يأتي البابا إلى العراق.. فلا يجد عراقاً!
Iraq's Prime Minister Mustafa al-Kadhemi (R) welcomes Pope Francis at Baghdad Airport's VIP Lounge on March 5, 2021. - Pope Francis landed in war-battered Iraq on the first-ever papal visit, defying security fears and the pandemic to comfort one of the world's oldest and most persecuted Christian communities. (Photo by Ayman HENNA / IRAQIYA TV / AFP) (Photo by AYMAN HENNA/IRAQIYA TV/AFP via Getty Images)

هذا أجمل عراق شاهدناه منذ عقود من الزمن. بلاد الرافدين تستقبل أول رئيس للكنيسة الكاثوليكية في العالم. زيارة كان يشتهي البابا الراحل يوحنا بولس الثاني أن لا يفوّتها. تأخرت كثيراً، لكن أن تحصل خيرٌ من أكثر من تأجيل.

لا يفيد كثيراً الغوص في برنامج البابا فرنسيس العراقي. الزيارة بحد ذاتها تاريخية. بالزائر نفسه وبما يمكن أن تراكم زيارته من معان تؤسس لأخذ هذا المشرق العربي إلى حيث يجب أن يكون. أن يقترب أكثر من الحرية والمواطنة والتقدم والإزدهار والوطنية الحقة.

عندما أمسك بول بريمر، بمفاتيح بغداد والعراق، في أول ايام الإحتلال الأميركي للعراق، إنبرى عراقيون كُثر للتهليل للإحتلال. إعتقدوا أن الخلاص من الحكم البعثي سيفتح لهم أبواب الجنة على الأرض. صحيح أن نظام صدام حسين كان يوفر لهم حرية معتقد وحرية شخصية ومساجد وكنائس مشرعة الأبواب وإقتصاد الحد الأدنى بلا كبير ديون على بلده وشعبه، لكن الحرية السياسية، بمعنى أن تكون هناك تشكيلات حزبية ومعارضة وإدارة دولة تعتمد الكفاءة وتداول السلطة، كلها لم تكن مدرجة على جدول أعمال نظام البعث في العراق. حتى عندما خاض صدام حربه ضد إيران في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، صار كل بيت عراقي يسأل عن مصير هؤلاء الجنود والمجندين الذين قتلوا بمئات الآلاف ولماذا يُزج بهم في حرب مع ثورة وليدة وفتية ما زالت طرية العود؟

تلقى المسيحيون في العراق نصائح أصدقاء عرب كثر غداة الإطاحة بصدام حسين. قيل لهم راهنوا على أنفسكم وليس على شراكة الإحتلال. راهنوا على شراكة وطنية وليس على دبابة المحتل. هذا الكلام إستفز بريمر والقادة الأميركيين. لاحقاً، أتت الوقائع لتبرهن لكل العراقيين، وبينهم للأقلية المسيحية، أن الإحتلال الأميركي كان مشروع تدمير للعراق ومقدراته.. ومن ركّبهم الإحتلال في السلطة، كانوا مجرد دمى، مهما كانت مسمياتهم، وهؤلاء أثبتوا بالملموس، طوال 18 عاماً، أنهم ليسوا أهلاً للسلطة. إنهم أهل فساد وفوضى وتوحش ولا دولة. أنظروا ماذا حصل بالعراق؟ كأن هذا البلد العربي المشرقي الغني بإمكاناته وقدراته لم يكفه إستبداد حكامه السابقين، حتى جاء المحتل ليعيث تدميراً وفساداً. الأفدح أن من تبوأوا السلطة على ظهر الدبابة الأميركية، قدموا أسوأ نموذج للحكم في المنطقة بأسرها. النموذج الذي وفّر البنية التحتية لأخطر ظاهرة عرفها العالم العربي منذ قرون عديدة: نموذج الدولة الإسلامية (داعش). النموذج الذي راكم كل شيء إلا دولة. بقيت الدولة في ذهن هؤلاء هي دولة صدام حسين. لكأنهم يخشون أن يخرج إليهم من قبره كل يوم. يخشونه ميتاً. لا يصدقون أنهم صاروا حكام العراق. يعتبرون أنهم هم المؤقت وصدام هو الدائم. العاقل بينهم يعتبر نفسه جنديا في مشروع بناء دولة الإمام المنتظر. لا دولة إلا تلك المتخيلة لغيرهم وليس لهم. لذلك، كان الفساد العراقي غير مسبوق. رجل واحد في أعلى هرم السلطة يختلس عشرات مليارات الدولارات. من يسائله؟ لا أحد.

بالإقتصاد الوطني المشرقي الحقيقي. بالحدود المشرقية المفتوحة. بحرية ممارسة الشعائر الدينية والحريات السياسية بأوسع حدودها، بهذه وبغيرها تبنى الأوطان. المقاومة الحقيقية عندما يعود سهل نينوى سهلاً للخير وعندما تفيض مياه دجلة والفرات. عندما يعود شارع المتنبي للشعراء والمثقفين، المؤمنين والملحدين. المقاومة الحقيقية عندما ترصد حكومة العراق ميزانية مليارية للأبحاث العلمية بدل رشوة الأقليات بحقيبة أبحاث علمية وبموازنة صفرية!

لماذا هذا الكلام وما هي مناسبته في هذه اللحظة؟

كان يمكن لزيارة البابا فرنسيس أن يكون لها معنى مختلفا لو أنه كان يزور بوابة العرب الشرقية وإحدى دولنا العربية المركزية. الدولة التي تحمي كل مكوناتها بالمواطنة والإنتاج وليس بالهويات المذهبية والسرقة والفساد. كان يمكن لهذا العراق أن يحمي الأقليات ولا يحول كنائس نينوى والسهل واربيل ودهوك وبغداد إلى هياكل دينية مسلوبة الحياة.

نعم يأتي البابا فرنسيس إلى العراق ليؤدي واجبه. أول بابا في العراق. سيكتب عنه التاريخ أنه أدى واجباته الدينية، حجّ إلى موقع أور، المكان الذي يعتقد أن النبي إبراهيم قد وُلد فيه. ربما يُراد للزيارة أن تكون “إبراهيمية”، نسبة إلى إبراهيم أبو الأنبياء كلهم، بالمعنى الديني، لكن الأخطر بالمعنى السياسي في موسم التطبيع الخليجي الإسرائيلي الذي أعطي أيضا طابعاً إبراهيمياً، ولعل هذا هو السبب في عدم حماسة مرجعية النجف إلى دمغ توقيعها على هذا المعنى السياسي الإبراهيمي!

لكن السؤال يبدو مختلفاً: هل أدى العراقيون واجباتهم تجاه أنفسهم وبلدهم حتى يستحقوا مثل هذه الزيارة؟ وماذا يمكن أن تقدم أو تؤخر زيارة البابا فرنسيس طالما أن ما كتب قد كتب؟ من هاجر قد هاجر. من سيهاجر لن يتردد إذا فتحت السفارات أبوابها له.

صحيح أن البابا لا يستطيع تحريك جيوش ولا التهديد بفرض عقوبات. هو يقول كلمته ويمشي. يقيم صلاة ويبارك المصلين ويمشي. ينبذ الحرب ويدعو للسلام، ماذا بعد؟ هل ما يقوم به البابا على صعيد الأديان وتحديداً توقيع “وثيقة الأخوة الإنسانية بين الأديان” يمكن أن يكون كافياً لحماية المسيحيين؟

إقرأ على موقع 180  هل يتخلص بايدن من "أمريكا أولاً"؟

حسناً أن يكون البابا فرنسيس أول من يزور مرجعية الشيعة العرب في النجف، مستكملاً ما قام به مع مرجعية المسلمين السنة العرب (الأزهر)، لكن كيف يمكن ترجمة ذلك في المجتمعات التي تنزف، هجرة وفقراً وبؤساً وتشرداً وجوعاً وعطشاً؟ كيف لهذه الوثيقة ولزيارته إلى العراق وقبلها إلى مصر والإمارات وفلسطين والأردن وبعدها إلى لبنان والسودان أن تسهم في تثبيت الوجود المسيحي في المنطقة؟

ثمة ديموغرافيا قاتلة وبالتالي صار لزاماً “وقف العد” في كل المنطقة وليس في لبنان. إذا أراد أهل المشرق بناء أوطان ومواطنين، عليهم أن يتخلصوا من الإستبداد بكل مسمياته أولاً. أن يطيحوا بأنظمتهم الطائفية والمذهبية وبكل مصطلحات التمييز المذهبي والقومي. أن يعيدوا بناء مجتمعاتهم حتى تكون أكثر حرية وتعبيراً وإنتاجاً. بالإقتصاد الوطني المشرقي الحقيقي. بالحدود المشرقية المفتوحة. بحرية ممارسة الشعائر الدينية والحريات السياسية بأوسع حدودها، بهذه وبغيرها تبنى الأوطان. المقاومة الحقيقية عندما يعود سهل نينوى سهلاً للخير وعندما تفيض مياه دجلة والفرات. عندما يعود شارع المتنبي للشعراء والمثقفين، المؤمنين والملحدين. المقاومة الحقيقية عندما ترصد حكومة العراق ميزانية مليارية للأبحاث العلمية بدل رشوة الأقليات بحقيبة أبحاث علمية وبموازنة صفرية.

إذا نهض العراق وغيره من دول المشرق لن يعود إلينا لا بول بريمر ولا الخليفة البغدادي ولا أبو مصعب الزرقاوي ولن يكون للتطبيع، أكان إبراهيميا أو بكوفية، أي معنى نهائياً.

Print Friendly, PDF & Email
حسين أيوب

صحافي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  ميدل إيست آي: فرنسا تتطلع لنفوذ إقليمي أوسع عبر بوابة العراق