the Unforgivable.. العزف بأصابع “قاتلة”

يقول غاندي "الضعفاء لا يغفرون، المغفرة للأقوياء". نحن لا نحيا في المدينة الفاضلة، العنف بمختلف أنواعه جزءٌ وافرٌ من حياتنا اليومية في هذا العالم.

تُغادر الواقع وتختلق لنفسك وقتا مستقطعاً من حفلة الجنون ربما “الأممية” وليس اللبنانية وحسب. ملاذك فيلم سينمائي توفره لنا شبكات الترفيه والتسلية على الشبكة العنكبوتية. صار بالإمكان إحضار السينما إلى السرير، بينما كان الأمر في ماضٍ ليس ببعيد يستلزم رحلة وحجز تذكرة وارتداء ثياب ملائمة للخروج وفي أحيان كثيرة شكلت دُور السينما مكاناً حميماً للقاء العُشّاق.

هكذا وقع الإختيار على فيلم the Unforgivable (ذنبٌ لا يُغتفر) على شبكة “نتفلكس”، رغبة مني في تجاوز الأفكار المسبقة التي في ذهني عن هذا النوع من أفلام جرائم القتل الدرامية.

ليست مهمة السينما تغيير العالم ولكن بإمكان الفنون عامة تغيير نظرتنا إلى الحياة.

حين أرغب بأن لا ينتهي هذا الفيلم، وحين يعلق في ذهني مثل أغنية جميلة، فأستعيد مشاهده الواحد تلو الآخر بتأثر بالغ، وحين تحدوني رغبة عارمة في الكتابة عنه.. عندها لا يحتاج الأمر إلى تردد. إنه فيلم جذابٌ بكل معنى الكلمة.

تتمحور فكرة الفيلم الرئيسية حول موضوع الصفح الذي يعتبر في الأديان مهمة إلهية حصرية، يُوكلها الله بعد عظة الأحد إلى الكهنة بعد الإعتراف في الديانة المسيحية، ويذكرها في آياته القرآنية عند المسلمين، وتحديداً في سورة الأعراف والبقرة وآل عمران والنساء والمائدة..

تتصاعد المعالجة الدرامية للفيلم الذي يروي قصة حقيقية، بطريقة بالغة التشويق والسلاسة والرشاقة، وبتدرج مشهدي يبلغ ذروته في آخر الفيلم عند إكتشاف القاتلة الحقيقية “الأخت الصغيرة”، ومشهد العناق الأخير بين الأختين.

يمكن القول أن هذا الفيلم السينمائي للمخرجة نورا فنغرشايدت (الصورة أدناه) بسيط للغاية من ناحية التقنيات المستخدمة كالصورة والصوت ومؤثراتهما، فالموضوع لا يحتمل التثقيل ولا البهرجة. إنه فيلم عاطفي ـ إنساني بإمتياز، وهذا ما يستوجب تناوله كموضوع يستحق الإضاءة عليه.

لم تكن مشاهد the Unforgivable العنفية مفتعلة. لا مفر من بعضها، فنحن لا نعيش في زمن غاندي، وقد نجح المخرج في تكثيف المشاهد الإنسانية المضيئة بالإنفعال.

المغفرة هي رسالة الفيلم الأساسية وتتفرع منها رسائل فرعية تتناول عناوين مثل الذكورية المفرطة؛ الأحكام المسبقة؛ العنصرية؛ نظام السجون؛ الحب؛ رغبة التملك، كما يضعنا أمام أسئلة كثيرة: هل الإنسان خيرٌ مطلقٌ أم شرٌ مطلقٌ؟ ما هو دور الظروف والبيئة في تقرير مصير الفرد وتحديد خياراته ومساراته في الحياة؟ كيف تُحوّل حياة وسنوات السجن القاسية فتاة حنونة رقيقة إلى سيدة قاسية بعدما حمت بإعترافها الملفق أختها الصغرى؟ كيف تحولت هذه الأخت ـ القاتلة الصغيرة وإبنة السنوات الخمس، إلى عازفة بيانو بارعة في كنف أسرة مثقفة؟ كيف للأصابع نفسها التي تضغط على زناد بندقية وتقتل أن تعزف هي نفسها على البيانو بهذه الطريقة الآسرة.

نحن أمام معالجة درامية ولسنا أمام أفلام عنف وجريمة وقتل متسلسل وتحقيقات بوليسية، ما يجعل البعد النفسي ـ الاجتماعي يطغى على ما عداه. وكعادة معظم الأفلام، ثمة مساحة لـ”البطل” أو “البطلة”، وهو الدور الذي لعبته بإتقان الممثلة القديرة ساندرا بولوك الحائزة على جائزة أوسكار أفضل ممثلة عن فيلمها “البعد الآخر” (2009) و”جائزة” أسوأ ممثلة عن فيلمها “كل شيء عن ستيف” (2010)، في سابقة لا نظير لها في تاريخ السينما وبفاصل زمني لا يتعدى الـ 12 شهرا!.

حين غضبت الأخت الكبرى “روث” (ساندرا بولوك)، حطّمت المكان كله من حولها ولم تتوقف إلا حين دمّرته عن بكرة أبيه.. وحين غمرت شقيقتها “كاترين” بالذراعين إياهما، تحولت إلى أم عامرة بالحب والحنان والأداء الإنساني المُبهر.

وبرغم قولها “أنا لا أستسلم” وسأظل أفتش عن أختي الصغيرة، فهي قد استسلمت مرتين ورفعت يديها وانبطحت أرضاً وكبل رجال الشرطة يديها ظلماً.

ماذا تقول قصة الفيلم الذي جرى تصوير مشاهده في كندا؟

روث (ساندرا) هي إبنة رجل منتحر من أم أورثتها أختاً قبل أن تموت. تولت روث العناية بكاثرين بروح الأمهات وحُبهن وغريزتهن الحمائية وعاطفتهن..

وعندما خرجت روث من السجن بعد عشرين عاماً من إعترافها بقتل “الشريف” نتيجة حسن سلوكها وبإطلاق سراح مشروط تعهدت بموجبه بعدم الاقتراب من أختها التي تبنتها عائلة أخرى، تصاعدت المشاهد والمشاعر القاسية. بسرعة قياسية، تدبرت روث عملين بدل الواحد وراحت تبحث عن أختها الصغرى كاثرين، ولكنها سرعان ما إصطدمت بمجتمع لا يرحم ويرفض غفران الجريمة برغم أنها تلقت عقابها على أكمل صورة وأقساها.

الرجل الذكوري يرفض مسامحتها على الرغم من أنه في وضع مماثل لها، زميلها في مصنع توضيب السمك يتودد لها بصدق ثم يشي بها أمام الجميع.

تظل روث بنظر الجميع “قاتلة الشرطي”. لا أحد ينوي منحها فرصة البدء من جديد. الأحكام المجتمعية موجودة والمقصلة جاهزة دائماً لإنزال عقاب من نوع آخر. نعم، مجتمع يغرق برمته في العنف والقسوة ولكنه يرفض المسامحة.

إقرأ على موقع 180  نقاط إجبارية.. في مفاوضات اليوروبوند

إبن الشرطي القتيل يحاول الإنتقام من روث برغم أنه يضاجع زوجة أخيه ويغمره الإثم المجتمعي.

ساندرا بولوك هي البطلة الوحيدة في الفيلم. الآخرون مجرد كومبارس. إمرأة قاسية جداً تشي ملامحها بأن تعابير وجهها قد تحنطت في السجن. وحدها حركتها المتوترة تفضح البعد النفسي الكامن في شخصيتها الهشة والرقيقة. طبيعية في خلق قسوة واضحة. سيدة عنيفة جداً إلى حد خلع أنوثتها أحياناً، فتخالها رجلاً في بعض المشاهد من حيث النظرات واللباس والهيئة وطريقة المشي في خضم مواجهة قدرها المؤطر بالظلم واليتم وقسوة الظروف الإجتماعية. مُجدداً، كانت ساندرا بولوك مُقنعة ومميزة جداً.

يمكن الحديث مطولاً عن أداء بولوك التمثيلي، ولكنني لا أحب صفات التعظيم في سياق الحديث عن شخص موهوب يُقنعك بأن ما هو غير حقيقي، كما لو أنه واقعي وحقيقي فعلاً.

ساندرا تنتمي من حيث الأداء إلى المدرسة السينمائية الأسلوبية الحديثة التي تضم كباراً أمثال توم هانكس ودنزل واشنطن وجودي فوستر وشون بين وغيرهم ممن مزجوا بين المدرستين الكلاسيكية والأسلوبية في الأداء.

لطالما كان مدهشاً الممثل الذي يتقمص دور القاتل، من أين له كل هذا الخيال لإستحضار سمات ومشاعر شخص شرير، فيُقنعنا بإرتكاب ما لم يرتكبه حقيقة. هذا ما قامت به بولوك التي إعتادت الأدوار الكوميدية ببراعة وإتقان مماثلين.

خلاصة الأمر أن الفيلم يجعلك تفكر بأن الأديان اوكلت مهمة الغفران لله ولوكلائه على الأرض، في حين أن البشر لا يغفرون بعد العقاب الذي يلي الذنب.

أول من قدم صياغة عامة للصفح هو الدين وقد تم ذلك بحسب حنا أرندت مع المسيح الناصري وتساءل إذا ما كان بإمكان البشر قادرين على الصفح عما لا يستطيعون معاقبته.

ولكن بعد العقاب الذي يلي الذنب ماذا يوجد غير الصفح في الأفق الإنساني؟

ما أحوجنا اليوم وفي هذه اللحظة الإنسانية التاريخية من الصراعات والحروب والأزمات والأوبئة إلى استلهام روح منعتقة من الحقد والضغينة وصولاً إلى إكتشاف شخصيات تاريخية قادرة على إنتاج تسويات وصياغات إنسانية تعيد لمفهوم الغفران معناه العميق والصادق.

(*)the Unforgivable فيلم ألماني يعرض حالياً على شبكة “نتفلكس”؛ من إخراج وكتابة نورا فنغرشايدت (125 دقيقة)، لا بأس بمشاهدته.

Print Friendly, PDF & Email
أغنار عواضة

كاتبة وشاعرة لبنانية

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  ظل أوباما يلاحق بايدن.. الفوز بولاية ثالثة!