فلسطين، قُلوبنا ترحل إليك كلّ يوم

تستحق فلسطين كلّ الكلمات، كل الأفكار، لها خفقات القلوب وتعب الحناجر ولها السّواعد وما تحمل والأسفار وشقاءها، فلسطين هي الحلم والمأساة، التغريبة والوطن، القهر والفرح، وكل ما تجمع هذه اللغة من أضداد.

نحن جيل عرف صور الانتفاضة الأولى والجندي الصهيوني حاملًا الحجر يكسر به يد فلسطيني مقيّد بالأصفاد. لك أن تتخيّل ماذا فعل بنا هذا المشهد. كيف كانت القلوب والأنفس تودّ لو تقفز من الشاشات لتصل وتتلقى الضربات عنه أو تساعده في الهرب. هذه أحلام أطفال جيلي، كنّا نمشي في شوارع بيروت خلال عدوان عناقيد الغضب في نيسان/ أبريل 1996، نحمل بنادق بلاستيكية نديرها نحو السّماء كلّما سمعنا هدير الطائرات، من دون أدنى خوف.

نحن جيل شبّ بين أناشيد المقاومة على مختلف مشاربها إسلامية كانت أم علمانية. جيل تخيّل نفسه على أبواب القدس مع صوت فيروز حين صدّحت: الغضب السّاطع آت ثم ركض عام 2000 وعبر حاجز بيت ياحون الذي كان بمثابة أسطورة ولكن تبين أنه نمر من ورق. سقط الحاجز وسقط العملاء، ولم تنته الرحلة، بل بدأت. أصبحنا لفلسطين أقرب، فكانت نقطة مارون الراس وبوابة فاطمة في كفركلا والطريق الممتدة منها نحو ميس الجبل والعبّاد، ولو قيّضَ للعدو أن يطلع على ما في قلوبنا لرفع أسوارًا فوق أسوار فكلّما اقتربنا على تلك الطريق من الأراضي المحتلة وعاينّا فلسطيننا كنا نخرج من شبابيك السّيارات، لا نصدّق أنّها فلسطين. أنّها الحلم، سنعود إليك من سيمنعنا غدًا، بيت ياحون لم تكن الحدود فلن تكون كفركلا حدًا كذلك.

تربينا على حبّ القضية وشربناها مع حليب الأم كلّ صباح وجريدة الأب العائد كلّ مساء نبحث فيها عن خبر يخصّ المقاومة من هنا وهناك، كنّا نبحث عن الانتصارات، أحيانًا نجدها وأخرى نجد عكسها فلا يزيدنا الأمر إلّا عزيمة. إستمر التعلّق بالأرض من جيل إلى جيل ثم ساهم الفلسطينيون في نقل حبّ فلسطين فزرعوه في قلوب الأحرار، كلّ أحرار العالم، علمّونا حبّ هذه الأرض وألبسونا كوفيتها على أعناقنا وفي أرواحنا فأصبحت أرواحنا معلّقة بالقضية بل منّا من استعدّ لدفع الأثمان القصوى دفاعًا عنها ولتحريرها ولو مترًا تلو متر.

جدي كان يمتلك وسيلة نقل (بوسطة) على خط بنت جبيل ـ حيفا ولم يعترف حتى شهادته في حرب تموز 2006 أنّ هناك عدوًا قد أقفل عليه الطريق ورحل وهو على يقين بأنّه سيعود، كيف سننسى إذًا؟

كلّما ظنّ المحتل أنّنا نسينا القضية واعتدنا الحياة السّهلة حتى فاجأناه مجدّدًا بأنّ الشعلة لم تنطفىء. ولو أخذنا لبنان مثالًا، فإن شبابه وشاباته وبرغم ما يعيشون من مأساة اقتصادية واجتماعية اليوم، لم تتراجع حماستهم لفلسطين. حتى في اليمن العزيز نرى مسيرات تثير الدهشة. كيف يمكن لشعب لا يملك اليوم المقومات الأساسية للحياة وهو تحت الحصار التام أن يخصّص التبرعات (ولو الرمزية، وهي ليست كذلك) لدعم فلسطين؟ الإجابة بسيطة: فطرة الانسان ترفض الظلم.

فلسطين هي الشعوب الحرّة لا الحكومات. الشعوب لا تعترف بلغة المصالح ولا تهتم لسفير هنا ووزير خارجية هناك ولا تخاف حاملة طائرات إن هُددت بها. الشعوب ترى القضية ومهما حاولت الحكومات طمس ما يجري وجعله صراع مصالح أو نفوذ فلن تفلح. نحن لا نرى في الفلسطيني إلّا نظيرًا لنا. ما يعيشه اليوم إما سنعيشه لاحقًا أو عشناه سابقًا. في الحالتين، سندافع عن الفلسطيني وعن إنسانيته وحقه بأرضه ووطنه وتاريخه، وهذا الأخير ليس وجهة نظر يمكن تغييرها وتبديلها بحسب الظروف السياسية المحيطة ولا يمكن اختصاره بمشيئة جنرال محتل وضعه الاستعمار في بلادنا فأعاد رسم خارطة وجودنا وفقًا لأهوائه.

وللمفارقة هنا ودائمًا بالعودة إلى فلسطين، لم نقبل نحن أهل الأرض بالانسلاخ عن بعضنا البعض، جدي كان يمتلك وسيلة نقل (بوسطة) على خط بنت جبيل ـ حيفا ولم يعترف حتى شهادته في حرب تموز 2006 أنّ هناك عدوًا قد أقفل عليه الطريق ورحل وهو على يقين بأنّه سيعود، كيف سننسى إذًا؟

اليوم وبعد أن عرفت الشعوب أنّ الرهان لن يكون يومًا على السّياسة والمفاوضات، وأن الصوت المسموع في العالم هو صوت القوة الذاتية، فكلّ الدبلوماسيات القوية لا يوجد خلفها إلّا القوة، أصبحنا على يقين مع هذه الهبّة الفلسطينية أنّنا سنعبر نحو الأرض المحتلّة كما عبرنا بيت ياحون يومًا، سيرًا أم على جناح صاروخ، لا يهم… لم تكن فلسطين أقرب إلينا مما هي اليوم.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  في وداع حاتم عليّ.. أحلام لم تعشْ طويلاً
فؤاد إبراهيم بزي

كاتب متخصص في المواضيع العلمية

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  إنتفاضة الأقصى.. ونهاية أوهام اتفاقات أبراهام