عن فانون و”معذبي الأرض”، المستعمِر والمستعمَر، الفدائي واللاجىء

"لا يكفي ان تؤلف أغنية ثورية، حتى تشارك في الثورة، انما ينبغي ان تصنع الثورة مع الشعب ثم تأتي الأغاني من تلقاء ذاتها" (فرانز فانون).

تبدل شكل الاستعمار من عسكري مباشر الى فكري ثقافي اقتصادي. لم تعد القوى الاستعمارية بحاجة للتوغل الى أراضي المستعمرات، فقد أصبح لها وكلاء حزبيين او مثقفين او برجوازيين وطنيين. لقد دخل الاستعمار الحديث من خلال الاقتصاد براحة وكلفة مادية أقل بكثير من الكلفة العسكرية الباهظة مادياً وبشرياً.

تمتلك الدول الاستعمارية أدوات الإنتاج والمصانع الحديثة، لذلك أصبح العامل في البلدان المستعمرة تحت امرة الاستعمار لا سيما ان برجوازيته الوطنية هي برجوازية صغيرة متخلفة نظرا لامكانياتها المادية القليلة وجمودها مقارنة بالبرجوازية الغربية التي أخذت دورها بالابتكار والتصنيع والتحديث. لقد شرح هيغل جدلية السيد والعبد والتحرر من العبودية، ليستند عالم الاجتماع المارتينيكي فرانز فانون إليها من أجل إزالة الاستعمار بالقوة. الا ان فانون لم يتوقف عند حتمية العنف من أجل إزالة الاستعمار، بل كان جوهر رائعته “معذبو الأرض” عبارة عن شرح عالم الاستعمار العسكري والاقتصادي والواقع الاستعماري الجديد ما بعد الاستقلال.

“المستعمر لا يعترف في قرارة نفسه باي حكم يصدرونه بحقه لقد سيطروا عليه لكنهم لم يطوّعوه. انه يتفرغ بفارغ الصبر ان يغفل المستعمر قليلا حتى ينقض عليه. فهو في عضلاته مرتقب”.

جدلية العبد والسيّد

يعتمد البناء النظري لفريدريك هيغل، في جدلية السيد والعبد على التناقض بين الاثنين الذي يؤدي الى عدم المساواة في الوعي الذاتي للبشر، ولإزالة التناقض يقتضي خلق نقيض آخر. لقد غذت نظرية هيغل ما أعلنه فانون عما يحلم به العبد بان يكون معترفا به من قبل الآخر ليتم التعرف عليه. ان هذا الآخر هو السيد وهذا السيد او المستعمر هو نوع آخر من نفس الجنس ربما (أصفر) يريد ان يأكل على حساب الاخرين لا بل يعاملهم معاملة الدواب. يعمل هذا العبد على خدمة السيد وإنتاج ما يأكل ويحقق تحرره الأخير من خلاله. تعني الازالة ان الاواخر سيصبحون أوائل بعد قتال عبر استخدام العنف. عبر ضرورة إحلال العبد محل السيد بغية الاعتراف به.

ان التاريخ بالنسبة لهيغل هو تاريخ العلاقات الاجتماعية، يتم افتتاح ذلك عندما يكون هناك نوعان من الرغبات الإنسانية. ما يريده الانسان ان يكون مرغوباً فيه من قبل انسان آخر. ان الجدلية بين شخصيتي السيد والعبد هي ان الأول يفرض على الثاني الاعتراف به عبر الانكار، بهذه الطريقة ينشأ شكل من أشكال الوعي في المهيمن. يدفع هذا الوعي العبد لأن يتعرف على الآخر على أنه سيد ويتعرف على نفسه على انه عبد.

عالم الاستعمار العسكري

لقد شرح فرانز فانون الاستعمار من منطلق تجربته الخاصة مع الثورة الجزائرية قبل تحرر البلد من الاستعمار الفرنسي العسكري وصولا الى الاستعمار بالوكالة. لا يمكن الا ان نتذكر القضية الفلسطينية بعروبيتها؛ بأحزابها المهترئة؛ بمثقفيها السلميين في ظل القيادة البرجوازية الوطنية. قبل الوصول الى الاستعمار الحديث سنعرض بعض أفكار “معذبو الأرض”.

المستعمر والمستعمر

قسّم فانون العالم الاستعماري الى قسمين: المستعمِر والمستعمَر وهو عالم ثنائي تتجابه فيه قوتان بالعنف. يقسم هذا العالم الى مدن للسكان الأصليين ومدن للمستوطنين. في مدينة المستعمر يوجد أمن اجتماعي وقيم أخلاقية واجتماعية واناس من العرق الأبيض. اما مدينة المستعمر فهي مجردة من القيم. “متدحرجة في الوحل. انها مدينة زنوج. انها مدينة عرب”. ان هاتين المنطقتين، كما يقول فانون، “تخضعان للمنطق الأرسطي الصرف لذلك فان احد الطرفين يجب ان يزول. لقد أطاح السيد أو المستعمر بماهية الانسان ذي العرق الأسود، كما فعل الأوروبيون بأفريقيا.. وبين هذين العالمين ثمة حواجز وحدود فاصلة يقوم على حراستها رجال الشرطة او الدرك من أجل تأديب المستعمر بالعنف”.

وقدر ذكر فانون اللغات المستعملة تجاه المستعمر وهي اللغة المستعملة في وصف الحيوانات “قطعان الأهالي، تفريغ السكان، تنمل الجماهير، هؤلاء السكان الذين يدبون على الأرض، الجماهير المهسترة، هذه الوجوه التي فر منها كل معنى انساني”.

تكلم فانون عن الحياد وقال إنه “ثمرة من ثمرات الحرب الباردة فهو يتيح للمدن المتخلفة ان تتلقى معونة اقتصادية فقط، لذلك تتحلل من اتخاذ موقف” وهذا هو وضع مصر التي افتتحت اتفاقيات السلام في العالم العربي مع العدو الإسرائيلي

إفراغ الشحنات السلبية

في البلدان الافريقية التي استعمرت من قبل الأوروبي، كان لا بد للمستعمر ان يفرغ شحناته السلبية، فهو إما يقوم بتدمير الذات عبر المعارك بين القبائل. كما انه من أجل الا يعبأ بالمستعمر يلجأ للدين. “بواسطة الايمان بالقدر، يُجرّد المضطهد من المسؤولية باعتبار ان الله علة كل شيء لتحقيق توازن داخلي”. لكن المستعمر لا يتردد أيضا عن الانتماء الى الجماعة التي تمنحه الهوية ويكون في عالمهم. على جانب آخر “ان انفعالية المستعمر تنطلق في أنواع من الرقص يخرج صاحبه عن طوره، ويجعله في حالة من النشوة. انها ظاهرة الرقص والمس. ظاهرة المس والتحول من المس”.

المثقف المستعمر

في فترة التحرر من الاستعمار، تعقد البرجوازية الاستعمارية بكثير من الحماسة صلات بالنخبة المثقفة، وتشرع بالحوار معها. ذلك ان المثقف الذي تبع الاستعماري على مستوى العموميات المجردة يريد ان يعيش الطرفان في سلام في عالم جديد. لا يمكننا هنا الا ان نتذكر مثقفي العالم العربي في زمن التطبيع الذين يروجون لاستمرار خط التسوية في عالم الاستعمار.

إقرأ على موقع 180  بوتين وزي جينبينغ.. وتحديات العالم

 لقد أخذ المثقف المستعمر عن اساتذته ان على الفرد ان يؤكد ذاته. لقد غرست البرجوازية الاستعمارية في ذهن المستعمر ان المجتمع مؤلف من افراد لكل منهم ذاتيته الخاصة، “غير ان المستعمر الذي يتاح له ان يغوص في شعبه اثناء فترة الكفاح من اجل التحرير يدرك فساد هذه النظرية. بل ان اشكال تنظيم الكفاح ستزود بلغة مثل الأخ الرفيق”.

الإستعمار الإقتصادي

ان البرجوازية الوطنية في بلداننا العربية بعد ان وصلت الى سدة الحكم لم تتردد في بيع نفسها للشركات الأجنبية. كما انها تملك الوسائل العقلية والمادية الكامنة (مهندسين فنيين إلخ..). “فنراها تكتفي بوضع اليد على مكاتب الاعمال التي كان يشغلها الأجنبي. ومنذ ذلك الحين تراها تقتضي من الجميع الشركات الأجنبية الكبرى ان تمر بواسطتها. ان البرجوازية الوطنية تكتشف لنفسها هذه المهمة التاريخية وهي ان تكون وسيطا، فهي وكيل للبرجوازية الغربية”.

لقد هجّر الكيان الصهيوني الفلسطينيين من بلادهم فتبنى هذا الشعب الكفاح المسلح انطلاقا من لبنان ودول الجوار الأخرى كأرضية يقاتل منها العدو الاسرائيلي. لتبدأ البورجوازية الوطنية الصغيرة في الشتات (مهندسون، جامعيون، دكاترة..) بجمع الأموال. الا ان عدم وجودها على أرضها كمركزية قتالية قد أضعفها.

لقد انطلقت الثورة الفلسطينية من رحم هذه البرجوازية التي ما فتئت ان وقعت اتفاقيات في ما بعد مع العدو الاسرائيلي (المستعمر) من أجل دخول أراضيها المحتلة للحفاظ على أموالها، فهي أدركت ان استمرار رساميلها غير ممكن الا على ارض ثابتة. وقد قررت الأحزاب الوطنية تحت غطاء منظمة التحرير الفلسطينية ان تخوض غمار هذه المفاوضات التي بدأت باتفاق مدريد، مع وجود الوسيط الأردني آنذاك.

ان الاستعمار الاقتصادي لا يهمه الا ان ينشىء وكالات عنه في الأراضي المستعمرة. ان من قام بالثورة الفلسطينية هم جميع فئات الشعب الفلسطيني في الشتات. لكن فيما بعد، وحتى يومنا هذا، تخلت هذه الأحزاب الوطنية التي قادت الثورة الفلسطينية، عن أهدافها التي انطلقت من أجلها لتتواطأ مع هذه البرجوازيات الصاعدة، فأصبحت هذه الأحزاب عبارة عن شركات او مؤسسات خاصة لا تعمل الا لمصالحها بعيدا عما يريده الشعب. وهذا أيضا ينطبق على اغلب الدول العربية المستعمرة من قبل أنظمتها، ليتماهى هذا الاستعمار فكريا مع الاقتصاد ويحوّل الوكلاء المحليين إلى خانعين في ظل استمرارية مصالحهم. اعتمد الاستعمار الحالي مقولة الأفكار المبنية على النشاط الفردي لينسى ان المصنع في ارضه يجب ان يكون له ومن هنا تنشأ المنافسات داخل الوطن. الا ان هذه البرجوازيات الصغيرة التي وافقت على الاستقلال غير الفعلي فاستعانت بالغرب المستعمر من خلال الفكر ومن خلال أدوات الإنتاج.

من فدائي إلى لاجىء

عندما اندفع الشعب الفلسطيني بكل فئاته من اجل التحرير لم يكن يعلم انه سيتم تبديل رتبة الفدائي الى لاجئ من أجل السلام. حينها مركزت البرجوازية الفلسطينية أموالها في دولة على حدود عام 1967 أي اقل من 25 بالمئة من مجمل الأراضي المحتلة.. لا بد ان نتذكر حينها تصفية القيادات الفلسطينية العسكرية التي رفضت اتفاق أوسلو. تصفية لم تكن سوى برمجة للواقع الفلسطيني الجديد و”قياداته الجديدة”.

لقد وجّه فانون أهم انتقاداته للنخبة المثقفة “العنيفة في الاقوال والاصلاحية في المواقف”. فنرى في دولنا العربية ان هذا المثقف والمنظمات السياسية الوطنية البرجوازية لم تنقطع علاقتهم بالاستعمار بل بالعكس انهم يحاورونه من أجل مكاسب فردية، لقد انفصل هذا المثقف عن مطالب الشعب الحقيقية.

مجرد دكاكين

استطاعت الوفود المفاوضة بعد اثبات وجودها ان تروج يوميا وفي كل مكان للتعايش السلمي بين المستعمر والمستعمر. ففي فلسطين يوجد استعمار عسكري مباشر. لقد خلق هذا الاستعمار وكالات من أجل مساعدة الشعب الفلسطيني وهي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. وقد خلقت هذه الأمم، لجانا متخصصة لتأييد الأقليات المغلوبة في البلدان العربية “انهم يستخدمون الشعب ضد الشعب اما القادة فانهم إزاء هذا الوضع يترددون وينتخبون”. لقد تكلم فانون عن الحياد وقال إنه “ثمرة من ثمرات الحرب الباردة فهو يتيح للمدن المتخلفة ان تتلقى معونة اقتصادية فقط، لذلك تتحلل من اتخاذ موقف” وهذا هو وضع مصر التي افتتحت اتفاقيات السلام في العالم العربي مع العدو الإسرائيلي. وهكذا لم يفت على هذه الأنظمة في مرحلة ما بعد الاستقلال الا ان تتسول حصولها على منحة او هبة من الصناديق الدولية المخصصة لإعانة الدول المتخلفة. ان هذه الوسائل الجديدة في الاستعمار لا تنفك ان تعتمد التفتيت والتفرقة وامداد القبائل بقياداتها الاقطاعية بالأسلحة، وكذلك تغذية الطائفية، برغم ان هذه الأحزاب القومية قد عبّأت الشعب سابقا ضد الاستعمار وطالبت باستقلال حقيقي وخاضت الكفاح المسلح.. لكن آل بها الزمن أن تصبح مجرد دكاكين في خدمة المستعمِر.

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  لو لم يوجد ترامب.. لأوجدناه