ما بعد وصول مجتبى.. هل ترفع طهران الحُرم عن القنبلة النووية؟   

في غضون أيام قليلة، تحولت المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران إلى أزمة إقليمية متعددة الأبعاد، وتوسعت رقعة القتال جغرافياً لتشمل مساحات لم تكن في الحسبان، وتحولت أهداف الحرب من عسكرية صرفة إلى اقتصادية ومدنية، فيما برز شبح نووي يُلقي بظلاله الثقيلة على المنطقة والعالم. في هذا المقال نرصد كيف تطورت طبيعة هذه الحرب وأبعادها، ولماذا يعتبرها معظم المحللين أخطر صراع يشهده الشرق الأوسط منذ حرب العام 1973.

حين أطلقت إسرائيل ضرباتها الأولى على مقر المرشد الإيراني علي خامنئي وعشرات القيادات الإيرانية، بناء على إحداثيات ومعلومات استخبارية أميركية، كان الافتراض السائد في أروقة البيت الأبيض أن إبادة القيادة ستودي إلى انفراط عقدها وبالتالي تهاوي النظام وفي أقصى الأحوال ستبقى ساحة المعركة محصورة في نطاق جغرافي يمكن التحكم فيه، وضمن نطاق زمني لا يتعدى الأيام القليلة، لكن الحرب، كعادتها عبر التاريخ، ترفض أن تبقى داخل الإطار الذي يرسمه لها مهندسوها.

خلال أيام قليلة توسعت رقعة الصراع لتشمل مساحات لم تكن في حسابات أحد. مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو عشرين بالمئة من إمدادات النفط العالمية، تحوّل إلى ساحة مواجهة يومية بين الحرس الثوري الإيراني والأسطول الأميركي. البحر الأحمر، الذي لم يتعافَ بعد من أزمة الحوثيين، مؤهل لأن يشتعل من جديد. والأخطر من ذلك كله أن قواعد عسكرية في قبرص والأردن والعراق ودول خليجية بدأت تُذكر في البيانات العسكرية الإيرانية كـ”أهداف مشروعة”، ما وضع دولاً بأكملها على حافة الانجرار إلى حرب لا تريدها.

ويقول محللون في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن إن ما يحدث يمثل “أول حرب شرق أوسطية حقيقية منذ عام 1973″، بمعنى أنها تتجاوز حدود دولتين لتُعيد رسم خريطة الأمن الإقليمي بأكملها. وهذا التوصيف، برغم ما فيه من مبالغة أكاديمية، يلتقط جوهر ما يحدث، فالحرب تجاوزت المتحاربين نحو تفكيك نظام إقليمي من جهة وإعادة تشكيله تحت وطأة القنابل والصواريخ والمسيرات من جهة ثانية.

وما يجعل هذا التوسع الجغرافي مختلفاً عن حروب سابقة هو أن واشنطن وتل أبيب أرادتا للحرب أن تكون ضمن حيز جغرافي محدد، لكن الإيرانيين استعدوا لهذه اللحظة منذ ربع قرن من الزمن، فكان توسيع رقعة الجغرافيا مقدمة لخوض حرب استنزاف، ستبقى خواتيمها مرهونة بعوامل ميدانية واقتصادية وسياسية متداخلة.

الحرب الاقتصادية

لم يكد ينتهي الأسبوع الأول حتى بدأ طابع الحرب العسكرية والأمنية يتراجع لمصلحة حرب إقتصادية بكل معنى الكلمة. الأميركيون والإسرائيليون يُركّزون على البنية التحتية الاقتصادية: المصافي النفطية الإيرانية، الموانئ التجارية، محطات الكهرباء وتحلية المياه، كلها باتت تظهر على قوائم الأهداف. في المقابل لم تتردد إيران في تهديد ناقلات النفط في مضيق هرمز وجعل حربها نفطية وتجارية ولا سيما في جوارها الخليجي. هذا التحول ليس تفصيلاً عسكرياً ثانوياً، إنه تغيير جوهري في طبيعة الحرب نفسها.

الدولة تستطيع أن تتحمل تدمير ثكنة عسكرية أو حتى سرب طائرات، فالجيوش تُبنى لتُدمَّر ويُعاد بناؤها. لكن حين يُستهدف الاقتصاد فإن الألم ينتقل مباشرة إلى المواطن العادي، انقطاع الكهرباء والمياه، ارتفاع الأسعار، انهيار العملة، التضخم، اقفال المصانع، هجرة الشركات والرساميل، تراجع النمو إلخ.. هذا النوع من الألم لا تتحمله الحكومات بسهولة، لأنه يُولّد ضغطاً شعبياً يُهدّد الاستقرار، فكيف إذا تجاوز سعر برميل النفط في الساعات الأولى من تداولات الأسبوع الثاني للحرب سقف الـ111 دولاراً؟

مؤسسة “راند”، مركز الأبحاث الأميركي الأقرب إلى البنتاغون، كانت قد وضعت قبل سنوات سيناريوهات لحرب مع إيران، وأشارت بوضوح إلى أن “الاستهداف الاقتصادي هو السلاح الأميركي الأكثر فعالية لإجبار إيران على القبول بوقف إطلاق النار”. لكن المؤسسة نفسها حذّرت من أن هذه الاستراتيجية “سلاح ذو حدّين”، لأنها تُحوّل الحرب من مواجهة بين جيشين إلى حرب على شعب بأكمله، وهذا يُولّد مقاومة أشد لا استسلاماً أسرع.

التاريخ يُثبت ذلك. القصف الاستراتيجي لألمانيا في الحرب العالمية الثانية لم يكسر إرادة الشعب الألماني حتى اللحظة الأخيرة. وحصار العراق لثلاثة عشر عاماً لم يُسقط نظام صدام حسين، بل أسقطه الغزو البري. والعقوبات على إيران منذ عقود لم تُغيّر سلوك النظام جوهرياً، بل دفعته إلى بناء “اقتصاد مقاوم” يعتمد على التجارة الموازية مع الصين وروسيا والعديد من دول العالم.

السؤال الذي يجب أن يُطرح هنا ليس ما إذا كان الاستهداف الاقتصادي سيُضعف إيران، فهو بالتأكيد سيفعل، بل إلى أي مدى يمكن أن تتحمل إيران هذا الضعف قبل أن تلجأ إلى خيارات يائسة. وفي المقابل، لا أوهام لدى الإيرانيين بأنه ليس بمقدورهم هزيمة الولايات المتحدة وإسرائيل عسكرياً، لكن يمكن جعل الأولى تُسرّع بوضع حد للحرب إذا كان الوجع الاقتصادي غير قابل للتحمل.

الشبح النووي

ثمة ملف يُشبه الفيل الجالس في غرفة الجلوس، الجميع يراه، لكن لا أحد يريد الإشارة إليه بوضوح. الملف النووي الإيراني ليس مجرد بُعد إضافي في هذه الحرب، إنه الذريعة الأساسية لوجودها، والعامل الذي قد يُحدد نهايتها بطريقة لا يريدها أحد.

قبل بدء المواجهة العسكرية كانت إيران قد وصلت إلى مستويات تخصيب غير مسبوقة، حيث أشارت تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن طهران تملك ما يكفي من اليورانيوم المخصّب بنسبة ستين بالمائة لصنع عدة قنابل نووية إذا قررت رفع التخصيب إلى تسعين بالمئة. الفارق بين “القدرة” و”القرار” كان ضيقاً، لكنه كان موجوداً. السؤال الآن، هل أدت هذه الحرب إلى توسيع هذا الفارق أم إلى إلغائه؟

إقرأ على موقع 180  "الشيخ بهاء".. قابيل آل الحريري!

المفارقة اللافتة للانتباه أن استهداف المنشآت النووية الإيرانية لمنع إيران من امتلاك القنبلة، ربما يُعزّز القناعة لدى القيادة الإيرانية الجديدة ممثلة بالمرشد الجديد السيد مجتبى خامنئي بأن السلاح النووي هو الضمانة الأصلب لبقاء النظام.

هذا ليس تحليلاً نظرياً. إنّه درسٌ تعلّمته إيران من خلال مراقبة ما حدث لأنظمة أخرى تخلّت عن برامجها النووية. ليبيا تخلّت عن برنامجها النووي عام 2003 تحت ضغط غربي، ومُنح معمر القذافي وعوداً بالتطبيع والاندماج في المجتمع الدولي. بعد ثماني سنوات كان القذافي يُسحل في شوارع سرت على يد ثوار مدعومين من حلف “الناتو” نفسه الذي وعده بالأمان. العراق أيضاً أُثبت أنه لا يملك أسلحة دمار شامل، ومع ذلك غُزي ودُمّر. كوريا الشمالية، في المقابل، امتلكت السلاح النووي، ولم يجرؤ أحد على مهاجمتها. الدرس واضح وبارد كشفرة سكين، في نظام دولي لا تحمي فيه المعاهدات أحداً.

في الخلاصة، لا حرب الـ12 يوماً في العام 2025 ولا الحرب الحالية أدت إلى تدمير قدرات إيران النووية الإيرانية، فالمنشآت الأكثر حساسية دُفنت تحت مئات الأمتار من الصخور الجبلية في مواقع مثل فوردو، بعيداً عن متناول الذخائر التقليدية.. والأهم من ذلك أن آلاف العلماء الإيرانيين باتوا يمتلكون المعرفة النووية وهذا رأسمال كبير للنظام إذا صمد وخطر كبير على الإسرائيليين والأميركيين إذا سقط.

وثمة مفارقة أخيرة أن الحرب الجارية الآن، والتي كان من المفترض أن تُنهي التهديد النووي الإيراني، كما حرب الـ12 يوماً، قد تكون هي بالذات ما يدفع طهران إلى اتخاذ قرار القنبلة النووية. فكل غارة تُدمّر منشأة عسكرية إيرانية تُعزز الحجة لدى الجناح المتشدد في النظام بأن الردع التقليدي فشل، وأن الخيار النووي هو خط الدفاع الأخير. وهكذا تجد إسرائيل وأميركا نفسيهما في سباق مع الزمن، هل تسعيان إلى تدمير القدرات النووية الإيرانية بالكامل قبل أن تُقرر إيران أن اللحظة قد حانت لعبور العتبة النووية نهائياً؟ هذا السؤال، أكثر من أي سؤال آخر، هو ما سيُحدد مسار الأسابيع المقبلة.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  الشرق الأوسط بين إنسحاب أمريكا.. وإنكفاء أوروبا!