يومُ موتك يا ريان أطول من دهر.. ماذا بعد؟

دقائق سريعة مرّت كلمح البصر بين لحظة ظهور فريق الإنقاذ وهو يُخرج ريان من عمق الأرض، وبين لحظة بث بيان نعي رسمي صادر عن الديوان الملكي بالرباط يؤكد الوفاة.

دقائق خطفت دموع الفرح والابتهاج من مجراها لتصب في بحور هائجة من الحزن الجماعي وخيبة الأمل العريضة ولتنسل خيوط الأمل من بين الأصابع والأيادي، التي تكاد لا تصدق كيف أنها قبيل دقائق فقط صفقت بحماسة بالغة بالنصر لكومندو الإنقاذ الشجاع.

لم تستطع الفرحة التي غمرت الدنيا بأكملها أن تستمر في إيقافها للزمن، فارضة على سفينته الأسطورية العملاقة الرسو بأرصفة موانئ السعادة الإنسانية التي شيّدتها. فلم يتم انتشال الطفل الصغير حيّاً يتنفس من البئر العميقة التي سقط فيها وظل مقهوراً داخلها لخمسة أيام.

 توفي الصبي ريان ولم تقع المعجزة المنتظرة. لكن المدة الجامعة بين يوم الثلاثاء 2 فبراير/شباط 2022، ويوم السبت 5 من الشهر نفسه، كانت أطول وأكبر من حسابها بالثواني والدقائق والساعات والنهارات والليالي والأيام. أوقات صعبة، هي أطول من الوقت ومن الأيام، أيام عادت بالأيام إلى الأصل الأول للزمن الجيولوجي. لعل الأقرب إلى وصف ما جرى، نقتسبه من عنوان رواية للأديب القيرغيزي (السوفييتي) جنكيز ايتماتوف: “ويطول اليوم أكثر من قرن“، أو “يوم أطول من الدهر“، كما ظهرت في ترجمتها إلى العربية. وصغيرنا ريان هلكه الدهر، “وَقالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَياتُنا الدُّنْيا نَموتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدهر” (القرآن الكريم).

***

حتى النهاية، وفي سباق مع الزمن وضد الساعة، ظل العالم مؤمناً بحدوث معجزة، متمسكاً بالأمل الآتي من قرية إغران الجبلية في إقليم “شفشاون”، شمال المغرب (على ارتفاع ما يزيد عن 700 متر فوق مستوى سطح البحر)، يترقب بجميع لغات الدنيا وفي مختلف بقاعها عبر القارات، بواسطة أجهزة الإعلام ووسائل الاتصال بالانترنت، وصول خبر سعيد: إنقاذ طفل صغير يبلغ خمس سنوات من عمره، اسمه الكامل ريان أورام. سقط في بئر ضيقة وسحيقة عمقها 32 متراً. لكن سيارة الإسعاف الطبي المجهزة بأحدث وسائل الإنعاش، بمجرد أن ضغط سائقها المستعجل بقدمه على دواس السرعة، حتى تحوّلت مركبته إلى سيارة لنقل الموتى. ريان مات وأصبح جثة هامدة. جثة تم انتشالها من حفرة سحيقة لتتم عملية إقبارها في حفرة أخرى.

موت ريان لم يكن مفاجئاً للبعض، ممن طرحوا أسئلة وتساؤلات من قبيل: كيف بإمكان طفل صغير تحمل ظروف البقاء طويلاً في قعر سحيق من الظلمة والبرد مع العطش والجوع والرهبة والخوف، كيف تكون أضلاعه وعظامه بعد أن هوى صوب مسافة 32 متراً إلى التحت؟

الطبقات الصخرية للمنطقة الشمالية في المغرب كان لها قرارها، لما واجهت رجال الإنقاذ بشراسة وأبطأت مهمتهم في حفر النفق الأفقي الموصل لقعر البئر حيث وقع ريان. ولم تستسلم الصخور القاسية مساندة بهشاشة التربة الرملية، ولأن كومندو الإنقاذ كان يتجنب وقوع انهيار أرضي، فقد لجأ للحفر في البداية بطريقة تقليدية، قبل استعمال الآليات، مما فرض عليه البطء الشديد في عمله الذي استغرق خمسة أيام كاملة.

***

موت ريان لم يكن مفاجئاً للبعض، ممن طرحوا أسئلة من قبيل: كيف بإمكان طفل صغير تحمل ظروف البقاء طويلاً في قعر سحيق من الظلمة والبرد مع العطش والجوع والرهبة والخوف، كيف تكون أضلاعه وعظامه بعد أن هوى مسافة 32 متراً إلى التحت؟

الكاميرا أظهرت لنا ريان حيّاً داخل محبسه، ما زرع في النفوس الأمل. إلا أنه في صباح يوم السبت أخبر مسؤول فريق الإنقاذ أن ريان كما شوهد بالكاميرا يظهر من الخلف وهو ملقى على جانبه. ثم تابع أنه من المستحيل تحديد هل ريان ما يزال على قيد الحياة. وأضاف أن ليس أمامنا سوى التمسك بالآمال الكبيرة في إخراجه حيّاً، خصوصاً وقد تم إرسال أنبوب الأوكسجين مع الماء، إذ أن البئر جافة من دون مياه. لكن لم يصدر أي تأكيد أن ريان استطاع استخدامها.

وتابع الناس في جميع أنحاء العالم الجهود الدؤوبة التي بذلها رجال الإنقاذ، وحركت هذه المأساة موجة عالمية قوية من التعاطف الإنساني، لعل أبرزها التضامن الذي وصل من الأقطار العربية والإسلامية، خاصة من الجارة الجزائر. حيث تم إخماد نزعة الكراهية التي يوقظ جمراتها كتائب إلكترونية مُسَخّرة من الجهتين. ومن فلسطين ولبنان واليمن والعراق، بل من مخيمات اللجوء السوري، حيث انتشرت صورة طفل سوري بمخيم الزعتري يحمل ورقة بين يديه الصغيرتين كتب عليها “أنقذوا ريان”.

***

بعد خيبة الأمل الكبيرة في إنقاذ ريان، ارتفعت الانتقادات والسخط ضد المسؤولين، منها من يحمل مسؤولية ضياع طفل قرية “إغران” إلى الخطة التي سلكها فريق الإنقاذ، إذ كانت حياة ريان رهينة السرعة والتسريع بالوصول إليه لا إلى جثته الصغيرة. وكانت قنوات تلفزيونية عديدة عطلت كل برامجها لتفتح البث الهوائي المباشر من مكان الحادث على مدى ساعات متواصلة، مثل “الجزيرة” القطرية و”العربية” السعودية. وشاهد العالم لحظة تقدم والدي ريان صوب باب النفق. كان واضحاً أن الخبر المشؤوم وصلهما، تشي بذلك ملامحهما الخالية من أي تعبير إيجابي، والارتباك البادي عليهما، والصمت المطبق لكليهما، وتطلع الأم بعينين تائهتين صوب سماء ليلية غير مقمرة. وتساءل آخرون أن ما حصل لم يكن إخراج الطفل ريان، بل كان بمثابة إخراج فني لسيناريو قُدّمَ لاحتواء حشد المتحلقين حول مكان عملية الإنقاذ، وكانوا بالآلاف أتوا من المنطقة ومن جهات أخرى بالمغرب، ولم يتوقفوا عن الدعاء والتهليل، ومع اقتراب النتيجة شرعوا في ترديد التلبية (لبيك اللهم لبيك)، قبل أن يهتفوا بحياة ريان: “يعيش.. يعيش ريان”.

إقرأ على موقع 180  يا غبطة البطريرك.. من أين نأتي بأقطاب شهابيين؟

 لكن ريان اختار له القدر موتاً لا يشبه الموت. هو حياة مستمرة في الحياة. علمت الناس والشعوب معنى التضامن والتآزر، ومعنى الإنسانية، ومعنى واجب حماية الطفولة، ومعنى ثمن الحفاظ على النفس البشرية.

ريان الصغير الذي وُري الثرى اليوم (الإثنين) يطرح علينا جميعاً سؤالاً كبيراً: ماذا بعد رحيلي بهذه الطريقة؟ ماذا أنتم فاعلون يا بني البشر؟

Print Friendly, PDF & Email
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  "العوض بسلامتكم" أو خطاب العجز السياسي المُريع