اللبنانيون، بنِعالهم، إلى خرابهم الوطني.. الكبير!

لا يُشبه هذا الخميس الغاضب إلا أصحابه. تجهمٌ مكشوفٌ بحسابات سياسية، مُضمَرة ومُعلنة.. أما "الغلابى"، فلا سند لهم إلا بيوتهم وعائلاتهم.. وللأسف، شاشات صغيرة أو كبيرة وغضب مكبوت لا يعلم إلا الله متى ينفجر وفي أي إتجاه وماذا ستكون تداعياته.

عندما تألفت حكومة نجيب ميقاتي، كان مُقدّراً للدولار أن يستقر عند عتبة الـ12 ألف ليرة لبنانية. تجاوز في الساعات الماضية عتبة الثلاثة وثلاثين ألف ليرة. جنون إحتاج إلى أقل من أربعة شهور. طوال “عهد حسان دياب” (حكومته) الذي دام 18 شهراً، قفز الدولار من ثلاثة آلاف ليرة تقريباً إلى خمسة عشر ألفاً. كانت مُشكلة دياب بشخصه إلى حد كبير. إفتقاده إلى الدعم العربي والدولي. إفتقاده إلى الحماية السياسية الداخلية، بإستثناء تلك المتأتية من حزب الله والتيار الوطني الحر. بالمقابل، إستبشر اللبنانيون خيراً بنجيب ميقاتي؛ من يودّهُ ومن يبغضهُ. قيل إنه “فرصة”. مظلة دولية ولبنانية قد تستدرج ظلال حماية عربية لاحقاً.

إنقضى مائة وخمسة وعشرون يوماً على ولادة الحكومة الميقاتية. يُسجل لرئيسها أنه حقّق أكثر مما كان مُنتظراً منه دولياً. من الأليزيه بسجادته الحمراء إلى رمال شرم الشيخ الذهبية، وبينهما مشاركة إستثنائية بقمة غلاسكو المناخية. لقاءات بالجملة مع قادة دول وحكومات وصناديق ومؤسسات إستثمارية. زيارات بالمفرق إلى الفاتيكان والعراق والأردن ومصر وقطر. أردوغان ينتظره قريباً على أحر من الجمر، ولا بأس بمحطة برلينية، الشهر المقبل، برفقة اللواء عباس إبراهيم، للتعرُف على المستشار الألماني الجديد أولاف شولتس. الأهم، فوزه بدقيقتي تخابر ألماسيتين مع محمد بن سلمان عبر تلفون إيمانويل ماكرون. زدْ على ذلك قنواته المفتوحة مع الأميركيين بواسطة سفيرتهم ومع أكثر من مسؤول معني بملف لبنان.

مائة كلمة كفيلة بإختصار سيرة الحكومة، دولياً وإقليمياً. يكفيها فخراً أنها أدّبت جورج قرداحي وجعلته مثلاً لباقي الوزراء. تأديب لا يزيد من قيمة لبنان، بل يُضيّق هوامش حريته وليبراليته التي كانت جعلته صحيفة العرب وجامعتهم ومستشفاهم ومصرفهم وحاضنتهم ومختبرهم السياسي ومنبرهم، بمعزل عمن يتسيّد هذا البلد في التاريخين البعيد أو القريب.

مائة كلمة كفيلة بالإستنتاج أن ملاءة الحكومة الدولية ما زالت مقيمة، لا بل حريرية الملمس وناصعة البياض “متل التلج”، ولكن ما هكذا فقط تُدار الأوطان والبلدان، فكيف الحري بلبنان وما أدراك ما لبنان؟

ماذا عن الفقراء أولئك الذين يحرسون قصور الدولة وأسوارها ومنازل مسؤوليها؟ ماذا بقي من رواتبهم. كيف يأكلون ويشربون وما هي الحكايات التي يروونها لعائلاتهم عن أحوالهم وأهوالهم. أحوال الجيش، قوى الأمن، الأمن العام وأمن الدولة. مؤسسات تتفكك وتذوي. موظفون يبكون بصمت. تعويضاتهم مُهددة ولو صُرفت كلها الآن، ماذا تساوي؟

هو الداخل أولاً وأخيراً. الداخل يعني بيتك اللبناني. الداخل يعني الناس. والناس أجناس. الأغنياء لا خوف عليهم ولكن ماذا عن الفقراء أولئك الذين يحرسون قصور الدولة وأسوارها ومنازل مسؤوليها؟ ماذا بقي من رواتبهم. كيف يأكلون ويشربون وما هي الحكايات التي يروونها لعائلاتهم عن أحوالهم وأهوالهم. أحوال الجيش، قوى الأمن، الأمن العام وأمن الدولة. مؤسسات تتفكك وتذوي. موظفون يبكون بصمت. تعويضاتهم مُهددة ولو صُرفت كلها الآن، ماذا تساوي؟ لنفترض أن أكبر موظف في الدولة براتب من عشرة ملايين، إذا نال مائتي مليون أو أكثر ماذا تساوي؟ خمسة أو عشرة آلاف دولار؟ ماذا عن صغار الموظفين ممن يقبضون مليون ليرة وكل تعويضاتهم باتت تساوي ألف دولار؟ ماذا عن الموظفين والعسكريين الذين يتسولون الدواء والإستشفاء؟

ما هكذا تُدار الأزمة. نعم، قال حسان دياب في يوم من الأيام إن حكومته أنجزت 97% من إلتزاماتها “في أول مائة يوم”. لم نُصدّق ما كان يُردّد الرجل على مسامعنا. بالأمس تحديداً، قال رئيس الحكومة، غداة إنتهاء أول مائة يوم “إننا على مشارف إنجاز المهمات الأساسية التي نعمل لتحقيقها”. كلمات لا يمكن أن تمر مروراً عابراً. بماذا وعدت هذه الحكومة ورئيسها: بدولار يستقر عند عتبة قريبة من العشرة آلاف ليرة. توقيع إتفاق مع صندوق النقد قبل نهاية السنة. زيادة التغذية بالتيار الكهربائي إلى 12 ساعة يومياً قبل رأس السنة. إنجاز البطاقة التمويلية. إنجاز مشروع قانون موازنة العام 2022 وإجراء الإنتخابات النيابية في موعدها (لندع موضوع ترسيم الحدود جانباً).

لنحتكم إلى محكمة الرأي العام: ماذا نُفّذَ من هذه كلها؟ الجواب لا شيء أبداً؛ حتى الإنتخابات النيابية باتت في مهب الأسئلة الكبرى ولعبة الشارع المفتوحة على مصراعيها، أمناً وإجتماعاً.. ولو قُيّض لمعظم المقررين والمؤثرين لبنانياً، لقرروا تطييرها من الآن. هي مُرجحةٌ فقط بفضل سيف عقوبات دولية سيكون مصلتاً على رقاب نواب الأمة. من يرفع يده أو يتفوه بالتمديد سيكون له ما يريد!

تحدث رئيس الحكومة للزميل منير الربيع في “المدن” عن “إنهيار مسطح” حالياً أفضل من “الإنهيار السحيق”. قال له “حتماً، بلا حكومة، كان من الممكن أن يكون الوضع أسوأ بكثير”.

أولاً؛ ليس صحيحاً أن الإنهيار بات مضبوطاً أو مُسطحاً، بدليل ما يصيب عملتنا المشكوك بوطنيتها من خسارات موجعة وقياسية. ما نشهده من فلتان أسعار وفقدان كل رقابة ومسؤولية. الدواء. المحروقات. الخبز (على سيرة اللقمة، هل يعلم أهل الدولة أن عائلات لبنانية فقيرة تُنوّع وجباتها يومياً بين رغيف مع زيت زيتون إن توفّر أو رغيف مخلوط بسكر وماء أو رغيف مجبول برب البندورة والملح؟).

إقرأ على موقع 180  "أحجية" المتوسط.. هل تعطّل اليونان طموحات أردوغان؟

لا أوهام أن قراراً بحجم إقالة حاكم مصرف لبنان المركزي يُمكن أن يكون محلياً، طالما هناك غطاء دولي قائم.. وراسخ. واشنطن لا تتحمل يوماً واحداً أن يكون قرار المصرف بيد شيعي هو النائب الأول. الأفدح أنها لن تقبل بـ”برتقالي” أو محسوب على “البرتقاليين” على رأس الهرم النقدي في لبنان. لكن هل يعقل أنه منذ سنتين (أول وفد زار لبنان في شباط/فبراير 2020 فور نيل حكومة دياب الثقة النيابية)، تأتي وفود صندوق النقد وتذهب ولا تجد إتفاقاً بين اللبنانيين على رقم موحد لخسائرهم وكيفية إحتسابها أو توزيعها؟ هل فوضى التعاميم والصياغات النقدية والمالية تستحق كل هذه الإحاطة والحماية وإنتفاء المساءلة؟ هل بات السؤال مثلاً كيف لحاكم مصرف لبنان أن يتحكم بمصير الحكومة وكل الطبقة السياسية وكيف يضحي هذا أو ذاك منهم بمستقبله السياسي لأجل تغطية “وضع غير سليم”، بألطف التعبيرات وأكثرها دبلوماسية؟

أخطر ما نشهده أن هناك من يريد أن يقارب وضعاً تاريخياً إستثنائياً بمقاربات أقل من عادية وبأدوات مستهلكة لن تأخذنا إلا من سيء إلى أسوأ.. إتركوا الآلات الحاسبة جانباً ومعها كيفية شراء أصوات وذمم الفقراء. ليس بالحاجة والعوز ولا بالعصبيات تبنى الأوطان

ثانياً؛ إذا كانت “الحكومة ممنوعة من السقوط ورئيسها ممنوع من التراجع”، فلتبادر الحكومة إلى الإجتماع اليوم وليس غداً وليتحمل الجميع مسؤولياتهم من دون إستثناء. إذا كان رئيس الحكومة ممنوعاً من التراجع ـ كما يُردّد هو ـ فليبادر إلى الإقتحام وتسمية الأمور بأسمائها. إذا كان الوضع “سيكون أسوأ بكثير من الآن بلا حكومة”، فماذا يمكن أن نسمي وضعنا الحالي؟

ليس بالهدوء ولا بالتماسك فقط تعالج الأزمات الوطنية، بل بالصخب المنتج والحماسة الذكية والإندفاع الهادف والإستعداد للتضحيات المحسوبة جيداً. هذا الهدوء الذي يشبه اللامبالاة يأخذنا فقط إلى الموت السريري مقدمة للموت المحتم.

يقودنا ذلك إلى الآتي: الليرة ستبقى بلا سقف. الشارع سينفجر حتماً وإنفجاره سيكون أكثر من عنف وفوضى وحتماً بلا ضوابط من أي نوع كان.. لا أفق للإتفاق مع صندوق النقد قبل الإنتخابات. لا بطاقة تمويلية بعد سنتين ونيف من عمر أزمتنا. لا موازنة إصلاحية جدية وجذرية ومتقشفة حتى الآن. سننتقل من إنهيار مؤسسة القضاء والمجلس الدستوري وتعطيل السلطتين التشريعية والتنفيذية إلى فراغ تشريعي مفتوح على تطيير الإنتخابات وإستحالة التمديد للمجلس الحالي، يليه فراغ رئاسي، فيصبح البلد كله أسير الفراغ والفوضى من جهة ومؤسسات عسكرية وأمنية عاجزة عن إقناع ضباطها وجنودها بالوقوف في مواجهة غضب الشارع من جهة ثانية.. هل هذا هو المطلوب وصول لبنان إليه، دولياً وإقليمياً ولبنانياً؟ هل يجب أن نذهب إلى طائفنا الجديد عراة وبعورة مكشوفة؟ وماذا يفيد لو أن الحكومة ظلت تُصرّف الأعمال وسط هذا الخراب الوطني الكبير؟ وهل علينا أن نكون شهوداً نُسبّح مُجدداً بحمدِ من سيجلسون مجدداً حول طاولة الجمهورية الجديدة، وهم يُرتلون تعويذة العقد الإجتماعي الجديد؟

أخطر ما نشهده أن هناك من يريد أن يقارب وضعاً تاريخياً إستثنائياً بمقاربات أقل من عادية وبأدوات مستهلكة لن تأخذنا إلا من سيء إلى أسوأ.. إتركوا الآلات الحاسبة جانباً ومعها كيفية شراء أصوات وذمم الفقراء. ليس بالحاجة والعوز ولا بالعصبيات تبنى الأوطان.. للبحث صلة.

Print Friendly, PDF & Email
حسين أيوب

صحافي لبناني

Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  "أحجية" المتوسط.. هل تعطّل اليونان طموحات أردوغان؟