخطة على ان يتم وضع مشروع قانون متكامل يعرض على مجلس الوزراء في التاسع من كانون الاول/ديسمبر المقبل من اجل اقراره ومن ثم رفعه الى الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ لمناقشته والتصويت عليه.

بين موقفي اليمين واليسار، يحاول ماكرون وحزب “فرنسا إلى الأمام” غزو مساحات لطالما إحتكرها اليمين بأحزابه وتياراته المتطرفة، وذلك في محاولة لدغدغة مشاعر كتلة انتخابية يمينية عشية الانتخابات المناطقية، بعد أشهر قليلة

سادساً، تتضمن الاستراتيجية – الخطة خمسة محاور:

-المحور الاول: اتخاذ تدابير فاعلة تساعد المسؤولين المحليين على فرض احترام “الحياد” من قبل الموظفين وذلك في اطار ممارسة وظائفهم، على أن يتم التقيد بتطبيق قوانين الجمهورية بشكل صارم.

-المحور الثاني: تشديد المراقبة على عمل الجمعيات وطرق تمويلها وتوسيع صلاحيات حلها ووقف نشاطاتها.

-المحور الثالث: بعد الكشف ان عدد الطلاب الذين يتابعون دراستهم عن بعد في منازلهم بغية التهرب من احترام الضوابط وقواعد النظام المدرسي تجاوز الخمسين الف طالب، قرر ماكرون فرض الزامية التعليم المدرسي ابتداء من سن الثالثة وذلك في بداية العام الدراسي 2021-2022.

-المحور الرابع: المساعدة في “بناء اسلام في فرنسا”، بمعنى دعم الديانة المسلمة في مأسسة وجودها وتنظيمها وتحريرها من الضغوط الخارجية من خلال اعداد الأئمة داخل فرنسا ووضع نظام لممارسة مهامهم وتأطير المساعدات الخارجية لدور العبادة والجمعيات.

-المحور الخامس: تقريب مسلمي فرنسا من الجمهورية من خلال تعزيز حضور ادارات ومؤسسات الدولة في اماكن تواجدهم وتأمين عدالة الفرص امامهم والمساواة والتصدي الفاعل ضد التصرفات العنصرية حيالهم من اجل ان يجد كل مواطن مكانا له. ووجه دعوة ملحة لهم من اجل تحقيق ما سماه “صحوة جمهورية”.

ولكن ما هو موقف المرجعيات المعنية بين مسلمي فرنسا؟

ابرز هذه المرجعيات محمد الموسوي رئيس المجلس الفرنسي للديانة المسلمة وشمس الدين حافظ عميد مسجد باريس الكبير، وهما أبديا انفتاحا واعربا عن تجاوبهما مع خطة ماكرون، إلا أن الموسوي طالب بوجوب مراعاة حساسية المسلمين لاستعمال بعض العبارات، ودعا الى ضرورة تفادي عزل او استهداف هؤلاء بسبب تصرفات اقلية مدانة. اما حافظ فقد شدد من جهته على عدم استغلال هذا الموضوع سياسيا واعلاميا عشية الاستحقاقات الانتخابية مع التفريق بين الديانة المسلمة والايديولوجية الاسلامية والعمل على ازالة “الغيتوات” ذات الاكثرية المسلمة.

في ردود الفعل السياسية الاولية انتقدت الاحزاب اليمينية المعارضة  خطة ماكرون ورات انه لم يذهب بعيدا في التدابير التي اعلن عنها كما انها تفتقد الى الفاعلية، وتقول إنه توجد أحياء “خرجت عن سيطرة الجمهورية”. في حين اعتبرت الاحزاب اليسارية، وخصوصا المتشددة منها، ان كلام الرئيس الفرنسي اقتصر على النزعة الانفصالية الاسلامية ولم يات على ذكر غيرها مما يضع فئة معينة من المواطنين في دائرة الاستهداف والشك.

وبين موقفي اليمين واليسار، يحاول ماكرون وحزب “فرنسا إلى الأمام” غزو مساحات لطالما إحتكرها اليمين بأحزابه وتياراته المتطرفة، وذلك في محاولة لدغدغة مشاعر كتلة انتخابية يمينية عشية الانتخابات المناطقية، بعد أشهر قليلة.

خطة ماكرون تشي منذ الآن أن القضايا المرتبطة بما يسمى “التطرف الإسلامي” او “الانفصال الاسلامي” مرشحة لان تتصدر طليعة مواضيع النقاش السياسي الداخلي مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، وذلك على مسافة 18 شهراً من موعدها.

باريس ـ بشارة غانم البون

صحافي وكاتب لبناني مقيم في باريس

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
online free course