بين عَبَدَة “الكرسي”.. وعبيدهم!

في مطلع شهر أيّار/مايو 2018، انطلق وليد جنبلاط رئيس "اللقاء الديموقراطي" آنذاك في جولةٍ انتخابيّة، على عددٍ من قرى وبلدات الشوف الأعلى في الجبل. كان هدف جولته، التسويق لترشيح نجله الأكبر تيمور. فالمهمّة التي كان قد أوكلها إلى النائب وائل أبو فاعور، لهذا الغرض، بدا أنّها لم تؤتِ بالثّمار المرجوّة جنبلاطيّاً.

شمّر زعيم المختارة عن ساعديْه، ونزل شخصيّاً إلى “الشعب”. شعبه. فالمعركة الانتخابيّة كانت حامية الوطيس في عرين آل جنبلاط: الشوف. “نحن في حالة حصار. يريدون تطويقنا. وتفريقنا. وتحجيمنا”. قالها جنبلاط بنبرةٍ ارتفعت حدّتها، وهو يبادر الوفود الشعبيّة (التي دُعيَت لاستقباله) بسؤالٍ استنكاري: “هل تريدون أن تسقط المختارة؟!”. “لا أعتقد”، أجاب نفسه بنفسه. جوابٌ، كان يحمل في طيّاته، بالطبع، “رسالة ترهيبٍ” للجموع الحاضرة. مغلَّفة بالتهويل من المصير الذي ستلقاه، في حال صحّت فرضيّة سقوط نجله في تلك الانتخابات التشريعيّة. فسقوط تيمور، كان سيعني سقوط المختارة. وإقفال قصر آل جنبلاط، سياسيّاً. و.. خسارة حصّتهم في السلطة. تفصيل صغير لكن مهمّ، في هذا الإطار.

لم تشمل جولة زعيم المختارة القرى التي تُعتبَر “حصناً” لخصومه من الدروز، تحديداً. فالخطوط الحمر، مرسومة ومحترَمة بدقّة في ما بين اللاعبين الأساسيّين. التقليديّين منهم والطارئين. وإنْ اختلفت أحجامهم. لكنّ جنبلاط حَرُص، يومذاك، على إطلاق رسائل الترهيب من بلدتي عماطور التي تقصّد أن يبدأ منها جولته الشوفيّة. كيف لا، وأحد أبناء هذه البلدة قد “تجرّأ” وترشّح للانتخابات على لائحة تحالف “كلّنا وطني” (المجتمع المدني). ما يعني، عمليّاً، ضدّ تيمور جنبلاط. يا ربّ استر! من الآخِر، ممنوعٌ على شباب الشوف الأعلى الإقدام على “مغامرةٍ” كهذه. فالمقعد، من حقّ دار المختارة. من حقّ البيك الصغير. لماذا؟ لا داعي للتبرير. أصلاً، لم يعتد ناس المنطقة على انتظار سماع أيّ تبريرٍ يُقدَّم لهم. ومهما كانت خطوات أو سلوكيّات البيك الكبير. هكذا ونقطة على السطر. بأيّ حال قالها جنبلاط، ومن دون مواربة. “مع احترامي لأصوات ما يُسمّى بمجتمع مدني وغير مجتمع مدني.. لكنّ تراثنا أهمّ بكثير من هذه الأصوات”. انتبهوا لكلمة “تراثنا”! ولجملة التوطئة للترهيب “مع احترامي”!

أنا ألعن الساعة التي جعلتني أتشارك معهم العيش، في الزمان والمكان ذاتهما! ترى، لماذا يستقتل هؤلاء على السلطة؟ فلبنان، كدولةٍ وكمنظومةٍ سياسيّة وإداريّة، انتهى. هم أنهوه. وسحبوا الزمن من روزنامته. وشفطوا الحياة منه، مثلما يُشفَط الهواء بآلة vacuum. فعلى مَن، وعلى ماذا سيتسلّطون؟

غير أنّ ما فعله جنبلاط قبيل انتخابات 2018، فعلته جميع الزعامات السياسيّة (الطائفيّة) في البلد. وإذا كنتُ أنقل هنا، حصراً، مشهداً من مشهديّات استعراض قوّة إحدى هذه الزعامات، فلأنّني كنتُ شاهد عيانٍ عليه، ليس إلاّ. فـ”كلّن يعني كلّن”، يقترفون “السبعة وذمّتها” في الطريق إلى “الكرسي”. ذاك الطريق، المُعبَّد بشتّى صنوف شراء الولاءات. بالترغيب أو الترهيب أو بالاثنيْن معاً، لا فرق. لكن، لكلٍّ أسلوبه. وأدواته. تبعاً لما تقتضيه عمليّات البيع والشراء. إنّما تحلو الصورة أكثر، عندما يطغى على تلك العمليّات طابع “التقديس”. فإذّاك، تُرمى الأصوات في الصناديق بتكليفٍ شرعيٍّ ربّاني، كُرمى لعيون الحلفاء!

ولا تنتهي الأمور عند هذا الحدّ. فهناك استراتيجيّات “كبرى” تستعين بها “النخب السياسيّة” ومناصروها للتلاعب بالعمليّة الانتخابيّة. وبنتائجها. استراتيجيّات ترتكز إلى معوّقات هيكليّة (كرّسها قانون الانتخابات المُفبرَك في 2017). وتعتمد على ممارساتٍ قمعيّة (ناعمة)، لضمان ألاّ “ينسى” المواطن ولاءه أثناء عمليّة التصويت. وتُدعَّم بسلوكيّات التزوير والخداع قبل وأثناء فرز الأصوات وإعلان النتائج. فأثناء موسم الانتخابات (كما يحصل في هذه الأيّام)، تنشر الأحزاب ماكيناتها المكوّنة ممّا يُسمّى “مفاتيح” لتعمل في أحياءٍ ومناطق، بعينها. ويكون “المفتاح”، عضواً نافذاً في حزبٍ سياسيٍّ ما. مهمّته محصورة في “إقناع” الناخبين. كيف؟ بالتواصل معهم. وتذكيرهم بالخدمات التي حصلوا عليها من “الحزب” و”الزعيم”. وتوزيع الأموال والخدمات المتنوّعة للمؤيّدين. ولا يفوت “المفتاح”، عادةً، أن يسجّل أسماء المنشقّين. أو المعارضين. لماذا الكتابة اليوم عن أجواء ما قبل الانتخابات؟

لأنّني، ومع إقفال باب الترشيحات مطلع هذا الأسبوع، فكّرتُ مليّاً وأنا أشاهد وأسمع وأشمّ رائحة القذارة المنبعثة من أفواه بعض المرشّحين. أي، أولئك الذين اعتادوا أن يقصّوا علينا، من دون كلل، حكاية إبريق الزيت إيّاها. ترشّحوا، من جديد، ليحكمونا. وليسرقوا حصاناتٍ أهالوا بها التراب على دماء اللبنانيّين المهدورة. ترشّحوا ليستأنفوا، أيضاً وأيضاً، سلواهم بأحزاننا. ويكملوا المسير في رحلة الانهيار. انهيارنا. لتبطيئه حيناً. وتسريعه أحياناً. بحسب ما تمليه الحاجة.

وإذا وفّقهم الله ونجحوا في الانتخابات المقبلة (وسيوفّقهم)، سيمضون بنا قُدُماً إلى النهاية. إلى حيث تصبح تبعات الانهيار كارثيّة. بكلّ معنى الكلمة. فهكذا، فقط، يمكن الاستثمار في فقر اللبنانيّين. وفي تحلّل الدولة. فالانهيار وحتميّة إعادة الإعمار على أنقاضه، يشكّلان لسياسيّينا حقلاً جديداً للتنقيب عن المكاسب. ولتربُّحهم. وفي مواسم الانتخابات، تضيع البوصلة، بالكامل. فلا قدرة للتمييز أو التمايز، بين الحلفاء والأعداء. فالصديق يصبح عدوّاً، إذا ترشّح ضدّنا. والعميل للعدوّ الأصيل يصبح صديقاً، إذا كان يخدم تحالفنا الانتخابي. نعم. هو العهر وليس ابن عمّه! وبعد؟

إقرأ على موقع 180  بيروت مدينة النور .. بلا نور

ما تقدّم، يجيب جزئيّاً، في الحقيقة، على أسئلةٍ لا أنفكّ أطرحها على نفسي. وأنا أشاهدهم وأسمعهم وأشمّ نتانة رائحتهم (عذراً للتكرار). وأنا ألعن الساعة التي جعلتني أتشارك معهم العيش، في الزمان والمكان ذاتهما! ترى، لماذا يستقتل هؤلاء على السلطة؟ فلبنان، كدولةٍ وكمنظومةٍ سياسيّة وإداريّة، انتهى. هم أنهوه. وسحبوا الزمن من روزنامته. وشفطوا الحياة منه، مثلما يُشفَط الهواء بآلة vacuum. فعلى مَن، وعلى ماذا سيتسلّطون؟ وماذا بقي في هذه الديار من “السلطة”؟ من سلطة؟ لماذا يتمسّكون بهذا الكرسي الذي تكلّسوا عليه، وكأنّه صكّ شراءٍ يحتفظون به كالدرّة النفيسة؟ سأحاول الإجابة.

هؤلاء، الذين يتكدّر يومكم بمجرّد أن تلمحوا سحناتهم، لا يعتبرون أنفسهم جزءًا من فئةٍ اجتماعيّةٍ وسياسيّةٍ طفيليّة، تراكمت كالدَّمْن على حياتنا! كلا. هم مقتنعون بأنّ “وجودهم” في هذا البلد، إنّما هو حقٌّ موروث لهم. ورثوه، أبّاً عن جدّ. وأكثر. ففي وثيقة حصر إرثهم، يُدرَج البشر (من أبناء منطقتهم وملَّتهم) كنسبة من حصّتهم في الميراث. تماماً، كقطعة أرض. كخزانة. كلوحة. والموروث في عُرْفهم، يا أصدقاء، يُعتبَر مسألة بيولوجيّة وجينيّة. وليس مسألةً اجتماعيّةً وسياسيّةً واقتصاديّةً، على الإطلاق. إنّه حقٌّ شرعيٌّ لا يُمارى فيه. ومن هنا، نفهم استهجان وليد جنبلاط من تجاسُر البعض على “وضع اليد” على شيءٍ يعتقد، هو، أنّه من ممتلكاته (حين سأل أتريدون أن تسقط المختارة؟). وماذا بعد؟

“من السهل عليك أن تصل إلى الحُكم، ولكن من الصعب عليك أن تحكم”، يقول ديكتاتور البرتغال الشهير أنطونيو دو أوليفيرا سالازار. هو الذي أُبعِد عن السلطة، بعدما شُلَّ دماغه، بطريقةٍ لم يكن يتوقّعها. يدرك زعماء لبنان، جيّداً، “الحكمة” في معادلة سالازار تلك. وبأنّهم إذا وصلوا لن يحكموا. لكنّهم، مع ذلك، يصرّون على سحق كلّ مَن يعيق وصولهم إلى الكرسي. فهُم لا يريدون الحُكم. بل السلطة. هم يعشقون هذه السلطة.

هم مقتنعون بأنّ “وجودهم” في هذا البلد، إنّما هو حقٌّ موروث لهم. ورثوه، أبّاً عن جدّ. وأكثر. ففي وثيقة حصر إرثهم، يُدرَج البشر (من أبناء منطقتهم وملَّتهم) كنسبة من حصّتهم في الميراث. تماماً، كقطعة أرض. كخزانة. كلوحة. والموروث في عُرْفهم، يا أصدقاء، يُعتبَر مسألة بيولوجيّة وجينيّة. وليس مسألةً اجتماعيّةً وسياسيّةً واقتصاديّةً، على الإطلاق

يمتاز بعض الناس، غالباً، بنزعةٍ غير عاديّة للسيطرة على مجريات حياة الآخرين. ويبدأ ذلك، بنزعة التحكّم في شؤون أفراد الأسرة الصغيرة. ليمتدّ “طموح” السيطرة، لاحقاً، إلى العائلة الأكبر. إلى العشيرة. والجماعة. والقرية. والمدينة. و..الدولة. وهناك بعض البشر، من أمثال السياسيّين عندنا، مَن تذهب بهم نزعة التفرّد بالسلطة المطلقة، إلى القفز خلف الحدود الجغرافيّة والسياسيّة والاجتماعيّة. بلى. وهذا الصنف من عشّاق السلطة، يكون لديه نَفَس ديني ـ سياسي ـ كوني. فلا مكانة في ذهنيّته لحدودٍ ديموغرافيّة.

وعشّاق السلطة، للإشارة، يستغلّون كلّ شيء وأيّ شيء ليخوضوا الصراع على السلطة. فتجدهم يقودون هذا الصراع، غير آبهين بالنتائج أو التبعات التي يتكبّدها الناس جرّاء ذلك. فالشعب، هو الضحيّة المرشّحة، دوماً، لدفع الفواتير المستحقّة للمتصارعين. جيوشٌ من الشباب والشيوخ والنساء (وحتّى الأطفال)، يتمّ تجنيدهم في المعركة. يتخندقون وراء عاشق السلطة والحُكم والتحكّم. يستعدّون لدفع الغالي والنفيس لكي يسود ويتسيّد. والحالُ هذه، يجد السياسي البيئة الفضلى لبقائه وازدهاره. وقد تأخذه النشوة للقبول بالفناء شبه الكامل للشعب. مقابل أن يبقى جاثماً على قلوب البشر وعقولها.

كلمة أخيرة. ذات يوم، كتب الصحافي الشهيد سمير قصير يقول: “لك الحقّ في إبداء رأيك. ولكن إنْ أبديته وكان مغايراً لرأيي، فإنّك إمّا تقدّم خدمة للعدوّ، أو أنتَ ساذج بريء. وفي أيّ حال، لن نعمل برأيك. ولا أمل لك في إسماع صوتك، ما دمتَ لم تأخذ مكاني. أنا الذي في السلطة، وصورتي تملأ السماء بعد الأرض!”. إقتضى التذكير.

Print Friendly, PDF & Email
وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  هل يمكن للبنانيين العيش سوية إلا بالقمع؟