“الدرزية السياسية”.. زمن البحث عن طوق نجاة مفقود (3)

تميزت الحقبة اللبنانية الممتدة منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا بأحداث كبرى، تخللتها عهود وحروب وإجتياحات وتبدل وصايات.. أين يتموضع "بني معروف" وأين موقعهم في "لعبة الأمم" وما هي الأولويات الجنبلاطية اليوم؟

مهّد انتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية غداة الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982، لأمور أكثر تعقيداً بين الدروز والموارنة. كان بشير الجميل عائداً من منطق اللامساومة، واسمه يذكّر الدروز بمرحلة البشيريْن (جنبلاط والشهابي). وكانت “خطيئته” التاريخية بإرسال القوات اللبنانية إلى الجبل لنزع سلاح الدروز. فهذا أمر يرفضه الدروز تقليدياً، على ما يقول الأكاديمي مكرم رباح في رسالته لنيل الدكتوراه، إذ أتت الحرب لمصلحة وليد جنبلاط في لحظةٍ مفصلية في خضّم الصراع الإسرائيلي ـ السوري (السوفياتي ـ الأميركي) على لبنان. جنبلاط ليس بطلاً أسطورياً بالتأكيد. لكنّ خصومه كانوا مجموعة من الانتحاريين. كلّ فريقٍ راهن على رياح دولية، أمّا الارسلانيون، فقد كان يقودهم فيصل، وتورّطوا في الولاء لبشير الجميل، ودفعوا ثمن هذا الولاء في السياسة، وخاصة في بيئتهم، اذ صار الكثير من اليزبكيين يؤيدون الجنبلاطية. وحتى الآن، وفي كلّ مرحلةٍ حرجة، يُذكّر جنبلاط بحرب الجبل، ويستعيد خطاب الوجودية كلّما شعر بخطر، كما حصل في الإنتخابات النيابية الأخيرة.

لم يكن وليد جنبلاط ليربح حرب الجبل لولا سوريا وحلفائها الفلسطينيين (القيادة العامة وفتح الإنتفاضة تحديداً)؛ فخلال تلك الحقبة السوريّة، مضى جنبلاط حليفاً وطيداً لرئيس سوريا الراحل حافظ الأسد قاتل والده. ووطّد علاقته برئيس الأركان حكمت الشهابي ونائب الرئيس عبد الحليم خدام وغازي كنعان ومحمد ناصيف وغيرهم، ممّن تشاركوا “سورياً” في إدارة الملف اللبناني قبل اتفاق الطائف وبعده. وفي عزّ هذه العلاقة، جاء الرئيس الراحل رفيق الحريري في العام 1992 ليجعل من جنبلاط حليفاً دائماً وأوّل له، يستقبله كل يوم أربعاء، و”يتحكّم” بمفاتيحه في السياسة. تدريجياً، صار وليد جنبلاط هو “الرئيس الرابع”، إلى جانب الترويكا الرئاسية (الياس الهراوي، نبيه بري ورفيق الحريري). ومع رحيل الأسد الأب في العام ألفين، كانت الأمور قد بدأت بالتبدّل. وتجلى ذلك في الإختيار الإستباقي لإميل لحود رئيساً للبنان (1998)، بينما كان  بشار الأسد يستعد لوراثة الحُكم في سوريا.

ومع إبعاد الفريق القديم المحيط بالأسد الأب، حلّ رستم غزالي – العسكري الصارم والمتهوّر – محلّ غازي كنعان المتمرّس العتيق في الشأن اللبناني. وغزالي لم يتردّد في دعم شخصيات تحاول منافسة جنبلاط وكذلك منافسة الحريري، ظنّاً منه أنه يمكنه إنتاج منظومة ولاءات جديدة. وهذا السلوك المخابراتي، عكّر صفو العلاقة بين جنبلاط و”سوريا الجديدة”. فما أن انسحب الإسرائيليّون من طرفٍ واحد من الجنوب اللبناني، عام 2000، مُعطّلين حجّة النظام السوري للبقاء في لبنان، رحل حافظ الأسد أيضاً، ثم طالب وليد جنبلاط بتطبيق اتفاق الطائف لجهة “إعادة تموضع القوّات السورية” في لبنان والبقاع تحديداً.. قبل أن يصبح رأس حربة الفريق السيادي الجديد في العام 2005.

قفز وليد جنبلاط إلى “مصالحة الجبل” التي شاركه في صنعها البطريرك الماروني الراحل نصرالله صفير في صيف العام 2001، والتقى أمين الجميل تحضيراً للانتخابات النيابية (2005)، وأرسل وائل أبو فاعور لنسج التقارب مع بعض المجموعات الشبابية المسيحية. وطوال هذه الفترة، كانت أسهم جنبلاط تصعد وتهبط، يصالح ويخاصم، يحالف ثم ما يلبث أن ينقلب على الحلفاء، فيما النظام السوري لا ينفكّ يحاول أن يخلق له خصوماً في أرضه.

بالمقابل، كان جنبلاط يعاند ويناور ويعرف كيف يفكّر “الموحّدون الدروز”. ويعرف أكثر كيف يخاطبهم. ومفتاح أي خطابٍ له، كان يبدأ باغتيال كمال جنبلاط، ولا ينتهي بجعبة ذاكرة الحرب؛ بدءاً بحرب الجبل وانتهاءً بسوق الغرب، ومروراً بأفعال بشير الجميل ومدافع ميشال عون. وأخطر رسالة تلقّاها وليد جنبلاط، حينها، كانت محاولة اغتيال مروان حمادة في 2004، بعدما رفض التمديد لإميل لحود.

مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، خرج وليد جنبلاط عن “طوره” السياسي. فلقد شعر، رجل “الواقعية السياسية” أنه الهدف التالي. انتظر المدد من جيفري فيلتمان، لكن مع الوقت أدرك أن الأميركي يبيعه كلاماً. بشّار الأسد، الذي سحب قوّاته من لبنان في ربيع العام 2005 بعد القرار 1559 وموجة 14 آذار، لاحقتْه شتائم جنبلاط إلى دمشق. وحزب الله، الذي بات تدريجياً الوصي في الشأن اللبناني، إعتقد أن فرصته السياسية السانحة عندما عجزت إسرائيل عن تحقيق أهداف حرب تموز 2006، فخرج الحزب بعدها غاضباً وتدرج خطابه السياسي وترجماته إلى لحظة السابع من أيار/مايو 2008.

في هذه اللحظة، كان جنبلاط رأس حربة المواجهة والتسوية في آن معاً. تماماً كما تصرف بعد إغتيال الحريري وشارك في هندسة “التحالف الرباعي” لخوض الانتخابات البرلمانية للعام 2005. وقتذاك، دفع زعيم المختارة الناس إلى انتفاضة أو نصف ثورة، فنزلوا بمئات الآلاف إلى ساحة الشهداء، وارتضى أن يحبط الانتفاضة لقاء أن يحصد مراده من النواب والوزراء بواسطة “التحالف الرباعي”. هذا جزء من البراغماتية التي ساعدت جنبلاط مع آخرين ليستفيدوا من “الإحباط المسيحي”، ويتقاسموا بعض نوابهم. لكن الواقع أنتج “التسونامي” العوني في الانتخابات النيابية الأولى بعد الخروج السوري. فاختلط الحابل بالنابل.

إقرأ على موقع 180  تسريبات ظريف.. نووية أم رئاسية؟

باكراً، أيقن جنبلاط أن لا جدوى من “14 آذار” بالرغم من “مساهمتها النفسية” في إنهاء عهد الوصاية السورية على بلاد الأرز. فالعقدة تمثلت في الاعتراض الكنسي والعربي، تحديداً المصري، على إسقاط إميل لحود في الشارع. اعتراض الكنيسة مردّه إلى خشية من استسهالٍ إسلامي قد يتكرّر لاحقاً وفي مواقع مسيحية أخرى. أمّا مصر (حسني مبارك) فخشيتها كانت من أن يشكّل سقوط لحود نموذجاً يُحتذى به في سائر العواصم العربية. وعليه، بدأت “الثورة” الآذارية بالتصدّع مع بدء حصد أركانها للمكاسب والمنافع والوظائف، وباتت معلّقة مثلها مثل آمال وليد جنبلاط في أن يصبح زعيماً يتخطّى طائفته! لما لا، وهو الذي كان يستحوذ على عددٍ لا بأس به من النواب المسيحيين، من جانب، ومن جانبٍ آخر لديه حضور في الشارع السني (تحديداً في إقليم الخروب)؟

مع اندلاع “الثورة السورية”، غامر وليد كمال جنبلاط إلى حدٍّ رمى فيه الحرم على كل درزي يؤيّد بشّار الأسد. فكان ردّ الحكم السوري عليه مزيداً من تعزيز حضور طلال أرسلان ووئام وهّاب في الجبل الجنوبي، وراح التصدّع داخل الطائفة يتعاظم ويتوزّع الانقسام أفقياً وعمودياً. جلس حينها جنبلاط على ضفة النهر منتظراً سقوط الأسد، وراح يسعى مجدداً إلى إصلاح ما أفسده الدهر السوري في جسد الدروز، في لبنان وسوريا، واستنجد بالروس ليحمي أبناء ملّته في السويداء.

ووسط المعمعة السورية والفوضى اللبنانية، آن أوان التوريث. بدأ جنبلاط رحلة نقل الزعامة إلى نجله الأكبر تيمور، ساعياً (ولا يزال) إلى عملية توريث “آمنة” من الاغتيالات التي طبعت تاريخ آل جنبلاط. لكنّ توريث تيمور دونه عقبات؛ فلا يخفى على أحدٍ من أبناء الجبل عدم حماسة هذا الشاب، الوسيم والهادئ أكثر من اللزوم والمحبّ لكتابة الشعر بالفرنسية، للعمل السياسي على الطريقة اللبنانية.

اليوم، وبعد عقدين على تولّيه رئاسة كتلة اللقاء الديموقراطي، لا يزال طيف وليد جنبلاط حاضراً في كلّ تفصيلٍ من حياة تيمور؛ فدور هذا الأخير يقتصر على زيارات مبعثرة على الفسيفساء اللبنانية دائماً مُدعَّمة بمرافقة محترفي سياسة من رفاق والده (ولا سيما وائل ابو فاعور)..

برع وليد جنبلاط حتى الاحتراف في “التنظير” لدور “بني معروف” التاريخي وليس لعددهم. وهاجسه المستجد يتمثل في قلقه على الحزب الاشتراكي “وابتعاده” عن تراث كمال جنبلاط. ويُقال إن زعيم المختارة، الذي تردّد أنه مساهمٌ أساسي في ايصال عدد من النواب التغييريين إلى البرلمان (مارك ضو وفراس حمدان)، شعر بنقزة من تمدّد المجتمع المدني إلى قلب الجبل والمناطق الجنبلاطية التقليدية، فقرر أن يُوصل هؤلاء على طريقته، و”عندها يُصبح حضورهم طبيعياً ومستهلكاً”.. إلى حد عدم التعويل مستقبلاً على مثل هذه الظاهرة، من وجهة نظر الجنبلاطيين!

منذ ما قبل الإنتخابات النيابية الأخيرة، كان هناك من ينتظر “التموضع” الجنبلاطي في الوسط. لذلك حسابات عديدة تتصل كلها بالمستقبل السياسي للزعامة الجنبلاطية؛ فأن يتقرّب جنبلاط من حزب الله لا يعني الإبتعاد عن الآخرين. الرجل مهجوس بألا تتكرّر تجربة ميشال عون التي يعتبرها “الأسوأ في تاريخ لبنان”. وبهذا المعنى، فهو ينفّس “الاحتقان” مع حزب الله، و”يتموضع” بحثاً عن شخص أو رئيس يُخرج لبنان من دائرة الإفلاس والانهيار. لكن، من الصعب فهم مآل الأمور بظلّ مشروعٍ حزب الله وهواجسه وعدم ثقته بجنبلاط؛ فالحزب يعمل بالسياسة بما يناسب قياسه ومصالحه وليس قياس أو مصالح وليد جنبلاط الذي يفتقد منذ مدّة “الحليف القوي والغني” في الطائفة السنية بعدما انقلبت الأمور رأساً على عقب. يتفهّم رئيس الحزب التقدمي خروج الحريري الإبن من اللعبة اللبنانية وتعليق عمله السياسي في المرحله الراهنة، وهو يدرك أن السعودية في زمن محمد بن سلمان ليست السعودية في زمن فهد أو عبدالله بن عبد العزيز. فلقد تغيّرت الاهتمامات والأولويات والأجندات، ولم يعد لبنان “البلد المغناج” بالنسبة إلى السعوديين، ولم يعد النظام السعودي معنياً بتقديم المساعدات لبلدٍ يسمع بعضَ قادته يشتمون القيادة السعودية!

يدرك وليد جنبلاط هذه التبدلات جيداً، وهذا ما يجعله يعيش قلقاً كبيراً؛ ففي السابق، اطمأنّ الرجل إلى دوره بحكم تحالفه مع الدولة السورية في زمن الأسد الأب. وكان يُشكّل القوانين الانتخابية على قياس زعامته، وما يطمح إليه تحت عبارة “لمرّة واحدة وأخيرة”، وهذه المرّة تكرّرت حتى صارت مرّات. اليوم، يبدو أنه يبحث عن طوق نجاة لدى حزب الله، ويحالف القوات اللبنانية في الانتخابات ولكنه يضعها جانباً في التكتيك السياسي، ويعيش الهاجس الأكبر.. وهو عدم تكرار التجربة العونية.

(*) الجزء الأول بعنوان: “الدرزية السياسية”.. طائفة العصاة

(**) الجزء الثاني بعنوان: الدرزية السياسية”.. بأطوارها الجنبلاطية 

Print Friendly, PDF & Email
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  "حكماء صهيون" يحكموننا.. سجِّل يا تاريخ!