هذا ما تعلّمتُه في الـ Goulag اللبناني!

ما تقرؤونه ليس مقالة. هو أشبه بحفريّات الروح. روحي الغائرة في جحيم "الغولاغ". هل قرأتم يوماً عن "الغولاغ"؟ إنّه معسكرات السُّخرة والاعتقال في الزمن السوفياتي البائد. سُجِن فيها أو نُفِي إليها، أكثر من 28 مليون شخص بين 1918 و1987. دخل "الغولاغ" التاريخ. كإحدى أبرز جرائم القرن العشرين ضدّ الإنسانيّة.

لقد وصفنا أحد نوّاب برلماننا، بالرهائن لدى الطبقة السياسيّة الساقطة التي تحكمنا. وللأمانة الصحفيّة، تعبير “الساقطة” لي وليس له. قال، إنّ السياسيّين (وهو واحدٌ منهم) قرصنوا طائرة الوطن التي كانت تُقِلُّنا إلى المستقبل. كلاّ، نحن لسنا رهائن. إذْ لا أحد يفاوض أو يساوم على مصيرنا. لا أحد “يَلْكِشْنا” أو يهتمّ بدفع فديتنا. نحن معتقلون، نقطة على السطر. اعتقلتنا الطبقة السياسيّة التي تحتلّ مقاعد السلطة منذ التسعينيّات الماضية. بوشرت الاعتقالات بدءًا من ليل ذاك الـ 17 تشرين. ومذّاك، ونحن نقبع في سجنٍ جماعيٍّ بحجم الوطن. في “غولاغ”. نعم. حوّلوا لبنان إلى “غولاغٍ” على النمط السوفياتي. وفي زنزانتي، قمتُ بجردة حساب ليوميّاتي خلال سبعة عشر شهراً. ماذا أدركت، وفهمت، واستخلصت، وتعلّمت؟ الكثير.

نبشتُ في تلافيف روحي وعقلي. وسأشظّي أمامكم كلماتي. لن أرصفها أو أنمّقها. سأشارككم، يا أصدقاء، معاناتي:

1- بدايةً، أدركت في “الغولاغ” أنّ تصوّري غير ناضج عن معنى امتلاك الإنسان لذاته. لأنّني لست حرّة. فحرّيتنا في لبنان، وهمٌ كبير. ويقول العلم، إنّه من الصعب أن يجد المرء ذاته إذا لم يكن حرّاً. وهذا ما فسّر لي، في الواقع، لماذا تتضخّم قوّة السلطة في لبنان، كلّما تزايد اغتراب اللبناني عن ذاته.

2- أدركت أنّنا شعب لا يستحقّ الحريّة. لأنّه، بمعظمه، لا يشعر بآلام الإستبداد والإذلال. إذْ لم تكن كافية، بالنسبة إلينا، كلّ سنوات إهانتنا واستغبائنا واحتقارنا والكذب علينا وسرقة مالنا وحياتنا، لكي نبصق آلامنا وقرفنا بوجه العصابات الحاكمة.

3- إستنتجت أنّنا، نحن اللبنانيّين، لا نتعلّم ولا نتّعظ ولا نستخلص أيّ درسٍ من دروس الماضي. بل نجاهد، لإسكات الأصوات الداعية إلى بحثٍ دقيق في ماضينا.

4- تعلّمت أنّنا في بلدٍ، يُسخِّر تاريخه لأغراضٍ سلطويّة. وأنّ العمل الحزبي في لبنان، ليس إلاّ كذبة كبيرة. مجرّد مطيّة للوصول إلى السلطة، وغالباً بأحقر الوسائل.

5- أيقنت أنّ اليتيم الفعلي في لبنان، ليس مَن مات أحد والديْه. بل، مَن أراد العيش خارج رعيّة الطائفة. ومَن يُصرّ على رفض منطق الرعيّة، من أصله. وعليه، نحن، أيتام الطوائف، لا نستطيع أن نحلّ أو نربط في أيّ مشكلةٍ من مشكلات البلد. فمِن غير المسموح أن نكون أصحاب قرارٍ في وطننا.

6- أدركت أنّنا نعيش في بيئاتٍ موبوءة. تفرِّخ بيئاتٍ كارهة لبعضها البعض. ولاحظت أنّ الشعور الذي يجعل اللبناني يصمد مدةً أطول، في هذه البيئات، هو الحقد.

7- عرفت أنّ الـ”سوبر مجرم” في لبنان، لا يُرمى بوردة. بل يُكافأ. لأنّ جريمته تبقى، دائماً وأبداً، من دون محاسبة. أي تبعاً للقول الفرنسي un crime impuni est un crime récompensé.

أيقنت أنّني لم أعد على استعدادٍ للموت، قطعاً. لا من أجل الوطن. ولا من أجل أيّ قضيّةٍ كبيرة أو أيّ هدفٍ سامٍ. لكنّني مستعدّة لأعانق الموت، ومن دون تردّد، فداءً لإصبع قدم إبنتي الصغير

8- عرفت، أيضاً، أن لا أمل لنا بمحاسبة أو محاكمة أيٍّ من اللبنانيّين الذين شاركوا مجرمي السلطة  الأشاوس بإيذائنا وقمعنا والتعدّي علينا. ففي “غولاغنا”، هناك ألوف المحقّقين والمُخبرين والحرّاس (لزنزاناتنا) والجلاّدين من أهلنا وشعبنا! لذا، سيبقى “الغولاغ” حاضراً بيننا، دوماً، وحتّى بعد تفكيكه وإزالته.

9- تعلّمت وجوب الذهاب إلى النهاية. واقتنعت بأنّ كلّ الخيارات السلبيّة القصوى باتت حقّاً مبرماً لنا، نحن مَن انتفض على عصابات السلطة. فلا شرعيّة تعلو فوق شرعيّة حقّ الرفض والتمرّد والثورة والتغيير.

10- أدركت، وبالدليل الحاسم، أنّ هذه البلاد لم تعد تتّسع لنا ولهم، معاً. يريدونها لهم وحدهم. ونريدها من دونهم.

11- أدركت أنّ جميع أركان الطبقة السياسيّة، ومن دون أيّ استثناء، هم حفّارو قبور. لنا ولأولادنا ولأولاد أولادنا. وطموحُ كلّ جيلٍ يتوالد منهم، هو وَأْد كلّ جيلٍ يتوالد منّا، نحن جيل “الغولاغ”.

12- أيقنت أنّني لم أعد على استعدادٍ للموت، قطعاً. لا من أجل الوطن. ولا من أجل أيّ قضيّةٍ كبيرة أو أيّ هدفٍ سامٍ. لكنّني مستعدّة لأعانق الموت، ومن دون تردّد، فداءً لإصبع قدم إبنتي الصغير.

13- إستنتجت أنّ هشاشة حضارتنا وثقافتنا الإنسانيّة، عميقة. لذا يمكن أن يستحيل الإنسان اللبناني، بأسرع من البرق، وحشاً. فالوسيلة الرئيسيّة لإفساد الروح، هي الذلّ.

14- أدركت أنّ المواطنين اللبنانيّين الذين لا يزالون قادرين على الحفاظ على الحدّ الأدنى من الأمل، هم، فقط، المؤمنون بمشروعٍ ما للتغيير.

15- إكتشفت أنّ “الإشاعة” في لبنان ليست مجرّد “إشاعة”. قد تكون “استطلاعاً بالنار”، قبل هجومٍ وشيك.

16- تأكّدت أنّ إحدى أكبر أزماتنا، حاليّاً، هي أنّ القوى الكبرى (المؤثّرة في مصيرنا) لم تعثر لنا، حتّى اللحظة، على وصيٍّ أو منتدِبٍ أو محتلّ. لا تقبل أيّ دولة في العالم، باستعمارنا. أيُعقَل؟

أيقنت أنّ 17 تشرين أضحت أحد ثوابت الحياة السياسيّة في لبنان. ولا احتجاجات مفيدة من خارج “فلسفتها”. لكنّ هذه الصبيّة المغتصَبة، لن تستعيد “شرفها” إذا استمرّت باللعب على حافة السياسة. وإذا اكتفت بـ”الهَيْصة” الثوريّة السطحيّة. نحن نحتاج إلى “إنتفاضة في الانتفاضة”، بحسب تعبير سمير قصير

17- أدركت أنّه يمكن للفرد اللبناني أن يعيش، حصراً، على اللّامبالاة. وعلى الغريزة. أي، على شعور حفظ الذات، تماماً كالنبات والحيوان.

إقرأ على موقع 180  روسيا على ناصية المتوسط: وحدة ليبيا... وتحرير "كنيسة الروم"!

18- أيقنت في اختبارنا العظيم في “المعتقَل”، أنّ إنسانيّتي وعنفواني يبقيان فوق كلّ اعتبار. وفرحتُ لكوني لم أطرق يوماً باب متجبِّر. ولم أتسوّل حقوقي من أيّ مجرمٍ في السلطة. ولم أبِعْ أحداً. ولم أخُن مطلقاً. ولم أتسبّب بإرسال أحدٍ إلى حتفه.

19- ترسخّت قناعتي بأنّ البقاء في هذا البلد، هو للأكثر فساداً وإجراماً. وأنّ أرخص سلعة هي دماء الشهداء. فقط شهادة الشهداء مجّانيّة في لبنان.

20- تعلّمت أنّ الإنسان الذي يعيش في بلدٍ كلبنان، لا يمكن إلاّ أن يصبح منحرفاً. لا يمكنه أن يقدّم أيّ شيءٍ إيجابي لأيٍّ من مواطنيه.

21- تعلّمت أن “أخطّط” لحياتي ليومٍ واحد مسبقاً، لا أكثر.

22- تعلّمت أنّ معرفة الناس لا طائل منها. لأنّني غير قادرة على تغيير موقفي تجاه أيّ وغد.

23- صُدِمت، مراراً وتكراراً، بعدد الأشخاص الذين “اشتراهم” النظام، وجنّدتهم أحزاب السلطة وطوائفها لتجعل رحيلنا عن هذا الوطن، من دون حقائب.

24- تعرّفت على نوعٍ جديد من الثقافة. “ثقافة الوقت المهدور”. فالعصابات الحاكمة، لا تعرف أن تُنتِج غير التعطيل والفراغ والتفاهة والملل وإثارة غريزة القتل عند اللبناني (وغير اللبناني على الأرجح).

25- انتبهت إلى أنّ المرحلة التي أنتجت مفهوم “العمالة” ومفهوم “المقاومة”، إنتهت. فلقد صاغ لنا “المقتدرون” مفاهيم جديدة للحياة. بات اللعب على المكشوف. وفقاً لما كسبه كلّ طرف لبناني من أوراق قوّة سياسيّة. أو تبعاً لما خسره من نفوذ.

26- تعلّمت أنّ أيّ محاولة لتغيير النظام في بلاد الأرز، ممنوعة. ستتمّ مقاومتها بشراسةٍ استثنائيّة. فحكّامنا، كلّهم ولا أستثني أحداً منهم، لديهم مصلحة مهولة في الفوضى والخراب.

27- أدركت أنّ وجودنا في هذا الوطن، سيبقى ضئيلاً وقاحلاً. طالما استمرّت العصابات الحاكمة بتجفيف وعي الناس. وطالما يُعاد “المشهد ذاته” ويُستعاد، بغياب الأسئلة الصحيحة. وبتفريغ الأجوبة من جدواها.

28- أدركت أنّ معظم مَن يدّعي الإيمان بالله والرُسُل والأنبياء والقدّيسين، دجّالون. لأنّهم عادوا وثنيّين. خلقوا لأنفسهم أصناماً وعبدوها. لكنّ الغريب، أنّ النُخب اللبنانيّة “المثقّفة والخلاّقة والرفيعة المستويات”، هي السبّاقة إلى عبادة الأصنام هذه.

29- أيقنت أنّ 17 تشرين أضحت أحد ثوابت الحياة السياسيّة في لبنان. ولا احتجاجات مفيدة من خارج “فلسفتها”. لكنّ هذه الصبيّة المغتصَبة، لن تستعيد “شرفها” إذا استمرّت باللعب على حافة السياسة. وإذا اكتفت بـ”الهَيْصة” الثوريّة السطحيّة. نحن نحتاج إلى “إنتفاضة في الانتفاضة”، بحسب تعبير الكاتب الراحل سمير قصير (الذي حلّت ذكرى استشهاده قبل أيّام).

30- أدركت أنّ انتقالي من حالة “السجينة” إلى حالة إنسانةٍ حرّة، دونها صعوبات. سأحتاج إلى فترة تكيّفٍ طويلة.

كلمة أخيرة. لم يُحاسَب أيّ شخصٍ مسؤولٍ (عن) أو مُشارِكٍ في جرائم إدارة معسكرات “الغولاغ”. بل على العكس، تماماً. بحيث، تحاول الحكومة الروسيّة أن تلمِّع “ماضيها السوفياتي” وتمجّده. والتساؤل يصبح مشروعاً: “هل ستبقى إدارة معسكر “الغولاغ” اللبناني من دون محاسبة، هي الأخرى؟”. يُقال، إنّ لصوص الحياة لا عقاب لهم. إنّما “المسروقون” هم الذين يعاقَبون على سرقة حياتهم! إقتضى أن نسرق الحياة من سارقي حياتنا!

Print Friendly, PDF & Email
وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  كي لا يُضيّع سعد الحريري فرصته