صديقي ومعلمي، صباح الخير، لم أنتظر انتصاف النهار. بل وفكرت أن اتصل بك قرب الفجر. ما زلت تعرفني ربما أكثر مما أعرف نفسي. تعرف عني أني لا أنام نوماً هادئاً ورأسي معبأ بحكايات أياً كان نوعها ولونها.

نصحتني ذات فجر أن استدعي كراستي وأكتب بعض ما يملأ هذه الرأس، أنقله إلى الورق فتتفرغ الرأس للنوم. تطلب مني أن أكتب. جرّبت واكتشفت حتى تأكدت من أن الكتابة ليست طيعة كالحديث المباشر. أظن أنني بعد تجارب متعددة صرت أعرف أن استنطاقي هو السبيل الوحيد لتفريغ ما اختزن رأسي. الورق والقلم كانا وللحق كريمين معي إلى أقصى حد، ولكنهما فشلا في أن يروضا دماغاً عنيدة. أخفقا في أن يجلبا النوم إلى امرأة هي في الأصل دائمة القلق، فما بالك وقد تركت أذنيها تلتقطان كل ما عرض عليهما التقاطه من دردشات تحكي بصوت عال، أو من تسريبات تهمس، عن مسائل تشغل العقول أو القلوب.

نعم. لم أعمل بنصيحة بعض من يدعون الحكمة، أو هم فعلا من الحكماء. نصحوني أن أمنع أذنيّ عن التقاط الحكايات التي تحكى في وجودي. لهؤلاء قلت إن نصيحتهم قد تنفع بعض كبار السن من الذين ساهمت الطبيعة في خفض قدراتهم السمعية. لم يعد السمع عندهم حاسة مرهفة. ولكنها نصيحة لا تفيد مع من كان مثلي سمعه حاد وبصره نافذ. أنت تعرف عني أنه لا تفوت سمعي همسة من فم ولا تفوت بصري لمسة من يد أو غمزة من عين. كنت أفخر بهاتين القدرتين مع قدرات أخرى تعرف أكثرها وبعضها كنت تشجعني على تنميته بل وإبرازه. تذكر كم ترددت في الأخذ بهذا التشجيع بسبب عقدة الخجل التي لازمت مرحلة هامة من مراحل نموي العاطفي والجسدي، والعقلي أيضا. هذه العقدة تخففت شيئاً ما وما بقي منها عصياً على الحل ما زال يمارس رذيلته الأكبر، ما زال يطرد الفرص ويمنعها من اختراق حدود دوائري. أفقد كعادتي كل فرصة تلوح من على البعد، أفقدها قبل أن تصل ولا ألوم إلا نفسي. ألم أقل لك خلال دردشة جرت بيننا أنني أحياناً أخجل من كم الحكايات والمعلومات التي صارت تختزن في ذاكرتي. أخجل وكأن عيناي تكشفان عن حجم ما التقطه البصر والسمع. عشت أخاف أن يقرأ الناس على وجهي ولو القليل من كثير جداً أعرفه عنهم. أعرفه مما أسمعه منهم وأراه وما أعرفه من آخرين تهامسوا به، وكذلك ما عرفته نتيجة إعادة تدوير كل هذه المعلومات داخل الآلة الهائلة المقيمة في رأسي لتخرج منها حكايات وروايات جديدة يتدخل في صنعها خيال لا يهدأ ولا يقنع.

***

بالأمس كنت مدعوة إلى سهرة ضمن مجموعة من الصديقات والأصدقاء أغلبهم أزواج، أقصد رجل وزوجته أو خطيب وخطيبته أو امرأة وصديقها. كانت فرصة نادرة لاختبر مرة أخرى فراستي في الرجال وفي النساء أيضاً. كانت أيضاً فرصة لتجديد معلوماتي عن التغير إن وجد في السلوك الاجتماعي للأفراد من طبقة معينة. قضيت معظم ساعات الضيافة متنقلة من مائدة إلى أخرى، أفادني التنقل في طرد الملل وزيادة الفرص المتاحة للتعرف على أشخاص جدد أو لتجديد معرفة قديمة.

يهمسون في أذن المرأة المنفردة وهي عند البوفيه تجدد الطعام في صحنها، صرت أيضاً خبيرة في النظرات الخاطفة من الرجال حتى وإن بذلوا الجهد لتكون غمزاتهم مصحوبة بدقة كافية فلا تنكشف أو تتسبب في مشكلة لزوج مع زوجته عند عودتهما إلى منزلهما

جئت إلى الحفل بدون رجل. أرسلوا لي مع بطاقة باسمي بطاقة دعوة لرجل يأتي معي. سمحوا لي أن أكتب بقلمي اسم الرجل إن عثرت على واحد. فهمت من حديث مع المضيفة على الهاتف قبل أسبوع أنهم حريصون على أن أحضر وبصحبتي رجل لزوم الشياكة. تساءلت يومها ساخرة “منذ متى كان الرجل ضرورة مظهر ولياقة”؟. ضحكت صديقتي وقالت “لا أخفي عنك أن المائدة جرى ترتيب الجلوس عليها على أساس أن العدد الكلي لا بد أن يكون زوجياً. تخيلي منظر المائدة وعند أحد طرفيها أو في وسطها مقعد شاغر. بالله عليك ماذا أقول للضيوف. غداً ستنحدر إلى الحضيض سيرتي كمضيفة. غداً وفي الأيام التالية سوف أكون الموضوع الرئيس في أحاديث المدينة”.

***

صديقي العزيز،

معنى كلامها أنني كان يجب أن أبحث عن شريك من بين الرجال لوظيفة بعينها هي أن يصحبني في بعض خروجاتي وليس في كلها. أظن أنه لا مانع لدى الناس، وبخاصة المضيفين المتزمتين في أصول الضيافة، أن يكون لي في كل مناسبة شريك يرافقني حتى لا يختل التوازن الجندري بين المدعوين.

في ذهن المضيفة أيضاً ولا شك وظيفة أخرى لمرافقي أو صاحبي وهي دوره في التخفيف من تركيز الرجال ومنهم زوج المضيفة على شخصي الضعيف، فالمرأة المنفردة قد تصبح مصدر إزعاج وسبب لقلق المضيفة والمدعوات.

إقرأ على موقع 180  الزعامة العربية.. بورقيبة تونس نموذجاً 

شعرت خلال الحفل بأهمية هذه الوظيفة وهي في الدافع وظيفة بوجهين، فمن ناحية فإن وجود شريك أو صاحب يرافقني يحميني أنا نفسي من تركيز اهتمام بعض أو كل المدعوين من الرجال. بحكم العادة وإصراري على الذهاب إلى المناسبات منفردة صرت خبيرة في الإنصات إلى همسات الرجال أو التنصت عليها. يهمسون في أذن المرأة المنفردة وهي عند البوفيه تجدد الطعام في صحنها، صرت أيضاً خبيرة في النظرات الخاطفة من الرجال حتى وإن بذلوا الجهد لتكون غمزاتهم مصحوبة بدقة كافية فلا تنكشف أو تتسبب في مشكلة لزوج مع زوجته عند عودتهما إلى منزلهما. وصرت خبيرة في قراءة الشفاه التي تبعث برسائلها الصامتة بعد أن عجزت عن أن ترسلها بالهمس.

نعم، وصحيح أنني أتسلى في غياب الشريك ولكنى أيضاً خطر داهم في نظر بعض النساء. كل زوجة أو عشيقة أو شريكة مؤقتة لديها شك وأسئلة حول نوايا المرأة المنفردة. لماذا هي منفردة؟ لماذا لا يصحبها رجل؟ هي فوق كل هذا تتحرك في المكان بحرية ثم أنها في الحقيقة خفيفة الظل، رقيقة الحس، سعيدة أكثر من اللزوم بانفرادها.

***

نعم يا معلمي لا يمكن أن يستمر الحال على ما هو عليه، اعتقد أن لانفراديتي نهاية قريبة، إما أن يتجاوز عدد السيدات بدون شريك السيدات بشريك، أو أن يمتنع مجتمع الحفلات عن دعوة نساء منفردات.

يتعين في كل الأحوال أن أجد شريكاً وأن يتوفر عندي مخزون كاف من الرجال أسحب منهم كل مرة من يناسب المناسبة.

Print Friendly, PDF & Email
جميل مطر

كاتب ومفكر مصري مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  من جاكسون إلى جوني.. وحوشٌ وهمية صنعتها الغفلة