الحُكّام للشعب: العَتمْ على قد المحبّة
Yellow headlamp bulb. Creator: Unknown. (Photo by National Motor Museum/Heritage Images via Getty Images)

لو قيض للبنانيين أن يخرج عليهم أي وزير للكهرباء ويقول لهم منذ 25 سنة: إسمحوا لنا بسنة واحدة من دون كهرباء. إتكلوا على المولدات الخاصة، وبعدها خذوا ما يدهشكم. معامل وخطوط توزيع وساعات ذكية وتعرفة جديدة.. والأهم قطاع منتج لا يكبد الدولة ما كبدها من مليارات، هل كان ليرفض أي لبناني عاقل مثل هذه المعادلة؟

في لبنان فقط، وفي غضون اسبوع واحد، ثلاثة أحداث تتعلق بالكهرباء:

١- أقر مجلس النواب اللبناني سلفة بقيمة ٢٠٠ مليون دولار أميركي لمؤسسة كهرباء لبنان من مصرف لبنان المركزي. خيّر البرلمان اللبنانيين بين العتمة أو السلفة، لكنه فعلياً أجّل العتمة حتى آخر حزيران/ يونيو ٢٠٢١ ممّا يجعلنا نقع في نفس السيمفونية بعد فترة.. وطبعاً ستختار السلطة: العتمة!

نعم السلطة عندنا تختار، لكن المواطن يدفع. فهذه السلفة ستؤخذ من أموال المودعين، وتحديداً من الباقي في الإحتياطي الإلزامي في مصرف لبنان أي من جيوب اللبنانيين.

٢- إطفاء معمل الزهراني نهائياً عن العمل بعد نفاذ مادّة الفيول لتشغيله.

٣- إطفاء معمل دير عمار بالكامل، لينضم إلى معمل الزهراني، إلى حين تأمين مادة الفيول.

ماذا يحصل في ملف الكهرباء؟

ينتج لبنان حالياً ما يقارب ٢٠٠٠ ميغاوات من الكهرباء كمتوسط سنوي، في حين تقارب احتياجاته ٣٦٠٠ ميغاوات، بعجز يصل الى ١٦٠٠ ميغاوات.

هذا الإنتاج مصدره ٧ معامل تعتبر قديمة وهي: الجية (البواخر)، الذوق (البواخر)، صور، بعلبك، الحريشة، الزهراني ودير عمار. مشكلة هذه المعامل الحرارية القديمة أنها تستخدم الفيول الثقيل أو الديزل اويل بدل الغاز الطبيعي، ممّا يؤدي إلى كلفة أكبر وتلوث أكثر، بالإضافة إلى عدّة مشاكل آخرى يعاني منها قطاع الكهرباء كالهدر في شبكة التوصيل القديمة والمهترئة الذي يصل إلى اكثر من ٣٦٪؜، ضعف في الجباية وعدم فوترة صحيحة بنسبة هدر تصل الى ٤٠٪؜، وعدم وجود هيئة ناظمة لقطاع الكهرباء تدير وتنظّم عمل القطاع (عدم تطبيق قانون ٤٦٢ الصادر عام ٢٠٠٢).

في مقارنة بسيطة بين لبنان ومصر، يتبين الآتي: بكلفة تصل إلى حوالي ٨ مليار دولار، وبفترة لا تتجاوز ٢٥ شهراً، أنهت مصر إنشاء محطات توليد كهرباء بقدرة ١٤٤٠٠ ميغاوات. لقد حضر المصريون إلى لبنان وعرضوا وصل بلدنا بالخط العربي (المصري) وخلال فترة قياسية، وكان هذا المشروع كفيلاً بتوفير مليارات الدولارات. قدّر المصريون أرباحهم بعشرات ملايين الدولارات. في أول لقاء مع أحد الوزراء اللبنانيين المعنيين، قال لهم “حتى يمشي مشروعكم بدي 50 مليون دولار. بقية الموافقات (التواقيع) تكون من مسؤوليتكم أنتم”. أدركت “مصر القابضة” أن الأمر قد يكلفها أكثر من مئة مليون دولار سنويا، أي أن المطلوب منها أن تدخل في إستثمار خاسر من أساسه، ذلك أن الرشوات المطلوبة تفوق ربح الشركة بأكثر من الضعفين. قررت الشركة المصرية الإنسحاب، كما فعل قبلها الصندوق الكويتي للتنمية الذي هاله حجم الرشوات المطلوبة من جهات لبنانية عديدة. يسري ذلك أيضاً على شركات دولية مثل “سيمنس” التي جرّبت حظها وبلغت الحائط المسدود إياه.

عملياً، يحتاج لبنان إلى ٣٦٠٠ ميغاوات، وهو يدفع منذ عام ٢٠١٢ إلى اليوم نحو ٨٥٠ مليون دولار سنوياً لاستئجار باخرتين تركيتين راسيتين في معملي الزوق والجيّة. مع العلم أن هاتين الباخرتين تنتجان نحو ٤٠٠ ميغاوات من الطاقة فقط، ولو قرر لبنان لأمكن أن يشتري باخرتين ـ معملين فيتملكهما بدل إستئجارهما وعندما تنجز المعامل يتولى تأجيرهما، لكن ذلك لم يحصل لأن الباخرتين، بكل منظومتهما، من أبرز عناوين الفساد في هذا القطاع.

لقد شكّل هذا القطاع حوالي ٥٠٪؜ من الدين العام، فمنذ العام ١٩٩٢ حتى العام ٢٠١٩ صُرف على ملف الكهرباء حوالي ٤١ مليار دولار! لماذا؟ لأن لا رغبة لدى السلطة الحاكمة بأن تكون الكهرباء على مدار ٢٤ ساعة. حجم الفساد المالي كبير جداً، إن من أصحاب المولدات الكهربائية المحميّين من السياسيين، أو من شركات إستيراد الفيول والمازوت التابعة لهم عبر الشراكة، بشكل مباشر أم غير مباشر أو من خلال تلزيمات المعامل أو خزعبلات المعامل على الطاقة البديلة أو البواخر وما أدراك ما البواخر التي لطالما كانت تأتينا بفيول غير مطابق للمواصفات، ناهيك عن إلزام البواخر بالإنتظار قبالة المعامل وما يستجلب ذلك من دفع بدلات لأصحاب البواخر وصولاً إلى إنزال الفيول في المعامل، كما في “مسارب موازية” في كل معمل.

ستبقى “كهرباء ٢٤/٢٤” مجرد حلم. سنبقى نسمع وعوداً عنها من فُلان وفُلان آخر، وستبقى الدولة تمول العتمة من جيوبنا بين الحين والآخر، على قاعدة: العَتمْ على قد المحبّة. “فائض المحبة” سيزيد في الأشهر المقبلة مع رفع الدعم وإرتفاع أسعار النفط عالمياً، فننتظر الأسوأ.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  "نفسٌ" فرنسي لمائة فنان لبناني دعماً لنشاطهم الإبداعي
يوسف كليب

ناشط سياسي، لبنان

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  كورونا يعيدنا إلى كانتوناتنا.. لبنان ليس بخير