ترامب ومدفعية الإعلام المعولم الثقيلة

تستخدم وسائل الإعلام الليبرالي (يمينًا ويسارًا) التقنيات الحديثة للتأثير بدلاً من نقل الخبر؛ للهجوم بدلاً من التثقيف؛ للترويج لأحداث معينة مع التظاهر بعدم وجود أخرى. إنهم دائمًا ما يضخمون المزاعم المُدمرة التي تغذي الروايات أحادية الجانب التي يتبنوها، ثم يتجاهلون الحقائق تمامًا عندما يخرجون لاحقًا إذا ثبت أن معتقداتهم خاطئة. إنهم يستمرون كما لو لم يحدث شيء ويستمرون في تكرار نفس النمط مثل آلية عمل الساعة - تضخيم الإدعاء، ثم تجاهل النتيجة.

أشار الصحفي اليميني المُثير للجدل أندرو بريتبارت في أحد كتاباته إلى أن “هوليوود أكثر أهمية من واشنطن.” فما يحدث أمام الكاميرات في استديوهات شركة الترفيه الإعلامي Warner Bros  كثيرًا ما يُحدث فرقًا أكبر في مصير أمريكا مما يُحدثه مبنى مكاتب للكونغرس لمجلس النواب الأمريكي، ومجلس الشيوخ ومجلس النواب والمحكمة الأمريكية العليا في حي كابيتول هيل بواشنطن العاصمة[i]. شهد العام 2015، في حفل توزيع جوائز الغرامي ظهور الرئيس السابق للولايات المتحدة باراك أوباما في فيديو قائلًا للجمهور: “الليلة، نحتفل بالفنانين الذي تُساعد موسيقاهم ورسالتهم في تشكيل ثقافتنا… حيث يتمتع الفنانون بقدرة فريدة على تغيير العقول والمواقف وجعلنا نُفكر ونتحدث عما يهمنا.[ii]

لا يمكني إلا أن أتفق مع أندرو بريتبارت حول هذا الطرح البالغ الأهمية، حيث تولى المشاهير مِن رجال الفن والإعلام إلى حد كبير الدور الذي اعتادت العائلات والكنيسة والتقاليد الوطنية أن تلعبه في تشكيل ومراقبة مواقف المجتمع وأفعاله. فالموسيقى والأفلام والبرامج التلفزيونية ليست مجرد “ترفيه”، بل صاروا يشكلون الثقافة ويؤثرون على الوعي الجمعي للأمم من خلال تصنيع شخصيات أيقونية يُحاكيها الملايين ويتبنوا معتقداتهم وسلوكياتهم. فكما يُقال أن الفن يقلد الحياة، فإن الحياة الحديثة صارت تُحاكي الفن أيضًا.

أثبتت الانتخابات الرئاسية لعام 2016 أن ميزان القوى قد تحول من مجموعة متماسكة من الرؤوساء التنفيذيين لشركات الإعلام الرئيسية إلى أيدي الأمريكيين العاديين الذين يستخدمون Facebook و Twitter و YouTube لنشر رسائلهم للآخرين، سواء كان ذلك بضع مئات من أصدقائهم على هذه المنصات، أو جمهور من الملايين إذا انتشرت منشوراتهم بسرعة[iii].

وقد أدى فوز الرئيس الحالي دونالد ترامب إلى قيام وسائل الإعلام الأمريكية الرئيسية بإلقاء الموضوعية من النافذة وتكريس وجودها لتصويره على أنه ديكتاتور مُختل عقليًا يحتاج إلى عزله أو سجنه. لقد أصبحوا جريئين للغاية في محاولاتهم للإطاحة بالديمقراطية لدرجة أنهم ينخرطون الآن بانتظام في تكرار الأكاذيب التي مِن الممكن فضحها بسهولة على أمل جعل الناس يبدأون في الشك في ذاكرتهم ومنطقهم وإدراكهم لما في الواقع.

لذلك من أجل استعادة السيطرة على تدفق المعلومات، بدأت تكتلات وسائل الإعلام القديمة العمل بشكل وثيق مع عمالقة وادي السيليكون لإعادة كتابة الخوارزميات بحيث تفضل هذه المنصات الشعبية محتواها فوق المحتوى الذي ينشره الأشخاص العاديون أو شخصيات وسائل التواصل الاجتماعي الشهيرة. ليس مِن المبالغة القول إن ما يحدث هو مؤامرة بين مختلف قطاعات صناعة الإعلام التي تعمل معًا لمنح المنافذ التقليدية أعلى الأصوات على الإنترنت.

من أجل استعادة السيطرة على تدفق المعلومات، بدأت تكتلات وسائل الإعلام القديمة العمل بشكل وثيق مع عمالقة وادي السيليكون لإعادة كتابة الخوارزميات بحيث تفضل هذه المنصات الشعبية محتواها فوق المحتوى الذي ينشره الأشخاص العاديون أو شخصيات وسائل التواصل الاجتماعي الشهيرة

لعبة الإعلام والإقتصاد

كتب الناقد الصحفي أنتوني براندت ذات مرة: “يقوم أعضاء الصحافة أحيانًا بطباعة القيل والقال على أنها حقيقة، ويتجاهلون تأثيرهم على حياة الناس، ومستعدون لتصديق الأسوأ فيما يتعلق بالناس، لأن الأسوأ يزيد عمليات البيع.”

قبل أسابيع قليلة من انتخابات عام 2016، ذكرت شبكة CNN أن “فوز ترامب سيغرق الأسهم”. وقالت بوليتيكو: “وول ستريت مهيأة لانهيار كبير إذا صدم دونالد ترامب العالم يوم الانتخابات وفاز بكرسي البيت الأبيض”[iv]. وحذرت CNBC  من أنه “ربما لن تكون صورة جميلة للأسهم إذا فعلها ترامب”[v]. بينما كتب الخبير الاقتصادي في نيويورك تايمز بول كروغمان عمودًا في اليوم التالي لانتخابات عام 2016 قائلاً: “مِن المحتمل جدًا أننا نتطلع إلى ركود عالمي، مع عدم وجود نهاية في الأفق، مضيفًا أن شيئًا فظيعًا قد حدث للتو”[vi].

إلا أن فوز ترامب أعطى دفعة قوية لأسواق الأسهم الأميركية التي سجلت خلال 2017 مستويات قياسية تمثلت بارتفاع مؤشر DOW JONES  بنحو 31% وهو أفضل أداء للمؤشر خلال السنة الأولى لرئيس منذ فرانكلين روزفلت.[vii] وعلى مستوى النمو الاقتصادي توعد ترامب بتحقيق نمو اقتصادي يتجاوز الـ 3% وهو مابدأ الاقتصاد الأميركي بتحقيقه فعليًا خلال الأرباع الاخيرة بعد أن سجل نموا بنحو 3.1% و 3.2% خلال الربعين الثاني والثالث من 2017 على التوالي. وعندما تسلم ترامب البيت الأبيض كانت معدلات البطالة عند مستويات 4.8% إلا أنها انخفضت مع نهاية ديسمبر الماضي إلى 4.1% وهي مستويات لم يشهدها الاقتصاد الأميركي منذ عام 2000. ثم تراجعت نسبة البطالة إلى أدنى مستوى لها خلال خمسين عامًا الى 3,5% في كانون الاول/ديسمبر 2016. وكان عدد كبير من الأمريكيين يحصلون على المزيد من الأموال في رواتبهم التي ارتفعت بنسبة 2,9% بسبب إصلاحات ترامب الضريبية الجديدة الذي اعتمدها بنهاية 2017، وكان أهم تعديل من نوعه في 30 عاما، مع خفض الضريبة على دخل الأكثر ثراء والشركات من 35% الى 21%[viii]. ونفذ ترامب ما وعد به قبل انتخابه بخصوص اعادة التفاوض بشان اتفاق تبادل حر في أمريكا الشمالية مع المكسيك وكندا الذي كان يوصف بأنه “أسوأ معاهدة” في تاريخ الولايات المتحدة. وفي 29 كانون الثاني/يناير توصلت الدول الثلاث إلى اتفاق جديد[ix].

 وعلى الصعيد الدولي، وتوقع الركود العالمي فمع إعلان فوز ترامب ارتفع مؤشر بورصة موسكو للأسهم نحو 4% -هذا بعيدًا عن مؤامرة تخابر ترامب لصالح موسكو-، وارتفعت أسهم «بوسكو» شركة صناعة الصلب الكورية الجنوبية إلى جانب البرازيلية «فالى سا» على حد سواء بأكثر من 5%، وذلك لجانب ارتفاع أسعار المعادن منذ الانتخابات الأمريكية، وسجل النحاس أعلى مستوى له فى 16 شهراً، بينما الشركات التركية متعددة الأنشطة مثل مجموعة «دوجان سيركتلر» القابضة، وهى شركة تمتلك حصصاً فى مختلف الصناعات، من التأمين إلى الطاقة، ارتفعت أسهم الشركة القابضة بنسبة 16% إلى أعلى مستوى فى شهر، قبل أن تتراجع بنسبة 4.8%. وذلك قبل أن يُخيم كابوس جائحة كورونا على العالم.

ما سبق كان مجرد نموذج على زيف الإدعاءات الإعلامية والأكاديمية الموجهة، وقد وجدت دراسة أجرتها مؤسسة Pew Research أن تغطية وسائل الإعلام للأيام الأولى من ولاية الرئيس ترامب كانت موجهة بشكل سلبي بكثافة بلغت ثلاث أضعاف التغطية للرئيس أوباما، فـ 89٪ من التقارير الإخبارية التي تم بثها من أول 100 يوم لرئيس ترامب كانت سلبية[x]. حتى أن شبكة NPR اعترفت: “مقارنة بالرؤساء السابقين مؤخرًا ، كانت التقارير الإخبارية حول الرئيس ترامب أكثر تركيزًا على شخصيته من سياسته، ومن المرجح أن تحمل تقييمات سلبية لأفعاله”[xi].

لعبة الإعلام والأخلاق

“ترامب هتلر”، لم يشهد أي رئيس من قبل وسائل الإعلام الأمريكية مثل هذا الوصف مسبقًا، حيث يتم تقديم ترامب كأسوأ مِن مجنون هائج قد تجده واقفاً في الشوارع يصرخ حول نهاية العالم، حيث يكرر مراسلي وضيوف CNN و MSNBC بانتظام إن الرئيس ترامب يتصرف كديكتاتور وغالبًا ما يقارنونه بأدولف هتلر. حتى الرئيس الذي يعد الأكثر دموية وكذبًا جورج بوش الإبن، وعقب إنكشاف خُدعة أسلحة الدمار الشامل بالعراق، لم تنحدر وسائل الإعلام الليبرالية إلى هذا الحد عند انتقاد الرئيس بوش رغم فداحة الكارثة التي قام بها.

بعد يومين فقط من تنصيب دونالد ترامب ، قامت CNN بإفتتاحية كالتالي: “هذه أسئلة غير مريحة، ولكن حان الوقت لطرحها، هل يُدرك المواطنون في الديكتاتوريات ما يحدث هنا ، الآن؟ هل ينظرون إلى اليومين الأولين من إدارة ترامب ويقولون، “هذا ما يفعله قائدي”. ما الذي يجب أن نتعلمه من هؤلاء اليوم؟”[xii] حاولت CNN أن تحول الإختيار الديمقراطي الأمريكي إلى إنطباع بأن الدولة الأقوى في العالم قد اختطفها ديكتاتور. لم تتوقف CNN  هنا، ورداً على خطاب ترامب في مؤتمر المحافظين CPAC 2019 حيث سلط الضوء على أجندته America First ، قالت سامانثا فينوغراد محللة الأمن القومي في الشبكة إنها شعرت “بالغثيان” بعد سماعها حديث ترامب وبدا لها كقائد معين -تقصد هتلر- قتل أفراد عائلتي ، وحوالي ستة ملايين يهودي آخر في الأربعينيات[xiii]. بينما أضاف ضيف آخر على شاشة CNN إن الرئيس ترامب قد تسبب في تطرف الناس أكثر مما فعل داعش[xiv].

وتلقفت هذا الأمر صحيفة نيويورك ديلي نيوز التي نشرت عنوانًا رئيسيًا مفاده: “ترامب ، ليس داعش بل هو أكبر تهديد وجودي لأمريكا”[xv] وزعمت الصحيفة أن يمكن لترامب أن يعيث فسادًا أكبر بكثير في أمريكا ومؤسساتها العريقة وشعبها مِن جماعة إرهابية على الجانب الآخر من العالم “. وعلى نفس الخط قال كيث أولبرمان مذيع MSNBC :  “دونالد ترامب وعائلته ألحقوا أضرارًا بأمريكا أكثر من أسامة بن لادن وداعش مجتمعين.[xvi]” وافتتح الصحفي دون ليمون بثه في إحدى الليالي قائلاً: “هذه هي قناة CNN وأنا دون ليمون، رئيس الولايات المتحدة عنصري، ويدعم النازيين الجدد ويمكن أن يصبح هتلر الجديد.[xvii]

أخذ الأخبار المزيفة شكل تدفقات لانهائية تصور الرئيس ترامب على أنه عميل روسي[xviii] أو تجسيد هتلر أو زعيم إرهابي، أو على أقل تقدير مجنون وعنصري، حتى إزداد الهوس ضد ترامب وبلغ للتهديد أو تمني إغتياله فصرحت مادونا بأنها “فكرت كثيرًا في تفجير البيت الأبيض” ، وسأل جوني ديب الجمهور ، “متى كانت آخر مرة اغتال فيها ممثل لرئيس؟” الإجابة ، “لقد مرت فترة وربما حان الوقت” ، في إشارة إلى جون ويلكس بوث (الذي كان ممثلاً) وقتل الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن. وقال جيم كاري إنه كان يحلم بقتل الرئيس ترامب بهراوة غولف. وميكي رورك إنه يريد ضرب ترامب بمضرب بيسبول، وقام مغني الراب بيج شون بالتصريح في برنامج إذاعي حول رغبته في “قتل ترامب”. وأصدر سنوب دوج فيديو راب يصور نفسه وهو يطلق النار على دونالد ترامب في رأسه، بينما وروبرت دي نيرو أكثرهم رحمة إنه يريد “لكمه في وجهه”[xix].

إزاء مثل هذه الإتهامات مِن الكافي ذكِر الأرقام الرسمية لإدارة ترامب في تعاملها مع الأقليات والعرقيات المُختلفة فمنذ تولي ترامب يلاحظ التراجع الكبير في نسبة البطالة بين الأمريكيين من أصول إسبانية والسود وفي هذا الاطار تراجعت نسبة البطالة بين الأمريكيين من أصول إفريقية من 7,8 %  في كانون الاول/ديسمبر 2016 الى 5,9% في كانون الأول/ديسمبر 2019. ومن 9.5 % الى 4,2 % بين الأمريكيين من أصول إسبانية. أمّا بين الأمريكيين البيض البشرة فقد تراجعت النسبة من 4,3 بالمئة الى 3,2 بالمئة.[xx] أي أن إستفادة الأعراق الآخرى والمهاجرين مِن إدارة ترامب كانت أكبر مقارنة من أصحاب البشرة البيضاء، بل أن ترامب وفر لهم فرص أكثر من باراك أوباما أول رئيس أسود للولايات المتحدة الأمريكية، لذا الآن يمكن فهم لماذا قال بول بتلر أستاذ القانون بجامعة جورج تاون، عام 2014، الاعتقاد بأن انتخاب رئيس من أصل إفريقي قد يؤدي بالولايات المتحدة إلى مكان أفضل بـ”الساذج”. وفي العام ذاته قال المدعي العام في مدينة ديترويت الأمريكية إن العلاقات العرقية أصبحت أكثر اضطرابًا من أي وقت مضى، مضيفا : “أعتقد أنه عندما انتخب الرئيس باراك أوباما أصبحت العنصرية أكثر علنية”.

وعلى كُل حال قد أظهر استطلاع أجرته Politico أن 46 ٪ من الأمريكيين يعتقدون أن وسائل الإعلام تختلق قصصًا مزيفة عن الرئيس ترامب[xxi]. وقد حذر عالم الأخلاقيات جون هولتنغ سابقًا، “إذا فقدت الصحافة اتصالها بالقيم الأخلاقية، فلن تعود مفيدة للمجتمع، ولن يكون لها أي سبب حقيقي لوجودها”.  لكن للأسف يبدو أن السفينة أبحرت منذ زمن بعيد[xxii].

أظهر استطلاع أجرته Politico أن 46 ٪ من الأمريكيين يعتقدون أن وسائل الإعلام تختلق قصصًا مزيفة عن الرئيس ترامب

لعبة الإعلام والناخبين

إن أقدم خدعة في كتاب قواعد اللعبة للديمقراطيين هي وصف الجمهوريين بالعنصرية. عندما ظهرت حركة الشاي في عام 2009 كرد فعل على التوسع الحكومي الهائل لباراك أوباما وزيادة الضرائب ، تم التشهير بالمؤيدين بأنهم مجموعة من البيض العنصريين القدامى. يتم استخدام نفس التكتيك ضد شخصيات معروفة على وسائل التواصل الاجتماعي اليوم ، والذين اكتسبوا متابعين كثيرين في السنوات الأخيرة وغالبًا ما يتم تشويه سمعتهم كأعضاء في اليمين المتطرف في محاولات لعرقلة حياتهم المهنية وإغلاق حساباتهم.

فغالبًا ما تطلق وسائل الإعلام على الإنترنت والصحافة على المحافظين لقب النازيين واليمين المتطرف حتى لو كانوا يهودًا، مثل لورا لومر[xxiii]، وستيفن ميللر[xxiv]، وبن شابيرو[xxv] حيث تعرضوا للتشهير بوصفهم في “نازيين بيض جدد”.

وتم طرد السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض سارة هوكابي وعائلتها من مطعم في ليكسينغتون بولاية فيرجينيا بعد أن تعرف عليها المالك وأجبرهم على المغادرة. عندما انتشرت أنباء الحادث ، احتفل به الليبراليون. حتى أن الواشنطن بوست نشرت عنوانًا رئيسيًا يقول ، “إن طرد مسؤولي البيت الأبيض خارج المطاعم هو الشيء الصحيح الذي يجب فعله”[xxvi]. كما شجعت عضو الكونجرس ماكسين ووترز بعد ذلك على المزيد من المضايقات قائلة: “إذا رأيت أي شخص من تلك الإدارة في مطعم، في متجر، في محطة بنزين، شكل حشدًا، وأطردهم، وأخبرهم أنهم غير مرحب بهم بعد الآن، في أي مكان “[xxvii].

كما نشرت صحيفة The Boston Globe مقالة افتتاحية بدأت تصف كيف أن أحد “أكبر ندم” لكاتب الإفتتاحية في حياته أنه لم يكن يتبول في طعام المعلق السياسي بيل كريستول المؤيد لترامب عندما كان يأكل في مطعم كان يعمل به سابقًا، وحث الناس على العبث بطعام مؤيدي ترامب من خلال فعل ما كان يخشى فعله، قائلاً إن أعضاء إدارة ترامب “عليهم أن يأكلوا الخراء”، ولم يتطرق إلى أن هذا تحريض يمكن أن يُفقد الشخص وظيفته، كما أن تسميم طعام شخص ما هو في الواقع جريمة، لكنه أشار إلى أن هذا الفعل المُشين سيخدم أمريكا ولن يشعر صاحبه بأي ندم بعد سنوات[xxviii].

في عهد ترامب ، انخفض الخطاب السياسي من اليسار إلى مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ الأمريكي الحديث. إنهم لا يصرون فقط على تشويه سمعة جميع مؤيدي ترامب بأنهم عنصريون، ولكنهم يشجعون الناس على مهاجمة أي شخص يرتدي قبعة ترامب الحمراء MAGA في الأماكن العامة. وبالفعل بعد تعرض أحد مؤيدي ترامب البالغ من العمر 16 عامًا للاعتداء في مطعم للوجبات السريعة لإرتدائه القبعة، علق مارك لامونت هيل[xxix] على شاشة CNN: “في الواقع لا أدعو إلى الإعداء على الناس، مطلقًا. لكن نعم، أعتقد أن قبعات ترامب تعكس حركة عنصرية، ضد المثليين، والأجانب، وما إلى ذلك. لذا ، نعم ، من الصعب التعاطف عندما يتعرض شخص لضرب بزجاجة كوكاكولا”. وشجع كارلوس مازا[xxx] من Vox الاعتداء على الشخصيات اليمينية أيضًا، ويأمل في جعل إرتداء قبعة ترامب أمر “مرعب” في الأماكن العامة.

مجرد ارتداء قبعة MAGA الحمراء في الأماكن العامة قد يعرضك لخطر اعتداء مجنون وعشوائي، وقد ذكرت هافينغتون بوست أن “البحث عن رمزية MAGA هو أحد أسهل الطرق لملاحظة المتطرفين عبر الإنترنت وأعضاء مجموعات الكراهية.” وقالت أنجيلا راي[xxxi] على شاشة CNN: إن قبعات MAGA محبطة تمامًا بالنسبة لي للنظر إليها على أنها غطاء لحركة KKK العنصرية المسلحة.

هناك مئات الإعتداءات التي تمت وفتحت ساحة مواجهة بين مؤيدي ومعارضي ترامب كانت وسائل الإعلام الليبرالية منخرطة فيما يمكن تسميته بالإرهاب العشوائي، وكانت تحرض على شيطنة أي فرد أو مجموعة تأيد ترامب. ويتضمن جزء من الحرب على مؤيدي ترامب تصوير نسبة كبيرة من البيض على أنهم عنصريون على أمل منع المزيد من السود واللاتينيين من الانضمام إلى مؤيدي ترامب.

يرسم تكتل وسائل الإعلام الليبرالية الآن البيض على أنهم العدو، ويلقي باللوم على “العنصرية النظامية” في المشاكل في المجتمعات السوداء، ويصور أي شخص يريد وقف تدفق الأجانب غير الشرعيين إلى أمريكا كأعضاء في KKK، و بينما يبدو أن السود لا يخطئون في أعين الليبراليين (يسارًا ويمينًا) وأن كل عيوبهم وقراراتهم السيئة هي خطأ البيض؛ هناك شيء واحد لا يُسمح للسود بفعله في أمريكا اليوم دون انتقادات شديدة ورد فعل عنيفة – وهو أن يكون مؤيد لترامب.

فمؤيدي ترامب مِن السود مثل لاري إلدر ، وديفيد ويب ، وديفيد كلارك ، والقس داريل سكوت ، وبن كارسون ، وآخرين يتم تشهيرهم باستمرار من قبل وسائل الإعلام على أنهم “خونة” لعرقهم ، أو “العم توم” أو “زنوج المنزل” الذين بيعوا للبيض. وفي أبريل 2019 ، نشر برنامج The Good Fight على قناة CBS مقطع فيديو تشويقيًا على حسابهم الرسمي على Twitter يظهر أحد الشخصيات الرئيسية التي تشارك في خطبة معتبرًا أن الإنخراط في رفض التعبيرية الفردانية -مجموعة سياسات وأفكار يسارية الطابع- عنصريًا[xxxii].

كل ما سبق يمكن أن نعيده فقط ببساطة إلى إن تكتل المصالح خلف النيوليبراليين يخشى مُغادرة 20٪ من الناخبين السود للحزب الديمقراطي وأن يصبحوا جمهوريين، فسيكون ذلك فقط كافيًا لقلب الموازين لصالح الجمهوريين في الانتخابات لسنوات قادمة وستتضاءل القوة السياسية للحزب الديمقراطي بشكل خطير[xxxiii].

على سبيل الخاتمة

بدأت فترة رئاسة ترامب بشعار (استعادة أمريكا لعظمتها مجددا – Make America Great Again). ولتحقيق هذا الغرض فلابد من انتهاج سياسية “أمريكا أولا” وهذه السياسة لا تعني الانعزال عن العالم ومشكلاته، ولا الانكفاء الداخلي كما يروج المعادون هذا التيار، بل مراعاة المصالح القومية الأمريكية في سياسات أمريكا، وتعاملاتها، وقراراتها مع باقي بلدان العالم دون النظر لمصالح الرأسمالية العابرة للقارات، التي ورطت أمريكا في صراعات وحروب، ومشكلات عدة لأجل مصالحها، ووفق هذا المنطق تدور الحرب منذ 20 يناير/كانون الثاني 2017. حتى الأن بين ترامب وفريقه والديمقراطيين والنخبة المؤمنة بالعولمة التي سدد لها ترامب عدة ضربات مؤلمة، وتمكن عبر تعديل موازين العلاقة التجارية باتفاقيات ثنائية من تحسين وضع الاقتصاد الأمريكي، وزيادة فرص العمل، وإضعاف الكيان الأوروبي بتشجيعه لانسحاب بريطانيا منه، ومبادرته بالحرب التجارية مع الصين. لذا تكمن خطورة ترامب على هذه النخب من أن نجاحه في هذه السياسة سيخلق رأي عام شعبي مؤيد لها، وهذا الرأي يُعيد للمواطن الأمريكي زمام المبادرة في تحديد سياسات بلده لتعمل لصالحه، وهو ما سيفرض على أي مرشح كان جمهوريا أم ديمقراطيا أن يراعيه في سياساته، ولذلك أثر سياسات ترامب حال تكللت بالنجاح، وأعيد انتخابه من جديد يتخطى مدة رئاسته، وهو ما يعني غروب نهائي لعولمة الشركات لتحل محلها عولمة بين الدول قائمة على مصالح ثنائية متبادلة.

الولايات المتحدة مقبلة لا محالة على تغيير. هذا التغيير تأخر، وكان بحاجة لحدث كبير، وقد بدأت إرهاصاته منذ انتخاب الرئيس دونالد ترامب، وستعجل جائحة كورونا به

عمومًا، الولايات المتحدة الأمريكية مقبلة لا محالة على تغيير، هذا التغيير تأخر، وكان بحاجة لحدث كبير، وقد بدأت إرهاصاته منذ انتخاب الرئيس دونالد ترامب، وستعجل جائحة كورونا به، ومعركة التغيير هذه أصبحت محددة المعالم، وبين طرفين واضحين. طرف مؤيد للعولمة ومزيد من هيمنة المصارف وأصحاب المصالح العابرة للقارات. يرون في هذه الجائحة فرصتهم لفرض عولمة جديدة أكثر صرامة، واستغلال هذا الحدث لفرض شروطهم، ويمثله الديمقراطيين في عمومهم، وفريق يرى ضرورة العودة للمنطلقات التقليدية للأمن القومي الأمريكي، ووضع قواعد جديدة لعالم متعدد الأقطاب يتقاسم الجميع فيه الأعباء، ويضمن تفوق أمريكا، ورفاهية مواطنيها، ويمثله الجمهوريين المحافظين بقيادة الرئيس ترامب.

يمتلك فريق العولمة الإعلام الليبرالي ذو التأثير الواسع، وأغلبية مجلس النواب، وحكام الولايات ذات الثقل الكبير، ونظام الاحتياط الفيدرالي وخلفه المصارف، والشركات العابرة للقارات، وتكاتف الحزب الديمقراطي ونخبه خلف جو بايدن، وإرهاب الإعلام والنخب لأي جهة خارجية تسعى لتقديم دعم لترامب، وهي عوامل لم تكن متوفرة لمرشحة الحزب بالانتخابات السابقة هيلاري كلينتون. بجانب دعم من عدة دول أوروبية، وقوى دولية مؤيدة لمشروع العولمة، وعلى رأسها الصين، وكذلك بعض البلدان الإقليمية بالمنطقة التي يهمها عودة هذا الفريق للحكم، وقد سعت بكل السبل للمحافظة على تماسكها طيلة السنوات الأربعة الماضية على أمل لحظة التغيير هذه التي يرجون حدوثها، ويراهنون عليها، وعلى رأس هؤلاء إيران، وقطر، وتركيا وجماعة الإخوان المسلمين.

[i] The_Liberal_Media_Industrial_Complex_by_Mark_Dice

[ii] The_Liberal_Media_Industrial_Complex_by_Mark_Dice

[iii] The_Liberal_Media_Industrial_Complex_by_Mark_Dice

[iv] Politico “Economists: A Trump win would tank the markets” by Ben White (October 21st 2016)

[v] CNBC “This is what could happen to the stock market if Donald Trump wins” by Patti Domm (November 2nd 2016)

[vi] New York Times “Paul Krugman: The Economic Fallout” by Paul Krugman (November 11th 2016)

[vii] https://www.cnbcarabia.com/news/view/37237/%D9%87%D9%83%D8%B0%D8%A7-%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D9%87%D8%AF-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8.html

[viii] https://arabic.euronews.com/2020/02/07/economic-success-is-trump-strength-on-his-compaign

[ix] https://www.cnbcarabia.com/news/view/37237/%D9%87%D9%83%D8%B0%D8%A7-%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D9%87%D8%AF-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8.html

[x] Washington Times “As first 100 days in office approaches, media coverage of Trump is 89% negative: Study” by Jennifer Harper (April 19th 2017)

[xi] NPR “Study: News Coverage Of Trump More Negative Than For Other Presidents” by Danielle Kurtzleben (October 2nd 2017)

[xii] CNN’s Brian Stelter (January 22nd 2017)

[xiii] Washington Post “‘This is CNN Tonight. I’m Don Lemon. The president of the United States is racist.’” by Samantha Schmidt (January 12th 2018)

[xiv] Real Clear Politics “GQ’s Julia Ioffe: ‘This President Has Radicalized So Many More People Than ISIS Ever Did’” by Ian Schwartz (October 29th 2018)

[xv] NY Daily News “Trump, Not ISIS is America’s Greatest Existential Threat” by Gersh Kuntzman (February 17th 2017)

[xvi] Free Beacon “MSNBC Panel Says Trump Is a ‘Dictator’ Who’s Owned by Putin: ‘We Need a Revolution’” by Paul Crookston (February 2nd 2018)

[xvii] Washington Post “‘This is CNN Tonight. I’m Don Lemon. The president of the United States is racist.’” by Samantha Schmidt (January 12th 2018)

[xviii] Mediaite “CNN Analyst: Trump CPAC Speech Looked Scripted by Putin, ‘Reclaiming Our Heritage’ Talk Sounded Like Hitler” by Josh Feldman (March 2nd 2019)

[xix] Breitbart “Twitter Explodes with Donald Trump Assassination Fantasies” by Patrick Howley (November 10th 2016)

Real Clear Politics “Anti-Trump Secret Service Agent Leaving With Pay, Pension” by Susan Crabtree (March 1st 2019)

[xx] https://arabic.euronews.com/2020/02/07/economic-success-is-trump-strength-on-his-compaign

[xxi] Politico “Poll: 46 percent think media make up stories about Trump” by Steven Shepard (October 18th 2017)

[xxii] The_Liberal_Media_Industrial_Complex_by_Mark_Dice

The Washington Examiner “New York Times publishes fictional story on Trump assassination” by Caitlin Yilek (October 25th 2018)

NBC News “Johnny Depp: ‘When Was the Last Time an Actor Assassinated a President?’” (June 23rd 2017)

World Net Daily “Jim Carrey defends Griffin: I dreamed of beating Trump with golf club” by Chelsea Schilling (June 1st 2017)

Associated Press “De Niro: I’d Like to Punch Trump In the Face” (October 8th 2016)

Rolling Stone “Hear Big Sean Threaten Donald Trump in New Freestyle” by Daniel Kreps (February 3rd 2017)

Rolling Stone “Watch Snoop Dogg Aim Gun at Clown-Trump in ‘Lavender’ Video” by Ryan Reed (March 13th 2017)

Independent “Marilyn Manson ‘beheads Donald Trump’ in new music video” by Jack Shepherd (November 8th 2016)

Breitbart “Mickey Rourke: Donald Trump ‘Can S*ck My F**king D*ck,’ Threatens to Beat GOP Candidate With Baseball Bat” by Daniel Nussbaum (April 7th 2016)

[xxiii] Vox “Far-right protester interrupts Dorsey hearing. Auctioneer-turned-congressman drones her out.” by Emily Stewart (September 5th 2018)

[xxiv] The Jerusalem Post “Ilhan Omar Defends Calling Stephen Miller a White Nationalist” by Ron Kampeas (April 11th 2019)

[xxv] The Hill “Shapiro rips Economist after it labels him alt-right” by Joe Concha (March 28th 2019)

[xxvi] Washington Post “Chasing White House officials out of restaurants is the right thing to do” by Tom Scocca (June 26th 2018)

[xxvii] Daily Wire “WATCH: Activist Confronts Waters Publicly. Here’s How Waters Responded.” by Hank Berrien (June

26th 2018)

[xxviii] RedState “Toxic Masculinity: ‘Journalist’ Writes Boston Globe Column Urging Waiters to Pee, Bleed On Kirstjen Nielsen’s Food” by Sister Toldjah (April 10th 2019)

[xxix] https://twitter.com/marclamonthill/status/1014904101988167685

[xxx] https://twitter.com/gaywonk/status/1130862813713502210

[xxxi] Washington Free Beacon “CNN Commentator Angela Rye Compares MAGA Hat to KKK Hood: I’m ‘So Triggered’ by the ‘Hatred’ It Represents” by Nic Rowan (January 22nd 2019)

[xxxii] RedState “Is CBS Inciting Violence In The Latest Episode Of ‘The Good Fight’” by Jennifer Van Laar (April 13th 2019)

[xxxiii] RealClearPolitics “Could Trump Win 20 Percent of the African-American Vote in 2020?” by Victor Davis Hanson (October 18th 2018)

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
online free course