الراديكالية في المحاسبة.. أساس الملك

لكأن آب صار شهراً للموت المجاني البطيء و"المنظم" في لبنان. سنة تفصل بين مأساتي بيروت وعكار. المجرم واحد ولكنه ما زال متوارياً عن الأنظار!

قبل مجيئي الى لبنان في تموز/يوليو من العام الماضي لتمضية بعض الوقت مع العائلة والاصحاب، اتصلت باصدقاء وزملاء محللين للاستفسار عن الوضع الامني والمعيشي. حينها كنت قلقاً من السفر الى بيروت ليس بسبب تفشي الفيروس التاجي ولكن رغبة مني بتفادي اوضاع امنية متقلبة. رحت اطرح اسئلة عن الفلتان الامني او إحتمالات اندلاع حرب اهلية او نشوب حرب مع اسرائيل. الحقيقة ان معظم هذه المخاوف نابعة من تجارب اليمة ومخيفة مررنا بها في لبنان ولا يريد أحد منا تكرارها أو أن تتكرر مع أولاده.

لم أكن اعلم حينذاك ان الخطر يمكن ان يأتي من شيء مختلف تماماً عما أطرح من إحتمالات أو ان تكون هناك تجارب لم تمر علينا بعد. لم أكن اعلم ان هناك اشياء اخفى وأعظم وأقسى من الحرب الى ان وقع انفجار 4 آب/أغسطس 2020. يومذاك، دُمرت بيروت ونُحر اهلها الاحياء منهم والاموات وما زالت الجراح مفتوحة الى يومنا هذا. التفجير كان اشبه بزلزال لكأن الارض فُتحت شهيتها بوقاحة حكام لبنان فإنفجرت عنواناً للفساد والإهمال وإنعدام المحاسبة والمسؤولية الوطنية. تواطؤ دولي واقليمي ومحلي. تخاذل، ذُل، استهتار ليس فقط من الطبقة الحاكمة وقواها الامنية الشرعية والمليشياوية وانما ايضا من الأمم كافة وعلى رأسها فرنسا. نعم، فرنسا، التي يرأسها شاب ديماغوجي أحبطت في لحظة مصيرية سقوط الطبقة السياسية اللبنانية برمتها. لقد لجم إيمانويل ماكرون فوران الشارع وغضبه وعوّم بتصريحاته وزيارتيه كل الفاسدين وحماتهم. حينها لم يتجرأ أحد من هؤلاء في النزول الى الشارع والاطمئنان الى احوال المدينة المدمرة. وحده فعلها ماكرون. لقد نزل الى الشارع لكنه دمّر المدينة مرتين وخدعنا بشروط عالية النبرة سرعان ما تطايرت مع اندثار غبار الانفجار.

لن نقول “لو”. ولكن لو كان الرد الدولي بحجم الانفجار ومصائب المنفجرين لكانت المطالبة بالتحقيق الدولي من أدنى المسلمات. اما اليوم ومع هذا التمييع المتعمد للحقيقة، ومع انعدام الثقة بالمحقق العدلي وجميع المؤسسات القضائية والعسكرية، لا يمكن الاتكال على القضاء اللبناني المسيس والمهترئ. بالمقابل، علمتنا التجارب ـ وآخرها تجربة المحكمة الخاصة بلبنان في قضية الرئيس الراحل رفيق الحريري ـ ان القضاء الدولي ليس بأحسن حال. هنا السؤال البديهي: ما العمل؟ وكيف سنكتشف الحقيقة؟

الحل الوحيد لتبيان الحقيقة في ملف تفجير مرفأ بيروت بالأمس وفي ملف بلدة التليل في محافظة عكار وفي غيرهما من ملفات قضائية، ان يكون هناك راديكالية تطيح الهالات والحمايات. لا استثنائية ولا استنسابية مع أحد. راديكالية بالسياسة والقضاء والمحاسبة. لا مهادنة ولا تسوية ولا مقولة “نسامح ولا ننسى”

صدقاً من الصعب تقديم جواب عن هكذا سؤال في ظل غياب الحد الادنى من الاخلاقيات في السياسة والقضاء على الصعيدين المحلي والدولي. ومن المستحيل معرفة ما حصل ونحن نعيش في كنف دولة فاشلة وضعيفة من جهة وفي ظل تعقيدات سياسية وعسكرية امنية اقليمية (سوريا واسرائيل) من جهة ثانية.

لذلك، وغداة مصيبة عكار، يؤسفني القول إن ملف تفجير مرفأ بيروت سيكون كمثيله من جرائم وتفجيرات واغتيالات (وانا لا اقارن هنا مع ما حصل في 4 اب/أغسطس ولكن أعني بذلك تمييع الحقيقة) حصلت سابقاً ولم تُعرف نتائجها حتى الآن.

المشكلة الاساسية هنا ان الطبقة السياسية ومن يرعاها اقليميا ودوليا اعتادت منذ أيام الحرب الاهلية على ارتكاب الجرائم وحتى المجازر من دون محاسبة، وهذا الأمر فتح شهيتها على ارتكاب الفظائع في حق لبنان وشعبه لأنهم يعلمون ضمناً انه لا يوجد نظام قضائي مستقل رادع وفعال.. وقادر على توقيف المجرم، صغيراً كان أم كبيراً.

يبدو لي ان الحل الوحيد لتبيان الحقيقة في ملف تفجير مرفأ بيروت بالأمس وفي ملف بلدة التليل في محافظة عكار وفي غيرهما من ملفات قضائية، ان يكون هناك راديكالية تطيح الهالات والحمايات. لا استثنائية ولا استنسابية مع أحد. راديكالية بالسياسة والقضاء والمحاسبة. لا مهادنة ولا تسوية ولا مقولة “نسامح ولا ننسى”. الراديكالية مع هكذا نظام راديكالي قمعي، هي لغة الحوار الوحيدة التي يفهمها ويدرك معانيها.

جريمة المرفأ، كما جريمة عكار، مرتبطتان بتداعيات ونتائج الحرب الاهلية في لبنان. السياق القانوني والأخلاقي للجريمتين لا يختلف عن مسار العدالة والمحاسبة على ما إرتكب ابان الحرب الاهلية. من منظاري الخاص، الحرب الاهلية لم تنته بعد – وان توقف صوت المدفع – لان أحداً لم يُحاسب، ولاننا لم نصل إلى أي مصالحة ومصارحة حقيقية، كما حصل في العديد من الدول مثل جنوب افريقيا. من كان يفترض ان يكون في السجون أصبح اليوم حاكماً بأمره ومتربصاً على أنقاض دولة دمروها ثلاث مرات: الحرب الاهلية، الانهيار المالي وتفجير ٤ آب/أغسطس، وهو فاتحة أيام سوداء كان آخرها “الأحد الأسود” في عكار.

إقرأ على موقع 180  لبنان يتبلغ وضع "قانون قيصر" (سيزر) موضع التنفيذ!

لن تكون هناك حقيقة قبل محاسبة كل من كان في موقع المسؤولية، ممن اقترفوا الفظائع والجرائم والسرقات ونهبوا المال العام منذ عام 1975 حتى يومنا هذا. حينها يُدرك الشعب قبل من هم في السلطة ان المنصب الرسمي في أي بلد في العالم هو في خدمة الناس ومن يُقصّر أو يرتشي لن يكون قادراً على الهروب من المحاسبة. حينها نعلم اننا انتقلنا من الغابة الى براعم الوطن.

الراديكالية في المحاسبة.. أساس الملك.

Print Friendly, PDF & Email
هاني عانوتي

باحث، أستاذ جامعي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  النفط السوري... "مغارة علي بابا" والمليارات المهدورة