الإنتخابات الأميركية.. “نعم سيدي” أو “أنت مطرود”!

يتعدى الإنقسام السياسي في الولايات المتحدة حدود المنافسة بين حزبين سياسيين الى إنقسام مجتمعي حاد جداً، ما جعل إحدى الشخصيات الهوليودية تحذر من أننا نعيش حالة حرب أهلية تشبه الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865)، بفارق أنه لم تُطلق أية رصاصة أو قذيفة حتى الآن.

يتراشق الأميركيون الإتهامات والشتائم، خاصة عندما يبلغ النقاش إسم دونالد ترامب. من يوالي الرئيس الجمهوري، يقبل كل ما يقوله، حتى لو كان يكذب علناً، أو كما هو أعلن في عدد من مهرجانات الحملات الإنتخابية حيث قال: “أنا أستطيع أن أُطلق مسدسي في وسط مدينة نيويورك ولا يوجد أحد لمحاسبتي”. ومن يخاصمه، قرر أن لا يغادر مربع الخصومة حتى لو فعل الرجل أمراً صحيحاً يستحق الثناء في لحظة ما!

حتى عندما أصدر بوب ودورد كتابه الشهير “غضب” وفضح فيه الكثير من الأكاذيب التي اعتاد ترامب على تمريرها أمام جمهوره، لم تحرك الوقائع المنشورة الرأي العام الأميركي. محبو ترامب ظلوا حيث هم وكارهوه إزداد كرههم له. هذه العلاقة بين رئيس الجمهورية في ديموقراطية عمرها ٢٥٠ سنة وبين مريديه هي علاقة غريبة لا بل مستغربة لأن الرئاسة في الولايات المتحدة عادة لا تكون أبدية أو حالة طاعة عمياء بسبب مرحلية الرئيس التي لا تدوم ولايته لأكثر من ثماني سنوات (إذا ربح ولايتين).
حتى أنه أثناء المناظرة التلفزيونية الأولى بين ترامب ومنافسه جو بايدن، لم يتورع الأول عن كيل النعوت للثاني وحاول إسكات المناظر كريس والاس و”النقار” معه. ترامب قاطع وصرخ دون أي يقيم أي اعتبار للأعراف وحتى لم يهتم بما إتّفق عليه مع منظمي المناظرات. برغم ذلك كله، لم يتعدل سلوك محبيه قيد أنملة.

في المناظرة الثانية، إضطر ترامب للإمتثال إلى قرارات المناظرة، وهذا ما جعل مؤيديه يتحدثون عن ربحه تلك المناظرة فقط لأنه تحدث كـ”إنسان طبيعي” حسب قول أحد صحافيي CNN ولكن الكذب عنده لم يتغير وإن كان بصوت منخفض هذه المرة!
ترامب حالة غريبة بحد ذاتها، فقد خلق هالة حوله بلغت حد عبادة الشخصية. يذكرنا هذا الوصف بحالات مرَّت في تاريخ البشرية من الإمبراطورية الرومانية وحكم نيرون الذي كان مريضا بجنون العَظَمة، مروراً بهتلر في الحرب العالمية الثانية وصولاً إلى رموز ديكتاتورية كثيرة في يومنا هذا من كوريا الشمالية إلى الشرق الأوسط..

النقاشات في البيت الواحد وصلت الى حد القطيعة لا بل التخوين. بين الأهل والأبناء، الإخوة والأخوات، بين العائلات المهاجرة أكانت لاتينية من المكسيك أو حتى لبنانية. صار الأميركيون لبنانيين بكل معنى السياسة في لبنان، وكأنهم ينتمون إلى قبائل ما قبل التاريخ أو إلى زمن 8 و14 آذار. من ليس معي فهو بالتأكيد ضدي

ترامب يوصف في الكثير من المحافل، أكانت سياسية أم إعلامية، بأنه يعاني من جنون العظمة، النرجسية، كاره النساء وكاذب. هكذا وصف لا يُنعت به عادة رئيس الولايات المتحدة. ولكن ترامب يختلف عن كل الرؤساء الذين سبقوه، فهو يقول ما لا يجب أن يقوله رئيس للجمهورية. كيف برئيس دولة يتهم مؤسساته الإستخباراتية وحتى الأمنية بالدولة العميقة! هذا الوصف عادة ما يكون حكراً على دول معادية للولايات المتحدة مثل إيران أو روسيا أو الصين، فهؤلاء من الطبيعي أن يصفوا المؤسسات الإستخباراتية الأميركية بالدولة العميقة أما أن يجاهر رئيس الولايات المتحدة بذلك، فهذه سابقة بكل معنى الكلمة!
أما على الصعيد الشعبي، فالنقاشات في البيت الواحد وصلت الى حد القطيعة لا بل التخوين. بين الأهل والأبناء، الإخوة والأخوات، بين العائلات المهاجرة أكانت لاتينية من المكسيك أو حتى لبنانية. صار الأميركيون لبنانيين بكل معنى السياسة في لبنان، وكأنهم ينتمون إلى قبائل ما قبل التاريخ أو إلى زمن 8 و14 آذار. من ليس معي فهو بالتأكيد ضدي.. حضرت نقاشات كثيرة.

عندما تسمع النخب الأميركية تتحدث بإنفعالاتها وليس بعقلها، ماذا تنتظر من أبناء الأرياف الأميركية حيث تجد أكثرية مؤيدة لترامب. هناك تُرفع الأعلام المؤيدة ولافتات كتب عليها “إجعلوا أميركا عظيمة مجدداً” الى “كلنا لترامب” وكذلك شاهدنا عبر التلفزيون الكثير من المسيرات التي تستقبل ترامب من دون أي كمامات. الناس هناك غير عابئة بكورونا.

إن أهم ما يراه المراقب للإنتخابات الأميركية هو النسبة العالية جداً للإقتراع المبكر قبل الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، فقد انتخب أكثر من ثمانين مليون شخص حتى ما قبل اربعة أيام من يوم الإنتخاب العام وهذه النسبة أكبر بكثير من تصويت العام  2016 المبكر.

هكذا وضع يجعل الجمهوريين غير مرتاحين أبداً لما يسمونه “الهجوم الديموقراطي على الإنتخاب المبكر”، لكن الموضوع أكثر تعقيداً، فعلى الفائز أن يربح أصوات المجُمّع الإنتخابي وبالتالي أن يحصل على 270 صوتاً أو أكثر من أصل 538 صوتا للمجمّع الإنتخابي في الولايات الخمسين والأراضي الأميركية بما فيها بورتوريكو والفيرجين أيلاندز وغوام إلخ.. فالعملية مرتبطة بعدد الأصوات لكل تلك الولايات، وهذا ما حصل مع هيلاري كلينتون التي ربحت بأكثر من مليونين ونصف المليون صوت ولم تربح المجمّع الإنتخابي، وبالتالي خسرت الإنتخابات امام ترامب في العام 2016.
ثمة إنطباع أنه إذا عاد ترامب إلى البيت الأبيض، فإن الولايات المتحدة على موعد مع الفوضى. فوضى محلية تواكبها فوضى في العلاقات الدولية لأن ترامب يدير سياساته كما يدير أشغاله من دون تخطيط أو إستراتيجية محددة، لا بل سيكون أكثر “فتكاً” من ذي قبل وسيتعامل مع البلد كما كان يظهر في مسلسله الشهير “أبرنتيس” وسيتعامل مع الناس كما تعامل معهم في المسلسل، فمن لا يقول له “نعم سيدي”، سيبلغه على الفور “أنت مطرود” you are fired ، وكأن العملية السياسية عبارة عن برنامج إفتراضي أو مسلسل تلفزيوني.

قالت آنا ليرمان، نائبة مديرة معهد في- ديم في جامعة غوتنبرغ بالسويد إن التحول في الحزب الجمهوري هو “أكبر تحول درامي في ديموقراطية متجذرة”

وبصرف النظر عمن سيربح الإنتخابات، هناك أزمة إقتصادية صعبة بسبب وباء كورونا تلقي بثقلها على المجتمع الأميركي، وفي الوقت نفسه، لا يتفق الحزبان الجمهوري والديموقراطي على حجم المساعدات التي يجب أن ترصد للشعب الأميركي. بايدن في حال فوزه عليه أن يضع سياسات مختلفة ومحددة للتعاطي مع نسبة عالية من البطالة والأزمات المعيشية. أما على الصعيد الدولي، فلدى بايدن إستحقاقات عديدة ولا سيما مع روسيا فلاديمير بوتين، التي تتوسع في الشرق الأوسط من سوريا الى ليبيا. هناك أزمة ناغورنو قره باخ، وصولاً الى مسائل التسلح النووي لا سيما بعد إنسحاب ترامب من معاهدة التسلح النووي، وهذا ما أفسح في المجال لروسيا من أجل تطوير منظومات صاروخية متوسطة المدى فائقة السرعة (تزيد سرعة الصواريخ المجنحة الجديدة الى أكثر من سبعة أضعاف سرعة الصوت وهذا ما يزيد خطر نشوب حرب لعدم تواجد أي وقت لوقف هذه الصواريخ للوصول الى أهدافها وبالتالي إنهيار منظومة الإنذار المبكر من حوالي عشرين دقيقة من إنطلاق الصواريخ حتى وصولها الى أهدافها خلال أربع دقائق).

أما بالنسبة الى الصين، فإن بايدن على موعد مع تسارع عملية التسليح والتوسع الصيني من بحر الصين الى محاصرة تايوان واليابان الى فيتنام وإنشاء قواعد عسكرية على طول المناطق والجزر في بحر الصين وكذلك عملية إنشاء معسكرات ووضع الإيغور المسلمين في معسكرات “إعادة تأهيل” أقل ما يقال عنها أنها غير إنسانية. الصراع مع الصين في العقد القادم يتعدى العسكرة الى التكنولوجيا والغذاء ومحاولات الصين بناء “طريق الحرير” الذي يتعدى التجارة ويصل الى الصناعة والإتصالات ويربط الصين بآسيا وإفريقيا وأوروبا.
لقد أظهرت دراسة سويدية أعدها معهد في- ديم في جامعة غوتنبرغ بالسويد أن التحول في الحزب الجمهوري بدأ مطلع القرن الحالي حيث تبنى تشجيع العنف ضد معارضيه وأساليب ومواقف مشابهة للأحزاب القومية اليمينية في هنغاريا وبولندا والهند وتركيا وأصبح التحول أكثر بروزا في ظل دونالد ترامب. وقالت آنا ليرمان، نائبة مديرة المعهد، إن التحول في الحزب الجمهوري هو “أكبر تحول درامي في ديموقراطية متجذرة”.

الإنتخابات الأميركية آتية والعالم يحبس أنفاسه في انتظار النتائج التي ربما ستتأخر بسبب عدم ظهور رابح واضح. هذه إنتخابات رئيس العالم وليس رئيس الولايات المتحدة.

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
free online course